تحدثنا في المقالة السابقة عن العيد وفرحته وما يمكن للمسلم أن يقوم به تجاه أخيه المسلم الذي لا يستغني عن أخيه، حيث المسلمون كالبنيان يشد بعضه بعضاً، لذلك كان في مال المسلم الغني حق للسائل والمحروم وأن المال لا يبارك إلا إذا أعطي حق الله لمن يستحق، وهكذا نجد الإسلام دين العدل والتعاون والتكافل والرأفة والمحبة ودينا يهتم بالفرد وبالجماعة معاً، ومرحى للمسلمين الذين يحرصون على صوم الستة من شوال حتى يكتب الله لهم صيام الدهر ويفكرون في صيام الأيام الأخرى اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من أجر وصحة. وحيث وعدت القراء الأعزاء بإكمال ما تبقى من الأصناف الثمانية الذين لهم نصيب من الزكاة (عندما كنا نشير إلى حقوق الإنسان في رمضان)، وحيث قد أشرنا لخمسة منها (الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب)، وشرحناها كما جاء في تفسير السعدي ونكمل الآن:
الثلاثة الباقية
الصنف السادس (الغارمون) وهم قسمان القسم الأول هم القائمون على إصلاح ذات البين، فمن الزكاة يعطى لأحدهم أو لكليهما من الزكاة لتقوية عزمه ونشاطه على الصلح ويعطى ولو كان غنياً، والقسم الثاني من غرم لنفسه (من استدان) ثم أعسر فإنه يعطى من الزكاة ما يوفي به دينه. والصنف السابع (الغازي في سبيل الله) وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم (ليست لهم مرتبات) فيعطون من الزكاة كإعانة لهم على الغزو من ثمن سلاح أو وسيلة نقل أو نفقة لعياله أو له ليركز على الجهاد ويطمئن قلبه، وقال كثير من الفقهاء أن يعطى من الزكاة طالب العلم القادر على العمل ليتفرغ للعلم باعتبار أن العلم داخل في الجهاد في سبيل الله، والصنف الثامن والأخير (ابن السبيل)، وهو الغريب المنقطع عن أهله وهو في غير بلده فيعطى من الزكاة ما يوصله لبلده، ثم قال تعالى (فريضة من الله والله عليم حكيم) لأن الله تعالى فرض الزكاة وقدرها وهذا بسبب علمه وحكمته عز وجل. وهكذا نجد أن الزكاة لا تعطى فقط للفقراء والمساكين ونحوهم بل تعطى أيضا لمن يحتاج إليه الإسلام وينتفع به فهي لسد الحاجات الخاصة والعامة، وهكذا نجد أن الزكاة تسد حاجة الإنسان المحتاج وتقوي شوكة الإسلام، وقد ورد في التفسير المشار إليه (إن الأغنياء لو أعطوا زكاة أموالهم على الوجه الشرعي لم يبق فقير من المسلمين ولحصل من الأموال ما يسد الثغور ويجاهد في سبيل الله وتحصل به جميع المصالح الدينية) وهذا قمة في العدل والإنصاف ومحافظة على كرامة المسلم، وهذا كله من أهم حقوق الإنسان التي يجب حمايتها، أضف إلى ذلك تقوية شوكة الإسلام وتعزيزه مما يزيد من منعته وانتشاره.
والآن نعود للحديث عن اليوم الأخير في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يُقبض عليه السلام، فقد جاء في كتاب السيرة النبوية لمؤلفه الدكتور علي محمد محمد الصلابي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يصلي بالمسلمين أثناء مرض النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا جاء يوم الإثنين 12 ربيع الأول 11هـ والمسلمون صفوف في صلاة الفجر، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر حجر عائشة رضي الله عنها وطفق عليه السلام ينظر إلى المسلمين وهم وقوف أمام ربهم ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي ولا لداع. وأطمأن عليه السلام أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة قوية دائمة لا تقطعها وفاة نبيها فملئ من السرور ما الله به عليهم واستنار وجهه المنير. وهناك رواية أخرى مشابهة عن نفس هذا الموقف المؤثر، سنذكرها في الحلقة القادمة (41) كما سنشير إلى الساعات الأخيرة من حياته عليه السلام وكيف انتقل إلى الرفيق الأعلى.
