مؤكد أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، خاصة في مسألة بالغة التعقيد بحجم الأزمة العالمية الراهنة، إلا أن المهم أن يكون الرأي مبنياً على تحليل علمي متعمق، ويعكس رؤية تفيد ولا تضلل المتلقي، ومن هذا المنطلق، أحترم وأعتز بجميع الآراء التي طُرحت وستُطرح بشأن أزمة الرأسمالية، فكلها آراء تثري القارئ، وتفيدني أنا شخصياً، فكلنا طلاب علم من المحيا وحتى الممات.
عليه، فمن وجهة نظري، حتى يمكننا فهم حقيقة الأزمة المالية والاقتصادية الحالية، علينا العودة قليلاً إلى الوراء، ففي دراسة التاريخ عظة وعبر، ودروس عظيمة يمكن على أساسها بناء الحاضر والتخطيط الجيد والجاد للمستقبل، وإلا فلم ندرس علم التاريخ؟
ففي عام 1929م، وتحديداً يوم 29/10/ 1929، الذي يعرف بيوم الثلاثاء الأسود، انهارت سوق رأس المال الأمريكية، ولكن بالنسبة لنا كاقتصاديين معنيون بدراسة الاقتصاد الكلي والتاريخ الاقتصادي، فإن هذا التاريخ هو تاريخ إعلان الوفاة، فالمريض "النظام الرأسمالي" كان راقداً على فراش المرض قبل تاريخ إعلان وفاته بأكثر من عقد، وتحديداً منذ دخول العالم في الحرب العالمية الأولى عام 1914، وتعاظم مخرجات الثورة الصناعية التي أعلت من شأن الآلة على حساب عنصر العمل.
كيف حدثت الأزمة؟ سؤال مهم، لأن بمعرفة تسلسل الأحداث آنذاك يمكننا أن نقارن بما نحياه هذه الأيام...وعليه، ويمكننا إبراز أهم أوجه التشابه بين الماضي والحاضر على النحو التالي:
1. كانت نقطة انطلاق أو بداية أزمة 1929 من الولايات المتحدة، ثم ضربت التوابع باقي دول العالم (شأن الأزمة الحالية تماماً، التي انطلقت شرارتها هي الأخرى من الولايات المتحدة، ثم انتقلت عدواها إلى دول أوروبا الغربية والدول النامية).
2. كانت الأزمة الأولى تالية على الحرب العالمية الأولى (شأن الأزمة الحالية التي تلت حروب المغوار الأمريكي وأنصاره في محور "الخير" في كل من العراق وأفغانستان حتى حول العالم بأكمله إلى منطقة حربWar Zone)، فالحرب تعني توجيه مختلف الموارد والمخصصات بعيداً عن أهدافها أو أبوابها الطبيعية (المدنية)، ومن ثم توجيه ضربة قاصمة لقطاع الإنتاج الحقيقي، وبالتالي علينا ألا نستغرب التبعات.
3. ضربت أزمة 1929 الدول المتقدمة والنامية على حد سواء؛ فقد انهار الإنتاج الصناعي والصادرات الصناعية، وتراجعت أحجام التجارة الدولية (الأمر نفسه في الأزمة الحالية، حيث ضربت الأزمة مختلف الدول، ولم تستثن أحداً إلا من هم خارج منظومة الاقتصاد العالمي، كما بدأت تظهر مؤشرات لتراجع التجارة الدولية بحسب تقارير بعض الدول والمنظمات الدولية)، فقد أعلن أخيرا أن عمليات شحن السفن على مستوى العالم في منتصف تشرين الأول (أكتوبر) 2008 تراجعت بنسبة 50 في المائة!، كما أعلن عن فقدان أكثر من 20 مليونا وظائفهم على أثر هذه الأزمة. كما أعلنت كل من الصين وكوريا وهونج كونج وغيرها عن تراجع معدل نمو الناتج المحلي من أرقامه القياسية المسجلة خلال السنوات الماضية إلى معدلات متدنية، فالاقتصاد أكبر بكثير من مجرد نظرة ضيقة لأزمة مالية.
