"أنا شهرزاد القصيدة و صوتي غناء الجراح
أنا كل يوم جديدة أهاجر عند صباح
و كان شهريار يبدد النساء
يبدد الأشعار و الناس و الأسماء
رأيت دموع العذارى سمعت بكاء السنين
و كيف تضيع العذارى بقصر الضنى و الأنين
و كان شهريار يسهر كل ليلة
مستوحشا فصار سجين ألف ليلة
و صار سجين الحكاية
و قلت للحكاية ألا حرري السجينات
انهضن يا سجينات أنا شهرزاد"
صوت فيروز المزخرف بحنين الحكايات القديمة لم يعجز يوما عن الوصول إلى آفاق أبعد من الأغنية وأعمق من القصيدة .. صوتها المرهف لم يعرف حدودا للكلمات .. فهي كما غنت القصائد غنت الحكايات والقصص.
الحكايات التي لعبت دورها الاجتماعي والثقافي كونها منذ الأمد – تلفاز – الناس الملتصق بتفاصيل يومهم ومناسبات حياتهم – وهي التي لبت احتياجات الوعظ والتسلية في آن – لم يعجز صوت فيروز عن نقلها حين عجزت الأصوات الأخرى.
وإن كانت القصيدة القصة تكتب في أحيان نادرة فإنها لم تعد تغنى, وهذا سبب بارز للضمور الذي عاناه النص القصصي في بعض أحشاء الوقت. لا يمكننا أن ننكر فضل الأغنية على القصيدة فهي حين تنشرها وترسخها في أذهان المستمعين تطيل عمرها على أقل تقدير.
من يستمع لفيروز وينصت يتلمس القصة بوضوح شديد , يتلمس القصة بطريقة فنية لا تؤذي رهافة اللحن والغناء . هي وحدها تغني الحكايات .. ولو تأملت الأغنية ستقع على كل عناصر القصة مجتمعة دون نقصان وستكون ملامح الأغنية القصة أشد وضوحا من ملامح القصيدة حتى .. ودون أن تحتاج الأغنية لفيديو كليب و ممثلين يوضحون الحكاية ..وفي جزء بسيط من الأغنية ستنقلك فيروز إلى المكان والزمان والشخوص وحبكة الحكاية بصوت إيداعي منمق قادر على حمل الحكاية / القصة. وفي مقطع أنا شهرزاد السابق اختصرت فيروز حكاية أرهقت الكتب بطولها وإن كان – بالتأكيد – الفضل يعود لذكاء القديرين الأخوين رحباني إلا أن هذه الملحمة الجميلة لا تكتمل إلا بصوت قادر على حمل الأسطورة ضمن كلمات ولحن لا يخل بروعة الحكاية وعناصرها.
"كان في أرض و كان في ايدين عم بتعمر تحت الشمس و تحت الريح
و صار في بيوت و صار في شبابيك عم بتزهر صار في ولاد و بايديهم في كتاب
و بليل كلو ليل سال الحقد بفية البيوت
و الايدين السودا خلعت البواب و صارت البيوت بلا صحاب"
طافت فيروز في الحكايات فهي لم تقتصر على شهرزاد و زنوبيا وغيرها من الحكايات العالقة في التاريخ , غنت الحكاية على أرض الواقع وبكت الوطن .. وغنت الحكاية الرومانسية الكلاسيكية.
"كنا نتلاقى من عشية
و نقعد على الجسر العتيق
و ننزل على السهل الضبابي
يمحي المدى و تمحي الطريق
و ما حدا يعرف بمطرحنا
غير السما و ورق التشرين
و يقللي بحبك أنا بحبك
و يهرب فينا الغيم الحزين"
فيروز حولت الأغنية إلى مهرجان, حملتها المسرح والقصيدة والقصة والآن القصة الأغنية غابت عن الساحة وبتنا نفتقدها بشدة رغم ما للقصة من فضل على التراث العربي القديم والحديث .. وبلا شك لو عاد هذا الفن سيضيف آفاقا مذهلة للقصة والأغنية . والبحث عن حنجرة وكاتب يشعران بالمسؤولية الفنية ويقدران الذوق الراقي هو أول خطوة حتى تعود الأغنية الحكاية إلى بريقها.