إن التلاعب بعلامة تجارية شهيرة للشوكولاتة عمل بغيض في عالم الحلويات الذي يمكن أن تكتسب فيه المنتجات وضعاً رمزياً والعملاء باقون على ولائهم المعهود.
لو اعتبرت نفسك "نستله" Nestle لوجدت أن الأخطار مضاعفة. تعتبر "نستله" أكبر مجموعة غذائية في العالم، وهي تبيع كل شيء من طعام الحيوانات الأليفة إلى الفشار في 144 بلداً، ولكن تظل الشوكولاتة تحتل المركز الأهم لديها.
يحمل القليل من خطوط إنتاجها التي تعد بالآلاف الارتباطات ذاتها التي تحملها جودة المنتج السويسري - وهي ميزة تنافسية ثمينة تتميز بها "نستله" عن المنافسين الأقل شهرة مثل "يونيليفر" Unilever- ومن الأمثلة على ذلك الحلوى البنية التي تصنعها.
لذلك، فوجئ العديدون في الشهر الماضي حين أعادت "نستله" طرح "كالييه"، العلامة التجارية الأساسية للشوكولاتة التي تصنعها وأقدم علامة توضع على الشوكولاتة السويسرية. وإن إحياء هذه العلامة التجارية دلالة على زخم جديد بين شركات تصنيع السلع الاستهلاكية، لإيجاد منتجات إبداعية وذات هامش ربح أعلى - كما أنه يلقي الضوء على المخاطر التي ستواجهها في حال فشلها.
ورغم أن "نستله" تبيع أيضاً ألواح وعلب الشوكولاتة تحت الاسم الخاص بها في إسبانيا وفرنسا، إلا أن هذه الأنواع تأتي في مرتبة أدنى من مرتبة منتجات "كالييه". وعلى نحو مشابه، أتت العلامات التجارية الأوسع لحلوى "جالكسي" التي تنتجها المجموعة بأنواع عدة، من خلال الاستحواذات الأجنبية، وليس لها الدلالات العاطفية نفسها التي تتمتع بها الشوكولاتة السويسرية. ومن بين هذه الأنواع "كيت كات"، و"سمارتي" و"بيروجينا".
وكان تغيير "كالييه" أقرب إلى إعادة الطرح منه إلى الثورة. وتم تكليف جان نوفيه، المهندس المعماري الفرنسي الحاصل على جائزة، باختراع علامة تجارية جديدة تماماً من حيث التسويق، والتغليف، وشكل الشوكولاتة، من غير أن يقتصر الأمر على الشعار. كما أن فيران أدريا، رئيس الطهاة الإسباني الشهير، يقدم وصفات ومنتجات جديدة.
ولهذا الطاهي الشهير مطعم اسمه "إل. بولي" في شمال برشلونة، وهو مصنف بثلاث نجوم من قبل دليل ميشلان للمطاعم العالمية، ويتم الحجز لتناول وجبة فيه قبل أشهر مقدماً. ولن يتم الكشف عن أعمال أدريا تماماً إلا في شهر أيلول (سبتمبر) حين تكشف "كالييه" عن منتجاتها الجديدة التي تعكس موهبة في الذوق والتركيبة الغذائية.
إن موهبة الإبداع معروفة عن نوفيه، إذ تم تغيير الأغلفة الورقية التقليدية التي كانت تلف بها الألواح وعلب الشوكولاتة من نوع "كالييه" بمادة بلاستيكية صافية لإيجاد ما يدعوه المهندس المعماري رابطة أقوى بين العميل والمنتج.
وتراجعت الصور التقليدية للأبقار السعيدة مفسحة المجال للألوان الجريئة والآثار الذكية للمكونات التي كثيراً ما تشتمل على الورق الصقيل للدلالة على غنى المادة الموجودة بداخلها. وتقول نيلي فينيجر رئيسة "نستله" في سويسرا: "كانت النية عموماً اختراع مؤثرات بصرية لتشجيع المستهلكين على اختيار البضاعة واختبارها".
وسبّب هذا التحول حراكاً في سويسرا. أما ما يعطيه وقعه الخاص، فهو آثاره بالنسبة لشركة نستله ككل.
وبقيادة بيتر برابيك الرئيس التنفيذي، الذي أصبح رئيساً لمجلس الإدارة في العام الماضي، خضعت "نستله" لعملية تغيير جذري في المنتجات.