4. خلال أزمة الكساد العالمي 1929، خسر المودعون مدخراتها التي استثمروها في سوق رأس المال، وترتب على ذلك لجوؤهم إلى خفض الإنفاق، وهو ما أدى إلى المزيد من تراجع الطلب، وعمق من حدة الأزمة (أليس هذا ما حدث في أزمتنا الحالية؟! حيث خسر الملايين مدخراتهم واستثماراتهم على مستوى العالم، وهو ما ينبئ بتراجع في الطلب العالمي (وهذا منطقي)، ومن ثم المزيد من تعميق الأزمة، حتى تُتخذ الإجراءات الكفيلة بتنشيط الطلب، وهذا الأمر سيستغرق وقتاً كما حدث في الماضي). فقد تراجعت مبيعات السيارات ـ مثلاً - في أمريكا وأوروبا تراجعاً كبيراً خلال الفترة من 1929 وحتى منتصف 1930، وهو ما حدث بالضبط في الولايات المتحدة أخيرا، حيث تراجعت مبيعات هذا القطاع بنسبة 53 في المائة في تشرين الثاني (أكتوبر) و54.8 في المائة في أيلول (سبتمبر).
5. كان الانهيار عام 1929 نتيجة الفشل الذريع للقطاع المصرفي والمالي، فانهارت أسواق الأسهم بشكل مدو ومتتابع، ولكن عاودت الصعود مباشرة مطلع عام 1930، ولكن دون مستوى ما قبل انهيار تشرين الأول (أكتوبر) 1929م بنحو 30 في المائة (وهذا هو حالنا هذه الأيام، حيث قاد القطاع المصرفي دفة الانهيار، فانهارت أسواق الأسهم في مختلف دول العالم نتيجة تشابك القطاع المالي، ثم عاودت الارتداد مباشرة بعد تصريحات وتطمينات والضخ المالي...إلخ). وعلى الرغم من ذلك، فإن الأزمة قائمة لأنها أزمة اقتصاد حقيقي أكثر من كونها أزمة قطاع مصرفي فحسب، فلم يتعاف الاقتصاد العالمي خلال الأزمة الأولى إلا بنهاية الثلاثينيات، رغم التعافي التدريجي لأسواق الأسهم منذ مطلع 1930.
6. للخروج من أزمة 1929، اتبعت الحكومات نهجا تدخليا تطبيقاً لأفكار جون ماينارد كينز بهدف تنشيط الطلب، من خلال دور أكبر للدولة في النشاط الاقتصادي (وهذا هو ما يجري حالياً، حيث ضخت الدول المتقدمة والنامية ما يزيد على أربعة تريليونات دولار حتى الآن! في الأسواق، كما خفضت من أسعار الفائدة، وكل هذا بهدف تهدئة الأسواق وتنشيط الطلب).
وقد تفاوتت فترة الأزمة الأولى 1929 من دولة على أخرى، بحسب سرعة وكفاءة تعاملها والإجراءات التي اتخذتها، ولكنها ضربت بأطنابها الدول النامية والمتقدمة على حد سواء، نظراً لأن الكساد يعني التوقف أو الشلل شبه الكلي لعجلة الإنتاج؛ والإنتاج الصناعي في الدول الصناعية في حال تراجعه، فإن ذلك يعني تراجع طلب تلك الدول على مدخلات الإنتاج من المواد الخام وغيرها الواردة من الدول النامية، لهذا تراجعت أسعار المواد الأولية خلال سنوات الأزمة بين 40 و60 في المائة!
ولكن أزمتنا الحالية مصابة بداء عضال وهو الركود التضخمي Inflationary Recession، وهو ما يعني أنه على الرغم من سيادة موجة الركود فإن الأسعار، خاصة أسعار السلع الأساسية والغذائية في تصاعد مستمر، فضخ المزيد من السيولة ربما يخفف من أزمة الركود، إلا أنه سيغذي أزمة تصاعد الأسعار "التضخم" بعد أن كانت قد بدأت في الاستقرار خلال الأسابيع الماضية! تماماً شأن المريض المصاب بمرضين متعارضين، إذا تناول دواء لعلاج أحدهما فاقم المشكلة بالنسبة للمرض الآخر، وهذا الأثر يشكل مصدر تخوف كبير لدى أغلب المحللين الاقتصاديين.
