ما أن تبدأ أول أيام شهر رمضان المبارك، إلا وتبدأ معها فصول المطاردة والقبض على الشباب الذين يعملون على دفع عربات يأتون بها من خارج المسجد الحرام، بعد أن ينتقوها من الصيدليات، بطريقة تخالف أنظمة العربات داخل الحرم.
ويقع هؤلاء الشباب بين مطرقة مصاريف المعيشة وارتفاعها، وسندان توفير مصروف أغراض العيد، ما يجعلهم يقدمون على مثل تلك المغامرة التي تنتهي عادة بمصادرة العربة التي يقارب سعرها 300 ريال.
ويعتمد هؤلاء الشباب على الإكراميات التي يحصلون عليها من قبل المعتمرين، علاوة على السعر المتفق عليه، مما ينعش اقتصادهم ويجعلهم في بحبوحة من المال الوفير، ينغص لذته متابعة ومراقبة أفراد إدارة العربات.
ويأتي الأكثرية من هؤلاء الشباب من مناطق عدة من المملكة، فهم ينضمون إلى أقرانهم من شباب العاصمة المقدسة، يعملون من الصباح الباكر، وحتى منتصف الليل، يودعون عرباتهم إما في المحال المجاورة للمسجد الحرام أو بعض الفنادق المنتشرة في المنطقة المركزية للحرم التي تقدم لهم المساعدة في الحفاظ على عرباتهم من السرقة، بينما يتخذون المسجد الحرام مضجعا لهم يريحون فيه أجسادهم المنهكة من عناء دفع العربات.
يقول عيضة الهذلي: "أتيت من الطائف لأعمل طوال شهر رمضان في مهنة العربات، ولأستعين بما أكسبه من مال على قضاء مستلزمات العائلة، خاصة أن العيد هذه السنة أتى في وقت اجتمع فيه مع الإجازة الصيفية مما أنهك ميزانيتنا المالية.
وعن سعر العربة في السعي أو الطواف يقول عيضة: " يراوح سعر السعي ما بين 150 إلى 200 ريال، أما الطواف في الدور الثاني من المسجد الحرام فيكون عادة ما بين 400 إلى 500 ريال، لكن هناك بعض المعتمرين يدفعون أكثر مما نتفق معه بعد أن يلاحظ تعبنا في دفعه بالعربة.
ولم يخف الهذلي تذمره من مصادرة إدارة العربات لعرباتهم التي يعتبرها هو وأقرانهم مصدر دخل لهم، مشيرا إلى أنهم لا يتسببون بأي زحام أو مخالفة في الأنظمة، أو كساد أصحاب العربات المعتمدين في المسجد الحرام، معللا ذلك بكثرة الطلب على العربات التي لا يستطيع هؤلاء العاملون تغطيتها بسبب محدودية أماكنهم، والتي تتركز غالبا في السعي فقط.
فيما يخرج الشاب عبد العزيز ناصر يوميا خلال شهر رمضان الحالي وهو وصديقه كما يحب أن يطلق عليه وهو ذلك الكرسي "المدولب" دافعا إياه أمامه مرورا بأزقة مكة وحواريها، أو مستقلا سيارة الأجرة بحسب حجم الأرباح التي جناها في اليوم السابق، يقول عبد العزيز: "عندما أتيت للعمل في الحرم وحتى إن كان بطريقة غير نظامية في مهنة دفع العربات، فإن ما دفعني إلى ذلك هو الحاجة وعدم وجود الدخل الذي يستطيع أن يؤمن الحياة الرغيدة لأسرتي التي تركتها خلفي في مدينة الطائف، والمكونة من 11 فردا، فأنا بعد وفاة والدي حملت العبء نظرا لصغر إخوتي، ووجودهم على كراسي الدراسة في مراحل متعددة، مضيفا إنه لا ينظر إلى مشكلات الدراسة أو إكمال تعليمه الجامعي في ظل توقفه عند مرحلة الكفاءة المتوسطة، معللا ذلك بأن من يقف بجواره في دفع العربات بعضهم من خريجي الجامعات منذ عدة أعوام، ولم يفتح المجال أمامهم بعد للحصول على الوظيفة التي تلائم تخصصاتهم.
فيما يقول محمد عبد الهادي الذي يعمل هو الآخر في المهنة نفسها: "دفع العربة هي الوظيفة الوحيدة التي لا تتطلب شروطا تعجيزية للحصول عليها، وكذلك لا يطلب من العامل فيها الحصول على المؤهل الدراسي العالي، أو خبرة وإجادة اللغة، أو الحاسوب، بل كل ما تحتاج إليه البنية الجسدية القوية القادرة على تحمل التعب الممزوج بأنين الجوع في نهار رمضان الحار، وألم الأقدام الكادحة من الطواف والسعي لأكثر من ثلاث مرات في اليوم، قاطعة عشرات الكيلو مترات.
ويضيف محمد السلمي: "إن أسعار إيجار العربات للراغبين في الطواف والسعي عليها يختلف بناء على ما يشهده بيت الله الحرام من ازدحام بالمعتمرين والزوار، ففي هذا العام والذي وافق فيه الشهر الكريم الإجازة الدراسية، ارتفعت الأسعار نظر لكثرة الازدحام". لافتا إلى إن شخصا واحدا قد تصل مدة تطويفه والسعي به نحو ثلاث ساعات، كاشفا أن الحصيلة اليومية لكل فرد تراوح بين 500 إلى 2500 ريال، بحسب قدرة الشخص على التحمل، ومقدرة الشخص المستأجر العربة على الدفع.
من جهته، أكد صالح الزهراني مدير إدارة العربات أن هناك تعليمات تمنع من دخول العربات الخاصة غير المصرح لها إلى داخل المسجد الحرام، وأنهم في إدارة العربات ينفذون تلك التعليمات، مطالبا هؤلاء الشباب بعدم مخالفة الأنظمة، منوها إلى أن من يخالف سيعرض عربته التي خسر عليها مبلغا من المال إلى المصادرة.
وأضاف مدير إدارة العربات أن من خطط الإدارة لمعالجة ظاهرة العربات الخاصة، تم التنسيق مع إدارة الساحات وقوة أمن الحرم بوضع لجنة مكونة من إدارة الساحات وإدارة العربات وقوة أمن الحرم لمنع العربات الخاصة بالتواجد داخل ممرات و ساحات المسجد، مشيرا إلى أنه يوجد نوعان من العربات، متمثلة في عربات بأجرة محددة يصل عددها خلال شهر رمضان إلى 521 عربة، إضافة إلى عدد كبير من العربات المجانية وفرتها الرئاسة يصل عددها إلى 12 ألف عربة، وكذلك توفير العربات الكهربائية التي يصل عددها إلى مائة عربة كهربائية مجانية، والتي بدورها تساعد على خدمة أفضل، وبطريقة ميسرة خلال شهر رمضان، ويتم توزيع العربات المجانية في الساحة الشرقية، وفي الدور الأرضي من المسجد الحرام.
وأوضح مدير إدارة العربات الى أنه يوجد 13 مدخلا مخصصا لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي باب الملك عبد العزيز, باب 94، باب الملك فهد، باب 64، باب العمرة، باب المدينة، جسر المدينة، جسر الندوة، باب الفتح، باب القرارة، باب الصفا الجديد، باب حنين، وباب أجياد. وتمت الاستفادة من جسر أجياد، إضافة إلى تخصيص مصعدين لتفويج العربات لوصول المعتمرين من ذوي الاحتياجات الخاصة للأدوار العلوية للمسجد الحرام.