يستعد أكثر من 2600 مواطن من سكان قرى ديحمة التابعة لمنطقة جازان، لبدء حياة معيشية جديدة بعيدا عن "العشش" و"الصنابيل" التي قضوا فيها جل حياتهم خلال الفترة الماضية، حيث سيتم بعد أقل من 24 ساعة من الآن تسليمهم فلل سكنية على طراز معماري حديث ضمن مشروع مؤسسة الملك عبد الله بن عبد العزيز لوالديه للإسكان التنموي.
وينتظر أن تسهم المساكن الجديدة للمواطنين التي تعد أكبر مشروع تنفذه المؤسسة على مستوى المملكة، في تغيير مجرى حياة قاطني هذه القرية ونقلهم من عالم الفقر إلى عالم آخر تتوافر فيه كافة سبل العيش السليم والمقومات الصحية والتعليمية والتثقيفية والاقتصادية التي حتما ستجعل منهم مواطنين منتجين يساهمون في بناء وطنهم وخدمة أنفسهم.
وفيما يستعد أهالي "الديحمة" لاستلام هدية خادم الحرمين الشريفين، ودخول فللهم المجهزة بكل ما يحتاج إليه الساكن من خصوصية يعيشها أبناء المنطقة، تجولت "الاقتصادية" في القرية والمراكز المجاورة لها في الجزء الغربي من جازان، وتحدثت مع أهلها عن تفاصيل حياتهم القديمة وكيف كانت، وشاركتهم فرحتهم الحالية بالمساكن الجديدة وكيف ستغير مجرى حياتهم. إلى التفاصيل:
محمد طيران موفد "الاقتصادية" إلى جازان
بداية الصورة لا شك أنها جميلة على الرغم من بساطتها .. أطفال قرية ديحمة يتمرجحون بأبواب ومداخل منازلهم القديمة المتهالكة، وآخرون يركضون وراء الجمال والحمير، والبعض يرعون المواشي مرة ويصارعون أمواج البحر تارة أخرى بعدما تركوا تعليمهم لظروف خارجة عن إرادتهم بحثا عن تحقيق لقمة العيش.
أهالي القرية يقيمون في منازل من الصفيح متجاورة وليست متباعدة يغلب عليها الصغر، مبنية من الطوب المغطى بالخشب والحديد، أو ما يسمى منازل "العشش" أغلبها ذات حالة رديئة ومتهالكة.
أما في المقابل مساكن جديدة مصنوعة من الطوب الأسمنتي الحديث وفق طراز عمراني مختلف، تتضمن مراكز تثقيفية ومدارس وملاعب صممت لتدخل في قلوب هؤلاء الأطفال بهجة شعاع العلم والتمسك المعرفة، واللعب مثلهم مثل أقرانهم في المناطق الأخرى بـ "ملاهي" كفيلة بإبادة ألعابهم القديمة عن الوجود.
وفيما يتعلق بالمشروع يوضح الدكتور يوسف أحمد العثيمين الأمين العام لمؤسسة الملك عبد الله بن عبد العزيز لوالديه للإسكان التنموي، أنه المستفيدين من المشروع الذي قدرت تكلفته أكثر من 80 مليون ريال، سيستلمون غدا وثائق التخصيص ومفاتيح منازلهم، حيث سيقدمها لهم نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الأمير محمد بن ناصر بن عبد العزيز أمير منطقة جازان.
مسجد ومدارس ومركز للرعاية الصحية
وأكد العثيمين أن جميع المنازل مجهزة تجهيزاً كاملاً، بما تحتاج من الخدمات الضرورية، ومؤثثة ومفروشة، وذات تصاميم عصرية واقتصادية، وقال: "إن هذه المنازل تقبل التمدد الرأسي والأفقي وفقاً لمتطلبات الساكن المستقبلية، وتلائم الظروف البيئية والمناخية المحيطة، وتتناسب مع عادات الأسرة السعودية وتقاليدها".
هذا ويتضمن المشروع جميع المرافق من المساجد والمدارس ومركز الرعاية الصحية والمركز الاجتماعي والثقافي ومركز التدريب ومركزين استثماريين، كما تتوافر في المشروع الخدمات الأساسية كافة من الماء والكهرباء وتمديدات الهاتف والصرف الصحي وشبكات الطرق والإنارة والرصف.
372 أسرة مستفيدة
ويقدم المشروع طيفا واسعا من البرامج التنموية تشمل التثقيف والتوعية والتعليم والتدريب وفرص الإقراض والعمل، ليكون الساكن مواطناً منتجاً، ونافعاً لنفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه.
ويستفيد من المشروع 2604 مواطن يشكلون 372 أسرة، وتبلغ مساحة الوحدة السكنية 400 متر مربع ومساحة البناء للوحدة 145 مترا مربعا، ويتسع مسجد القرية لـ 750 مصليا، فيما تتكون مدارس البنين والبنات من 16 فصلا لكل واحدة منهما.
لا زحف للرمال بعد اليوم
وبالعودة إلى الجولة التي نفذتها "الاقتصادية" في المنطقة فإن العامل المشترك الذي وجدناه في تلك القرى أن معظم سكانها كانوا يرفعون أكفهم إلى السماء وألسنتهم تلهج بالدعاء لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي استطاع أن يوقف زحف الرمال التي طالما طمرت بيوتهم القديمة وعششهم أو كما يطلقون عليها "صبول" والتي تحكي عن ضيق ذات اليد والحياة الصعبة التي يعيشها السكان.
لهيب الحرارة ولدغ الحشرات
صور إنسانية محزنة ومفرحة في آن واحد رصدتها "الاقتصادية" من قلب "ديحمة" والقرى التابعة لها مسنون ومعاقون وأطفال ونساء تجرعوا مرارة العيش عاشوا حياة صعبة في النهار لهيب وحرارة الأجواء في ظل انعدام أجهزة التكييف لضيق ذات اليد وفي الليل مصارعة مع لدغ الحشرات والمرض.
عطايا الملك
يقول علي رداد محمد طاهر قيسي (70 عاما) إن مكارم وعطايا خادم الحرمين الشريفين أكثر من أن تعد، فنحن نعيش من فضل الله ثم فضله وله علينا الولاء والسمع والطاعة، ونحن جند له نفديه بأرواحنا وأبنائنا، وهذه المكرمة التي أولانا إياها ونقلنا من حياة التعب إلى حياة أهنأ وأريح تجتمع فيها كل الخدمات في مكان واحد.
وأبدى علي اعتذاره عن عدم وجود جهاز تكييف في الغرفة المتواضعة التي كان قد استضافنا فيها وعن المكان المتواضع على حد قوله إلا أنه طلب منا أن نزوره بعد استلامه لسكنه المخصص له في مشروع الإسكان في الديحمة ليعوضنا عن القصور إن حدث.
الحمار وسيلة النقل الوحيدة
استأذنني العم علي الرداد وأبناؤه وأخذوا يربطون عربة قديمة جدا على ظهر حمار كان يربض جوار منزلهم وهو وسيلة النقل الوحيدة التي يملكونها ليغادروا المكان إلى البحر للتزود ببعض الأسماك التي يجرون من ورائها مكسبا يوميا لا يتجاوز 20 ريالا على حد قول الرداد، إلا أن المبلغ يمثل له مصروفا لأبنائه الذين يدرسون في المدارس. ويؤكد رداد أن هذه العربة التي يجرها ذلك الحمار هي وسيلة التنقل لقضاء حوائجه وحوائج أسرته من القرية.
..وتحقق الحلم
في مكان آخر من القرية قابلنا حسن أبكر عثمان (65 عاما) وهو يردد: "لخادم الحرمين الشريفين منا الدعاء بأن يمد الله في عمره ويجعل ذلك في موازين حسناته"، ويعود حسن أبكر ليستذكر الماضي فيقول: "لم نكن نحلم بمثل هذا الإسكان نحن نعيش حياتنا على قد حالنا"، ويواصل حديثه وهو يشير بيده إلى الطريق المعبد الذي أمامه "كنا في القدم عندما نريد الماء لا يستطيع صهريج الماء يصل إلينا، أما الآن فقد تغير الوضع تماما".
وتابع: "كنا نقوم بمساعدة أفراد الأسرة على فرش الرمال بالأخشاب والقصب لضمان عدم غوص إطارات الشاحنة في الرمال كي تصل إلينا السيارة التي تنقل لنا الماء، أما الآن فكل شيء ميسر والعيش أصبح أسهل من ذي قبل بمراحل".
دموع وشقاء
وتتجلى صور الفرح لدى عقيل محمد القيسي (50 عاما) الذي أصيب بإعاقة جراء حادث مروري قبل 20 عاما عندما كان يعمل سائقا لسيارة أجرة، وهو يتحدث بصوته المبحوح لا نكاد نفهم ما يقول: وما هي لحظات حتى تبدأ دموعه المنهمرة تبلل وجنته التي بدأت تظهر عليها علامات الشقاء والتعب ويرفع يديه وهو يلج بالدعاء لخادم الحرمين الشريفين الذي حقق شيئا من الحلم له ولأسرته التي طالما سعى من أجل تحقيقها قبل أن يتعرض للإعاقة.
شكرا "ملك الإنسانية"
يقول القيسي الذي يعاني إعاقة في حنجرته أفقدته شيئا من سلامة النطق، "لم نكن نحلم بمثل هذا المسكن لضيق ذات اليد إلا أن ملك "الإنسانية" اختصر علينا المسافة وقصر علينا الطريق وحقق لنا بعضا مما نصبو إليه". ويضيف قائلا: "إن وضعه المادية مترد للغاية وهو يعيش على الضمان الاجتماعي ولديه من الأبناء والبنات تسعة أشخاص"، وزاد: "كان ابني أحمد (20 عاما) قد امتنع عن مواصلة الدراسة بعد أن حصل على شهادة المرحلة الابتدائية ليبقى إلى جانبي ليساعدني في كسب الرزق وتأمين العيش لي ولأفراد العائلة".
مرحبا بالإسكان التنموي
وأثناء مرورنا بأحد منازل الصفيح في "الديحمة" استوقفتنا هامة ذلك الشيخ الكبير واقفا أمام منزله المتواضع مع عدد من أفراد أسرته، حيث يقول علي شراحي شوك (60 عاما): "أصبحنا ننعم بما حرمنا منه منذ زمن ونحمد الله أن هيأها لنا ونسأل الله أن يجعلها في موازين أبي متعب الذي استشعر حاجتنا في هذه القرى". ويواصل حديثه: "إن عطايا خادم الحرمين قد عمت أرجاء العالم وليس الإسكان التنموي فقط وإنما بأشياء كثيرة على رأسها الضمان الاجتماعي والخيرات التي تشهدها المنطقة".