تم إلغاء المنتجات ذات هامش الربح الأقل، كمعجون الطماطم، التي لا تتضح فيها القيمة المضافة المميزة لـ"نستله"، وذلك لصالح المنتجات ذات الهامش الأعلى التي يمكن أن تبرز إسهام المجموعة. ومن بين اختراعاته أصناف اللبن المضاف إليها مزيد من المواد المغذية لتسهيل عملية الهضم، ومن بينها كذلك أنواع الشراب الصحية.
ساعدت هذه التحركات في تحسين صورة "نستله" لدى المستهلكين الذين يتزايد اهتمامهم بالأمور الصحية. لكن دافعها الرئيسي كان باستمرار إيجاد منتجات أكثر تميزاً لتعزيز مبيعاتها وأرباحها في وقت يغلب فيه الركود على أسواق الطعام والشراب في الدول المتقدمة على الأقل.
يقول جون كوكس المحلل في شركة كيبلر للأسهم،:"إن الطريقة الوحيدة لمجموعة غذائية كبرى مثل نستله لتعزيز إيراداتها في الأسواق المترسخة التي يتسم فيها الطلب بالاستقرار هي جعل المنتجات أكثر تميزاً وإبداعا". ويضيف: "إن هذه الاستراتيجيات هي أيضاً استجابة جوهرية للتغيرات في أسواق التجزئة مع زيادة عدد المنتجات التي تباع بخصومات كبيرة من جانب المنتجين وتجار التجزئة، لدرجة أصبحت معها تحل محل المنتجات الأخرى على أرفف المحلات".
يعترف لويس كانتاريل رئيس شركة نستله في أوروبا بذلك قائلاً:" أكثر من أي وقت مضى، أصبحت قدرتنا على الإبداع أحد عوامل النجاح الرئيسية. ومع وجود تشبع في بعض الأسواق الأوروبية، تزداد أهمية القدرة على الإبداع من أجل الحصول على حصة من السوق".
وتمثل إعادة اختراع علامة "كالييه" التجارية واحدة من أشجع الخطوات التي أقدمت عليها شركة نستله. وتقتصر هذه التجربة حالياً على سويسرا التي تشكل 1.5 إلى 2 في المائة من مبيعات المجموعة.
لكن فينيجر، السويسرية من أصل فرنسي وذات الخمسين عاماً المعروفة أكثر في بلدها الأصلي بتنظيمها المعرض الوطني في عام 2002، تعترف بأنه تجري مراقبة التقدم الذي تحرزه علامة "كالييه" التجارية من كثب من قبل باربيك وكانتاريل في المركز الرئيسي للمجموعة والواقع على الجانب الآخر من فيفيه، تلك البلدة السويسرية الصغيرة التي يوجد مقر شركة نستله السويسرية فيها.
وتأتي ثورة "كالييه" على أثر محاولة أولية جرت في العام الماضي لإعادة إحياء واحدة من أشهر العلامات التجارية، ولو أنها واجهت المتاعب أحياناً، في محفظتها حين أعيد طرح مثلجات "موفينبيك" الراقية.
وتكتسب "كالييه" ككل أهمية أكبر. فالشوكولاتة واحدة من أكبر المنتجات الموجودة في محفظة "نستله" السويسرية، إذ تشكل 12 في المائة من مبيعاتها، وهي أحد العناصر الرئيسية التي تعطي المجموعة هويتها.
ولكن بالرغم من مكانتها، كانت "كالييه" تفقد أرضيتها. فبعد أن كانت منتجاتها تحتل المرتبة الثانية دون منازع في سويسرا بعد منتجات منافستها "ميجروس"، المؤسسة التعاونية المهيمنة على تجارة المواد الغذائية بالتجزئة، أصبحت تتنافس الآن على المركز الثاني مع شركة ليندت التي تصنع شوكولاتة راقية وتحلق مبيعاتها وأرباحها عالياً بسبب أساليب التسويق الذكية، وبفضل صورتها المرتبطة بالجودة العالية.
ومما زاد الطين بلة، انخفاض استهلاك الشوكولاتة في سويسرا. ولا يزال السويسريون في طليعة مستهلكي الشوكولاتة في العالم بمعدل 11.6 كجم للفرد في السنة، إلا أن هذا المعدل أخذ يقل عن أعلى مستوى له في عام 2001 حين بلغ معدل الاستهلاك الفردي 12.3 كجم.
