يقف الواحد منا في مواقف عديدة وقد شعر بالكبرياء والفخر لانتسابه إلى الدين الاسلامي الحنيف، ثم لرجال تتابعوا فحملوا راية التوحيد وامتلأت سيرتهم بكل ما هو عطر ونضر. رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه بعزيمة قوية صادقة وقلب متصل بالمولى سبحانه، لا يبتغون إلا الجنة. رافقوا الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم فبذلوا كل غال وثمين في سبيل نشر الدعوة والذود عنها فأحبهم وأثنى عليهم ودعا لهم.
من قراءة السيرة والتأمل في شخصيات الإسلام منذ بداية الرسالة، تبرز لنا أمثلة لا نفتأ نتذكرها في هذه الأيام ونحن نشحذ همم أبنائنا وشبابنا بالتسلح بالإيمان والنهل من العلم الشرعي والطبيعي حتى نلقى الله ونحن مطمئنين بإذن الله. نقف بجانبهم ليقفوا بشموخ يساندون في بناء هذا الوطن الكريم بأيديهم ويورثون أدبهم وأخلاقهم للأجيال القادمة. ورد في السيرة نماذج عديدة قد اخترت ثلاثة منها وهم من الشخصيات المتفردة والمتميزة من الصحابة رضوان الله عليهم والذين اتبعوا القائد وآمنوا برسالته وبذلوا الغالي والرخيص في سبيل الإسلام وجاهدوا فعوضهم الله حب رسوله لهم فطوبى لهم.
أول النماذج هو مصعب بن عمير والثاني هو سعد بن أبي وقاص والثالث هو أبو قتادة الأنصاري. كلهم دخلوا الإسلام وهم شباب وعاصروا مع رسول الله أيام السلم والحرب. لقد كان مصعب يرفل في نعيم العيش ورغده ويعيش ترفا يحسده عليه أقرانه كافة من شباب قريش. فما إن سمع بدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى لبى النداء واعتنق الإسلام. وبالرغم مما تعرض له من أذى وتنكيل وحرمان إلا أن الله عوضه حب سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. حتى كان يوم غزوة أحد واستشهد فيها، إذ بالنبي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم يبكيه والصحابة يكفنوه في ثيابه التي مات بها. لقد كانوا وهم يكفنوه ما إن يغطوا رأسه حتى تنكشقف ساقاه، وإذا ما غطوا ساقيه انكشف رأسه وهكذا حتى أصابتهم الحيرة. فقال لهم رسول الله: ''لقد كان من أنعم شباب قريش وكان يعرف بعطره من مسافات طويلة فيتميز عن أقرانه''. هذا الصحابي الذي عرف بتميزه لم يجدوا ما يكفنوه به وهو يموت فقد آثر الآخرة على الدنيا واستشهد وهو راغب فيها. نعم الرجل ذاك.
النموذج الثاني وهو سعد بن أبي وقاص: الذي تعرض لمواقف لا يحسد عليها من الأذى وقهر النفس. فعندما أعلن إسلامه، تجلى له حجم الضغوط عليه في غضب والدته عليه عندما علمت بالأمر. فأول ما بادرت به أن هددته بأنها ستجلب له العار، ثم هددته بأنها ستمتنع عن الطعام إذا لم يرتدع ويترك هذا الدين. ما أشدها من قسوة لقد كان هذا الشاب مثال البر بأمه وقد عرف عنه ذلك في تلك الحقبة من الزمن. لكن عزيمته التي لا تلين ولا تضعف واجهت الموقف بصلابة وتغلب على نفسه، وقال لها بلغة المؤمن القوي الواثق من إيمانه والصادق مع نفسه: ''والله يا أماه لو أن لك مائة نفس خرجت واحدة تلو الاخرى على أن أترك هذا الدين مافعلت''. كلمات هزت وجدان قلب لم يكن يعني ما تفوهت الشفاه به ولكن هو كبرياء الجاهلية، فلما رأت الأم صدق عزيمة ابنها وهي أدرى الناس به لا محالة، أيقنت أنه لا فائدة من محاولاتها فتراجعت عن تهديدها وصاحبها هو معروفا إلى أن ماتت. هذا هو سعد بن أبي وقاص الذي دعا له الرسول عليه الصلاة والسلام في أحد الأيام بأن يكون ''مستجاب الدعوة'' وقد استحقها بعزيمته.
النموذج الثالث وهو أبو قتادة الأنصاري (الحارث بن رِبْعي الأنصاري). فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم. شهد غزوة أحد وما بعدها من الغزوات، وقد أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقــــــال فيه: ''خير فرساننا أبو قتادة''. وقد دعا له صلى الله عليه وسلم فقال: ''اللهم بارك في شَعره وبَشره''. ومن أشهر ما روي عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، بعثه في حرب فارس فتمكن من قتل ملك فارس فكافأه أعظم مكافاة. كما استعمله علي بن أبي طالب على مكة لفترة من الزمن، وشهد معه ما شهد علي رضي الله عنهما. وقد سئل مرة: ''لم لا تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثنى عليك وأحبك وقربك منه؟'' فأجاب متوهما وقال: ''سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ''من كذب علي فَلْيُشهد لجنبه مضـجعاً من النـار''.
من هذه النماذج الثلاثة وبهذه السيرة المضيئة لشباب اعتزوا بدينهم وصدقوا الله في رسالتهم، يمكن أن نتوسم في شباب اليوم كل الخير، وقد أوتوا من شتى العلوم نصيبا وافرا، وتسلحوا بتقنية العصر وأصبحوا عماد أوطانهم. يمكن الخلوص إلى أن الشباب الذين يؤمنون بفكرة صادقة ويخلصون لها هم من تعتمد عليهم الأمة في بناء نفسها وتحفظ لهم تاريخا لا يمكن نسيانه، وبشحذ الهمم نصل إلى مشارف العلا. إن صدق النية يتبعها إخلاص في العمل، ستكون نتائجه مبهرة وهذا ماسيجعل شبابنا خير خلف لخير سلف. فتذكروا شبابنا دائما هؤلاء الثلاثة بسيرهم العطرة رضي الله عنهم، واعلموا أننا نرى فيكم مستقبلا زاهراً تصنعه أيديكم.؛ُ
د. فهد أحمد عرب