إن الصراع بين الخير والشر هو معادلة القوى التي قامت منذ الأزل, حيث تجسد كلا من مفاهيم الخير والشر في كثير من المنازعات البشرية على مر التاريخ وبغض النظر عن الانتصار الموقفي الواقعي لأي العنصرين وسبيله وآثاره أو تبعاته على أبطال الحدث في زمن ما إلا أن أول جريمة سجلتها البشرية كانت قتل قابيل أخاه هابيل وحتى إن كان قابيل قد ندم بعد ذلك على قتل هابيل حيث قام بضمه إلى صدره بعد أن قتله حتى فاحت رائحته إلا إن الندم لا يكفي لأن يبطل الجريمة أو يمحو الشر من النفوس. ولعل تطور المجتمعات وانتقال الإنسان من بساطة الحياة البدوية أو الريفية البدائية إلى حياة المدنية أمر طور أيضا من أدوات الجريمة وإمكاناتها وجعلها أكثر إتقانا من قبل المجرم، فالجريمة أصبحت تمتد في أقل درجاتها منطلقة من استخدام السلاح الأبيض حتى استخدام أدق تفاصيل التكنولوجيا سواء في القيام بهذه الجريمة وتنفيذها أو حتى في التخطيط لها وتصوير هيكلها, والسؤال هنا تحديدا: ما الدور الأسري تجاه الوعي بالجريمة؟
ربما نكون قد اعتدنا انطلاقا من هذه النقطة أن نركز على عملية تعزيز الدور الأسري من خلال الجوانب التربوية المختلفة عبر موضوعات متعددة مثل احتواء الأبناء وتحقيق القرب النفسي منهم بما يضمن أو لنقل يرفع من نسبة ابتعادهم عن ارتكاب الجرائم أو الاشتراك فيها, وعلى الرغم من أهمية هذا الجانب ومدى فاعليته في قياس وعي المجتمع بالجريمة إلا أن هناك جانبا آخر لا بد أن نتطرق إليه لأنه في الواقع شبه غائب من قبل الأسرة عموما وهو عملية توعية الأطفال تحديدا بمفهوم الجريمة على أن تكون هذه التوعية صادرة من الوالدين بصورة مبسطة وسلسة تعبر عن التخاطب مع الطفل من منطلق عقله ومداركه البسيطة, فمن غير المنطق أن نعيش في هذا الزمن الصعب وهذا الواقع المعقد دون أن نوجد لدى أبنائنا شيئا من الاستبصار بالواقع وشيئا من الحذر الحقيقي مما قد يتعرضون له من بعض المواقف ربما العابرة ولكنها تظل في غاية الأهمية, فمثلا عندما يطلب أحد الوالدين من ابنته الصغيرة ألا تقف أمام باب المنزل وحدها دون رقيب فإنه يجب في المقابل أن يعطيها زخما لا بأس به من الأفكار التي تبرر السبب الكامن خلف هذا الرفض، كما أننا يجب أن نزرع في أبنائنا مزيدا من الحرص على عدم التحدث مع الغرباء في الشارع أو الذهاب معهم إذا طلبوا ذلك وغيرها من المواقف الهائلة التي يعد الجهل بها جهلا كبيرا بأهمية الوعي من هذا الجانب. إن نسبة الجرائم ضد الأطفال التي تسجل نوعيات وكميات مرتفعة على مستوى العالم بأكمله هي التي تدفعنا إلى أهمية أن نكون أكثر وعيا, فنحن في أمس الحاجة إلى انطلاق مثل تلك الخطوات، ليس على الصعيد الأسري بمجهودات فردية بل أن يكون ذلك وفق سياسة إعلامية تتفاعل فعليا مع هذا المنطق المهم وتسجل خطوات إيجابية تجاه الطفل في وطننا العربي.