إذاً نستطيع أن نؤكد ـ وبقناعة تامة ـ أن التاريخ يعيد نفسه. صحيح هناك اختلاف في التفاصيل؛ كمستوى عمق الأزمة، وهذه أمور ترتبط بالتطور الاقتصادي والتقني ومستوى التشابك الذي بلغه العالم الآن، ولكن يبقى الجوهر واحداً؛ فقد قامت الموجة الأولى للعولمة وترعرعت في أحضان أفكار ومبادئ الحرية الاقتصادية شبه المطلقة، وغل يد الدولة وترك العنان للقطاع الخاص، في وقت كانت فيه الحكومات منشغلة وغارقة في أزمات وحروب، فانهارت المنظومة أواخر العشرينيات. الأمر نفسه؛ قامت موجة العولمة الحالية على المرتكزات الكلاسيكية ذاتها، حيث تكريس الحرية الاقتصادية شبه المطلقة، وتحرير الأسواق والتجارة وغل يد الدولة بشكل كامل عن النشاط الاقتصادي ... وماذا كانت النتيجة؟! إنها الأزمة! فانهيار النظام المالي والمصرفي ما هو إلا نتاج للحرية شبه المطلقة التي منحت لهذا القطاع، وهذا بإقرار كبار الاقتصاديين الأمريكيين والأوروبيين.
وكانت قد تعددت المدارس الفكرية والاقتصادية التي حاولت وضع تفسير علمي لأزمة 1929 وسبل الخروج منها كما هو الحال الآن تماماً، منها المدرسة الكلاسيكية، المدرسة النقدية، المدرسة النيوكلاسيكية، والمدرسة الهيكلية والمؤسسية، ولكن ما يعنينا هو النتيجة، وكيف تم الخروج من أزمة 1929. فقد أرجع البعض الأزمة إلى لجوء بريطانيا مطلع العشرينيات إلى إعادة العمل بمعيار الذهب، أي ربط الجنيه الاسترليني بالذهب، بحيث يصبح قابلا للتحويل إلى ذهب، وأصبح يساوي 4.86 دولار. ترتب على هذا التعديل عرقلة الصادرات البريطانية نتيجة ارتفاع سعر صرف الجنيه أمام الدولار، وهو ما أدى إلى موجة من التراجع في قطاع الإنتاج والتصدير، ومن ثم في التوظيف والأجور، وهو ما غذى موجة تراجع الطلب وأدى إلى انهيار أسواق المال.
كما أرجع البعض الأزمة آنذاك إلى آلية ومنظومة السوق الحر، حيث أثبتت التجربة أن اليد الخفية ليست مبرأة من كل ذنبٍ أو عيبٍ، ولا تضمن استمرار مسيرة الخير، بل تقود إلى أزمات متوالية، كما ركزت تلك المنظومة على جانب العرض وأغفلت جانب الطلب (ولنتذكر قانون جون باتست ساي الخاص بالأسواق).
في النهاية خلص جون ماينارد كينز من خلال مؤلفه "النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود" إلى أن هناك ضرورة لإعادة النظر في فكرة دور الدولة، فكينز لا يزال رأسمالياً حتى النخاع، كل ما طالب به هو دور توجيهي للدولة لضبط عجلة الاقتصاد، وتحقيق التشغيل الكامل لعناصر الإنتاج، وبالتالي تطلب الأمر تغييراً مؤسسياً مع الاحتفاظ بمبادئ السوق الحرة.