وتقول فينيجر: "كانت هناك رغبة قوية في تعزيز شوكولاتة كالييه قبل التحاقي بشركة نستله في العام الماضي بوقت طويل. وكان هناك شعور بأن هذه العلامة التجارية تمر بوضع لا يتناسب مع وزنها. ولكن لسبب أو لآخر، لم يفعل أي شخص شيئاً حيال ذلك. وتضيف: "وإذا أجريت تغييراً جوهرياً، فإن ذلك يعتبر مجازفة واضحة. والدراسات السوقية مشجعة، ولكن الخطر يظل قائماً".
وهي تدعي أنهم لاقوا تشجيعاً من متاجر التجزئة رغم وقوعهم تحت ضغوط مستمرة من شركات الأغذية لزيادة رفوف العرض أو إفساح المجال لمعروضات خاصة.
وتقول: "كنت متأكدة أن الأمر سيكون صعباً. وفي الحقيقة، كان التجاوب متميزاً مع هذه الخطوة. ويمكن أن نكون لمسنا شعوراً كامناً من ضرورة تغير الأشياء بعد انقضاء عقد على الوضع نفسه".
ومهدت هذه الاستجابات السبيل للخطوة التالية. ومع أنها ما زالت غير رسمية، فهناك أمل كبير في أن تحذو "كالييه" حذو مثلجات "موفينبيك"- التي أعيد إنتاجها بثوب جديد - في أخذ طريقها إلى الأسواق العالمية.
وتقول فينيجر: "تمثلت فلسفة شركة نستله دوماً في ترسيخ العلامة التجارية في موطنها أولاً. ولكن إذا نجح منتج في أحد البلدان، فإنه يحاول أن يمد وجوده إلى بلدان أخرى".
أما كانتاريل، فهو أكثر مباشرة حين يقول: "حتى لو بدأت شوكولاتة كالييه في سويسرا، فإن لدى هذه العلامة التجارية طموحات أخرى. إننا نفكر منذ مدة في طرحها عالمياً".
"بوكس"
كيف تفكر خارج علبة الشوكولاتة
تعتمد الشركات في هذه الأيام على الأشخاص المشهورين في بيع كل شيء من الأحذية الرياضية إلى السباجيتي. ولكن هذا الأسلوب له آثاره الضارة، لأن الشركات المصنعة تستغل كل شيء من الارتباطات البصرية إلى معززات الإنتاج وحتى العلامات التجارية الفرعية المباشرة.
"إن الجانب الإيجابي لاستخدام الأشخاص المشهورين بالصورة التقليدية هو استخدام اسم الشخص المشهور لرفع علامتك التجارية. أما الجانب السلبي، فهو بالطبع أن علامتك التجارية بين أيديهم"، هذا ما يقوله برايان بويلان رئيس مجلس إدارة "ولف أولينز" لاستشارات العلامات التجارية. ويضيف قائلاً: "في أحسن الحالات، تكون العلامة ناجحة جداً. ولكن كثيراً ما تكون في خطر كبير".
وتدعي نيلي فينيجر رئيسة "نستله" السويسرية، أن قيام شركة نستله بإعادة إحياء علامة "كالييه" التجارية، وهي أكبر علامة للشوكولاتة السويسرية التي تصنعها، اقتحمت مجالات جديدة باستخدام مواهب الأشخاص المشهورين دون ربط حظوظ نجاح العلامة التجارية بهم. وتقول: "ليس هذا تسويقاً تقليدياً لأشخاص مشهورين: لم نتوسل إليهم من أجل أسمائهم. وليس المهم هنا جين نوفيه أو فيران أدريا، ولكن المهم هو علامة كالييه التجارية".
وهي تقول إن أولوية شركة نستله كانت اختيار أشخاص - وفي هذه الحال، وقع الاختيار على مهندس معماري فرنسي وطباخ إسباني - "يفكرون خارج علبة الشوكولاتة. كنا نريد اتخاذ خطوة كبيرة والذهاب إلى مكان لم يطرقه غيرنا من قبل".
ويعتقد بويلان أن الشركة تميزت بالإبداع الحقيقي: "الأمر غير العادي هو الاصطفاف في مسابقة الجمال التي قدموها. ولا يوجد شخص تقليدي واحد للتغليف هناك".
" في هذه الحال، يحتمل أن يكون عامل الشخص المشهور عرضياً بالنسبة لمعظم المستهلكين. لكن ليس لشركة نستله التي ذهبت إلى الأشخاص الذين يعتبرون الأفضل في مجالاتهم. وإنها لإشارة مهمة داخلياً وللصناعة - إنها إشارة ذكية. إنهم يقولون لمنافسيهم: احذروا".