ينعم العالم اليوم بشكل عام بتطور حضاري علمي عمراني في مختلف جوانب الحياة، وينعكس ذلك على سلوكيات المجتمعات المختلفة بالإيجاب أو السلب، ويأخذ الإيجاب فيه قدرة المجتمعات المتحضرة على الاستفادة من مختلف تقنيات ومخرجات العلوم المختلفة وتحقيق البناء المتوازن بين عناصر التنمية المختلفة ولعل من أهمها الاهتمام ببناء الإنسان وتأكيد حقوقه العامة والخاصة ودوره ومسؤوليته في المشاركة الإيجابية في بناء مدينته ودولته.
نحن في المملكة أخذنا النصيب الأوفر من مظاهر التحضر العام بما نملكه من إمكانات عمرانية تتمثل في المباني الحديثة والطرق الفسيحة والسيارات الجديدة وغيرها من مخرجات التحضر العالمي، كما أننا نعيش مرحلة حضارية، فيما يتوافر من بعض الخدمات والمرافق ووسائل الاتصال المختلفة.
إن النظر إلى مفهوم التحضر اليوم ينعكس بشكل مباشر على عنصرين أساسيين هما المكان والإنسان، فالمكان يعكس الأشياء المادية التي تم تطويرها وتوفيرها لمختلف متطلباته واحتياجاته وبما يتفق مع مخرجات العالم المتحضر، ولعلنا لنا في المملكة تجربة جيدة وخلال فترة زمنية قصيرة فيما يتعلق بالتطور العمراني والمادي المكاني وانتقال المجتمع من المجتمع الريفي البسيط إلى المجتمع المتحضر في مسكنه وملبسه ومركبه وغذائه وغيرها من الأمور الأخرى المتمثلة في ما تم توفيره من مساكن وخدمات ومرافق وطرق ووسائل اتصال ومواصلات وغيرها كثير من مظاهر التحضر الملموسة والمرئية لكل مفتح بصيرة.
أما العنصر الآخر والذي يمثل الاهتمام الأهم لمخرجات التحضر فهو الإنسان نفسه وبناؤه البناء الصحيح الذي يتفق مع ديناميكية التحضر وسرعة وتيرته، ويبرز النجاح في تحقيق البناء السليم للإنسان من خلال قدرته على التعامل مع مخرجات وعناصر التحضر المختلفة وانسجامه معها وعدم سيطرة هذه العناصر على حياته وساعاته وأسلوب التعامل معها واستغلالها واستثمارها بالشكل الصحيح، ولنا في هذا المجال العديد من الوقفات التساؤلية ومنها كيف أثر هذا التحضر في ساعات عملنا؟ وقدرتنا على العطاء؟ وأسلوب معيشتنا؟ وقدرتنا على التنافس مع الآخرين، وإبراز لقيمنا الاجتماعية؟ ، وتولينا لمختلف أعمالنا؟ وقدرتنا على إدارتها؟ وتطويرها بما يخدم أهدافنا الوطنية وإعطاء الفرصة لأبنائنا وبناتنا للتأقلم معها والعمل في جو من الراحة والأمان والاطمئنان الأسري.
إن الانفتاح على الثقافات الأخرى ومحاولة فهمنا للآخر لا يمكن أن تتم ونحن نعيش مثل هذه الانغلاقية المعرفية والفوضى الثقافية، كما أن متطلبات التنافس مع الآخرين ومزاحمتهم في الأمور الدنيوية بما يخدم مصالحنا ويضمن استقرارنا ونمونا وتحقيق متطلبات الأجيال القادمة وإعطاء القدوة الصالحة المنتجة لهم، ولعل لبعض الظواهر الاجتماعية التالية ما يستوجب إعادة النظر وتطوير الحال وإصلاحه ومنها قدرتنا على احترام حق الطريق والاستفادة من هذه الطرق الفسيحة والمنارة والمشجرة وتقليلنا من عدد حوادث السيارات المميتة، واحترامنا لساعات الجسم البيولوجية وعدم سهر مدننا إلى ساعات متأخرة من الليل تعمل فيها مختلف المحلات التجارية والمطاعم وتعج فيها الحركة بشكل يجعلنا أمة مستهلكة على مدار الساعة ولسنا أمة منتجة لها ساعات عمل وساعات راحة وساعات ترويح عن النفس.
إننا نحتاج إلى إعادة نظر في أسلوب حياتنا اليوم والتي لا تتفق مع متطلبات التحضر العالمي ولا تجعل منا أمة منتجة، فالسهر إلى آخر الليل وساعات الصباح الأولى لن يجعل منا أمة منافسة للأمم الأخرى، لأننا نبدو دائما مرهقين وغير قادرين على العطاء، لا يمكن أن نساعد أبناءنا وبناتنا على العمل في القطاع الخاص إذا بقيت المحلات التجارية إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، لن نعطي رجال الأمن الفرصة للراحة والمراقبة إذا بقينا إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، لن نعطي الفرصة لشركات النظافة والصيانة أن تعمل على نظافة مدننا وصيانتها إذا بقينا إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولن ولن ولن !!!
إن القدرة على العطاء والإنتاج تحتاج منا إلى إعادة النظر أيضا في أسلوب عملنا في مختلف القطاعات والأجهزة والناظر اليوم للجهاز الحكومي والذي يعتبر المحرك الأساسي للعديد من القطاعات الأخرى والمنظم للعمل يجد أنه جهاز ترهقه البيروقراطية والترهل ويغلب على العديد من العاملين فيه النظرة التسويفية للعمل والاعتقاد أن الهدف من العمل في القطاع الحكومي هو لضمان الراتب الشهري أو ما يمكن تسميه الضمان الاجتماعي وهو الحد الأدنى للعطاء.
إذا أردنا أن نكون أمة متقدمة ومنافسة للأمم المتحضرة وعضواً فاعلاً ومؤثرا في المنظومة الاقتصادية العالمية ومنظماتها الدولية فيجب أن نعيد النظر في كل ذلك، إذا أردنا قطاعا خاصا ناجحا وموظفا يجب أن نعيد النظر، وإذا أردنا أمنا سليما وصحيا يجب أن نعيد النظر في البناء الداخلي للعديد من المؤسسات الحكومية العامة والتي تعتبر الواجهة الحقيقية والأولية للقطاعات الأخرى وبهذا تحترمنا المجتمعات الأخرى وتقدر عطاءنا ومشاركتنا لهم في عمارة الأرض وبنائها أو تكون أمة تلفظها مدينتها أو كما يقال المدينة تلفظ خبثها.
وقفـــــة تأمـــــــــــل:
صغير يبتغي الكبرا
كبير ودَّ لو صَغُــرا
وخالِ يبتغي عَمَـلاً
وذو عمل به ضَجِـرا
ورَبُّ المالِ في تَعَب
وفي نَصَب من افْتَقَرا
فهل حاروا مع الأقدارِ
أم هُمْ عارَضُوا القَدرا؟