فمن خلال تدخل الدولة من خلال السياسات المالية والنقدية ومن خلال مشاركتها في مشاريع كبرى، ومن خلال ما تقدمه من حوافز للشركات العاملة في مختلف القطاعات، ستزداد فرص التوظيف، ومن ثم ستزداد معدلات الدخول، وبالتالي سيعود الطلب للنشاط من جديد، فتعود الحياة إلى المصانع والشركات التي توقفت عقب الأزمة، وتدور عجلة الإنتاج والربح من جديد. هذا ما فعله كينز من خلال نهج الدولة المتدخلة أو الاقتصاد الرأسمالي الموجه.
إلا أنه على الرغم من الدور الكبير لأفكار كينز في انتشال النظام الرأسمالي من ورطته آنذاك، فقد ووجه بنقد لاذع من قبل النقديين الجدد، ومروجي مشروع العولمة المعاصر، بل وصل الأمر بالبعض منهم في منتصف الثمانينيات إلى حد وصف فترة أو ما سمي بالعهد الكينزي بأنه "لم يكن أكثر من مجرد وصمة في جبين وتاريخ الرأسمالية، عادت بالمجتمعات التي طبقته إلى الوراء"، ومن ثم فإن موجة العولمة المعاصرة ليست إلا عودة للوضع الطبيعي للرأسمالية.
وهاهي الرأسمالية ـ بقيادة القطاع المالي والمصرفي أيضاً - تقع مرة أخرى في فخ أزمة شاملة، وهاهي تعود لتتلمس أفكار ومبادئ كينز، وهاهي الدول في مختلف أصقاع المعمورة تضخ آلاف المليارات من الدولارات بهدف تنشيط الأسواق، وهاهي أفكار كينز الخاصة بأسعار الفائدة تعاود النشاط، أملاً في إيقاف نزيف الاقتصاد وأملا في ألا تتعمق الأزمة أكثر مما هي عليه الآن. ومن حسن حظ العالم، وأكرر من حسن حظ العالم، أنه لم يكن قد تغول بعد في أعماق التحول الرأسمالي، فلا تزال الدولة إلى الآن تمتلك أكثر من 20 في المائة "الملكية العامة" مقارنة بأقل من 3 في المائة قبل أزمة 1929، ولهذا فإن بقايا التطبيق الكينزي "ملكية الدولة" ربما تكون سبباً في تمكين العالم من الخروج سريعاً من أزمته الراهنة.
نعم ... التاريخ يعيد نفسه مع الرأسمالية ... ولو عادت الاشتراكية، فستحيا وتنشط وما تلبث أن تنهار كما انهارت من قبل 1989 وهي في عمر 74 عاماً. وانهيار العولمة الرأسمالية لا يعني بالضرورة انهيار الرأسمالية كأيدلوجية، فستبقى الرأسمالية كمنظومة وضعية أقرب إلى الفطرة الإنسانية، حيث حرية التملك والإيمان بالفرد وبالارتقاء بقدراته، فهي قيم جميلة وعظيمة ولا يمكن أن ننكرها، لهذا ستبقى الرأسمالية لأنه ليس هناك من بديل وضعي أفضل منها، ولكنها قيم منقوصة، عالجت جوانب وأغفلت جوانب أخرى، ولهذا من الطبيعي أن تقع الأزمات من وقت لآخر، فالاقتصاد الرأسمالي هو اقتصاد الأزمة لكل من درس مبادئ وتاريخ الاقتصاد.
وفي خضم التخبط الغربي يثار تساؤل محوري: في ظل تداعي الأنظمة الوضعية، وتبادل الأدوار اللانهائي، ومن ثم الإفلاس والعجز الفكري الوضعي، وما يترتب عليه ـ مع كل عملية انهيار ـ من دمار للإنسانية ومقدراتها، أين كلمة الإسلام في هذا الخصوص؟ بتعبير آخر، ما الجديد الذي يمكن عرضه أو تناوله بشأن الإطار الإسلامي للنشاط الاقتصادي، بعد أن باتت حاجة الإنسانية إليه اليوم شديدة الإلحاح؟ وحتى يستمر التشويق، نرجئ هذا الأمر لمقال لاحق.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل،