تثور في مصر من مرحلة إلى أخرى تساؤلات كثيرة وحوارات واسعة حول الدور الثقافي المصري في العالمين العربي والإسلامي وما أصابه من تغيرات خلال السنوات الأخيرة أدت بحسب معظم المراقبين المهتمين بهذا الملف إلى تراجعه بصورة واضحة. وقد اشتد هذا الجدل في الأسابيع الأخيرة بمناسبة المنافسة القوية التي دخلتها المسلسلات التلفزيونية المصرية ذات الطابع التاريخي خلال شهر رمضان الماضي مع تلك التي أنتجها التلفزيون السوري الشقيق والتي بدا واضحاً منها التراجع الملحوظ للمصرية والتقدم الكاسح للسورية. وقد أدى الحوار الساخن حول تلك القضية الفنية النوعية إلى إعادة فتح ملف الدور الثقافي المصري العربي والإسلامي على وجه العموم وما راح يعتريه من ضعف وتراجع في مختلف المجالات الثقافية النوعية. ولعل فتح ذلك الملف المهم من حين إلى آخر في مصر يعود إلى أهمية الدور الثقافي في التحرك الخارجي المصري تاريخياً، إلى الحد الذي ذهبت معه بعض الكتابات إلى القول إن قوة مصر في الماضي لم توجد بواسطة جيش، بل إن الذي صنعها هم الصحافيون والمثقفون والفنانون، وأن الإعلام والثقافة كانا من بين القواعد الرئيسية التي قامت عليها مكانة مصر العربية.
ويشير مفهوم الدور الإقليمي الثقافي المصري هنا إلى تلك الحالة من الوجود والتأثير لمواد ثقافية وفنية وإعلامية مصرية ناطقة باللغة العربية بداخل الدائرة العربية وبغيرها من اللغات في الدائرة الإسلامية، وبخاصة في الأولى التي تعد الثقافة العربية هي ثقافتها الأصيلة الرئيسية. وقد ظل هذا الوجود والتأثير مستمرين ونافذين خصوصاً في العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل بصورة تصعب معها مقارنته بأي دور مماثل سواء لإحدى دول هذا العالم أو لدول أخرى خارجه. وعلى الرغم من ظهور أدوار منافسة لهذا الدور المصري المتميز من جانب بعض الدول العربية والإسلامية خلال الأعوام الأخيرة، فلا يزال لهذا الدور قوته وتأثيره بما لا يقارن بهذه الأدوار الجديدة مع الإقرار بوجود تدهور واضح فيه خلال تلك الأعوام. وعلى الرغم من أن هذا الدور قد بدأ واستمر لعقود طويلة من الزمان على أكتاف الأفراد من المثقفين والكتاب والفنانين المصريين والهيئات الخاصة المتخصصة في مختلف مجالات الثقافة، فهو لم يتخذ كامل تأثيره سوى باضطلاع الدولة وهيئاتها الثقافية بالمهام الرئيسية في القيام بهذا الدور وتوفيرها جميع الموارد المادية والبشرية الضرورية للقيام به على أفضل وجه ممكن. من هنا فمن المرجح أن أحد الأسباب الرئيسية لما أصاب الدور الإقليمي الثقافي المصري من تراجع يعود إلى التراجع العام الذي أصاب دور الدولة في إدارة شؤون المجتمع المصري الداخلية والخارجية بما فيها الثقافة بشتى فروعها خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من هذا التراجع الملحوظ في الدور الإقليمي الثقافي المصري وبخاصة في العالم العربي، فمن حسن الحظ أنه لم يكن لحساب أدوار أخرى غير عربية، فقد نشطت دول عربية عديدة في مختلف مجالات الثقافة والفنون لكي يتقدم بعضها لينافس الدور المصري بل ويحل محله في بعض الأحيان.
وغير بعيد عن هذا السياق فإن الساحة السياسية والثقافية المصرية قد طرحت ضمن تساؤلاتها حول تراجع هذا الدور الثقافي المصري عربيا وإسلامياً تساؤلات وتخوفات عديدة حول إمكانية منافسة إسرائيل لهذا الدور في العالم العربي، وبخاصة في ظل حرصها الواضح على التطبيع في تلك المجالات. وفي الحقيقة فإنه من الصعب تصور حدوث مثل تلك المنافسة لأسباب جوهرية. فمن ناحية يتطلب لعب دولة ما لمثل هذا الدور في العالم العربي خصوصاً ليس فقط أن يكون إنتاجها باللغة العربية، بل وأن تكون هذه الدولة وشعبها داخلين ضمن الإطار الثقافي العربي. وعلى الرغم من أن بعض عناصر الإنتاج الثقافي والإعلامي والفني يمكن أن تنتمي إلى إطار ثقافي مختلف عن ذلك الذي يتوجه إليه هذا الإنتاج، مثل التمويل والتقنيات، فإن العناصر الأخرى له لا يمكن لها بحكم طبيعتها أن تكون كذلك. ومن هنا، فحتى إذا كانت الدولة العبرية تملك بعض العناصر المادية والتقنية التي يمكن لها بها المساهمة في عمليات الإنتاج الثقافي والإعلامي والفني العربية، إلا أن افتقارها إلى التجانس مع الثقافة العربية وتراثها العدائي معها يحرمها من أقوى عناصر الدور الثقافي الذي يسمح لها بمنافسة الدور المصري أو أي دور عربي ثقافي آخر. من ناحية ثانية، فإذا كانت عملية التسوية التي بدأت قبل نحو ربع قرن وازدادت سرعتها في السنوات الأخيرة قد سمحت ببعض النشاط في المجتمعات العربية للقوى الداعية إلى التطبيع مع الدولة العبرية وبخاصة في المجال الثقافي، فهي في الوقت نفسه قد زادت من قوة القوى السياسية والنقابية والشعبية الرافضة لذلك. ومن المتوقع في ظل استكمال عملية التسوية بالصورة غير النهائية والعادلة التي لا تستجيب للشرعية الدولية والمطالب العربية، أن تستمر حركة الرفض هذه بل وأن تزداد قوة. ولا شك أن هذا سوف يمثل عقبة إضافية أمام ظهور دور ثقافي وإعلامي وفني إسرائيلي ينافس الدور المصري أو أي دور عربي آخر في الإطارين العربي والإسلامي.
