قبل نحو 200 عام، وفي بلدة باردة على جزيرة أولاند الفنلندية، ولد جورج أوغست والن. كان شاباً عادياً، لم يتفوق في الجامعة، غير أنه أنهاها بنجاح، وسحرته الفلسفة فانتظم في صفوفها حتى حصل على درجة الماجستير فيها، لكن اللغات الشرقية بدت له بعد ذلك، أكثر سحراً وجاذبية فلم يوفر وقتاً وعاد لجامعته (جامعة هلسنكي) وواصل دراساته العليا ليحصل على الدكتوراه في اللغات الشرقية، بأطروحة عنوانها : "الفارق بين اللغة العربية الفصحى والعامية"، ونشرت هذه الرسالة عام 1839.
ومن هلسنكي إلى بطرسبورج عاصمة القيصرية الروسية، حيث كانت دراسة اللغات الشرقية عملاً مزدهراً هناك (بفعل الجار العثماني)، درس والن العربية والتركية والفارسية، عند معلمين من أهل تلك اللغات، وبعد عامين (أي في عام 1841) تقدم والن لجامعة هلسنكي بطلب منحة دراسية مدتها خمسة أعوام لاستكشاف جزيرة العرب، ووافقت الجامعة فوراً، غير أنه أمضى عاما في فنلندا ليتعلم مبادئ الطب، حيث قرر أن يسافر بوصفه طبيباً. ولما أنهى داسته الموجزة في الطب غادر فنلندا في 28 تموز (يوليو) 1843 ووصل إلى إسطنبول بعد مروره بعدة مدن أوروبية، ومن عاصمة العثمانيين غادر إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة التي دخلها في 29 كانون الثاني (يناير) 1844، ولكن والن الذي كان في الإسكندرية، غير والن الذي دخل القاهرة، إذ تحول إلى شخص جديد لا يمت إلى فنلندا بصلة، بل هو من بخارى، واسمه وليّ وليس والن، أما دينه فكان الإسلام. وكل هذه التغيّرات جاءت أولاً في سياق التحرز والحذر كيلا يصير ضحية للمتطرفين، وأيضاً كي يستطيع الدخول إلى تفاصيل المجتمع الذي يزوره، وهو ما لن يتحقق لو أنه كان يعرّف نفسه بـ "الدكتور جورج والن من فنلندا "!
استقر في القاهرة حتى 12 نيسان (أبريل) 1845، وبعدها سار باتجاه المشرق متخطياً سيناء والنقب حتى وصل إلى الجوف في 25 حزيران (يونيو)، ومن هذا المكان تبدأ مذكرات الرحالة والن، ويومياته التي رصدت الكثير من مظاهر الحياة، في فترة مزدهرة في شمال الجزيرة والحجاز، كاد أن يطويها النسيان لولا مستكشفين علميين أمثال والن.
في 30 من آب (أغسطس) 1845، خرجت من الجوف قافلة صغيرة، تضم إلى جانب والن، عائلة صغيرة من الحوازم، وامرأة شمرية من جبة برفقة زوجها من الجوف.. والجميع كانوا متجهين جنوباً صوب جبة، معززين بحماية تلك المرأة من جبة، ضد أي لصوص قد يظهرون من هنا أو هناك، فاللصوص سيتراجعون حتماً ما دام في القافلة (فرد) من أهل البلد.
بعد هذه الملاحظة التي ساقها والن في بداية كتابته عن رحلته للجزيرة، يبدأ بالحديث عن الأماكن التي يحلون فيها أثناء سفرهم من قرى مندثرة، أو آبار أو مضارب بدو، وما إلى ذلك. وبعد ستة أيام بين كثبان صحراء النفود، وصلت القافلة إلى مدينة جبة (100 كيلومتر شمال حائل)، ويقدم والن في تدويناته وصفاً جغرافياً مفصلاً لهذه الواحة وسط النفود، وأشار إلى أن المدينة تتكون من خمسة أحياء، وأبدى إعجابه بالتصميم الهندسي لواجهات معظم المنازل في جبة، التي قال عنها إنها "تشبه في شكلها مداخل المعابد المصرية القديمة". وأشار إلى أن كل منزل في جبة يتبعه بستانه، وأن لكل بستان بئرا خاصة به، واصفاً الأهالي بأنهم "يعتنون بالبساتين عناية عظيمة وهي منسقة جيداً"، غير أنه لم يمتدح تمر جبة الذي فضّل تمر حائل والجوف عليه. وأحصى والن السكان فوجدهم 170 عائلة، ويذكر أنه صادف في جبة تاجراً من المدينة المنورة. وكان لوالن اهتمام بالآثار، وجبة من أغنى المناطق بها، فرصد عدداً من الكتابات والرسوم الموغلة في القدم، ومن ضمنها صورة لعربة صغيرة بعجلات، يجرّها جملان، وقال إنه لم يرَ مثل هذه الرسوم إلا في تيماء التي تعود إلى عدة قرون قبل الميلاد.
وبقي والن في جبة 13 يوماً، بعدها شد رحاله نحو حائل.
الطريق نحو حائل
في 18 من أيلول (سبتمبر) غادر والن جبة، وفي اليوم التالي وصل بلدة قنا، وأحصى ساكنيها بـ 50 عائلة، وعدّ فيها ست آبار ذات مياه جيدة وعذبة. وبعد مغادرة قنا، وعلى بعد نحو ثلاث ساعات منها، دخل والن سلسلة جبال أجا التي سماها "جبال حائل"، وبعد خمس ساعات وصلوا إلى بلدة اللقيطة، التي أحصى سكانها بـ 120 عائلة، ومنها إلى بلدة الوقيد، وفيها 30 عائلة، وبعد ثلاث ساعات أصبح والن في وسط مدينة حائل، وذلك في 20 أيلول (سبتمبر) 1845، وبقي فيها ما يقارب شهرين، وتعرف في أول أيام وصوله على رجل من بلاد فارس كان في حائل، واستأجرا معاً منزلاً استقر فيه والن حتى مغادرته، ويذكر والن أنه في حائل "نسي العالم كله"، وأنه قضى فيها أياماً سعيدة وممتعة حتى أنه فكر كثيراً في اقتراح أصحابه من حائل، الذين عرضوا عليه أن يستقر عندهم ولا يغادر أبداً، بل إن أحدهم عرض عليه أن يزوجه ابنته في حال أراد الإقامة. ومن بعد وصوله إلى حائل ، تبدأ مذكرات والن بالتحوّل نحو العمومية الموضوعية، ولم يصنف مشاهداته وتدويناته، وفق أقسام معينة، بل اعتمد على السرد المستمر، والاستطرادات العلمية الطويلة، لذا فهو حالما يتوقف عند أمر ما، حتى يفصّل في ذلك ويذكر ما قيل في شأنه من قبل المستكشفين الآخرين والمؤلفات القديمة ثم يعود لوصفه كما رآه هو، ونحن هنا نلتقط من مشاهدات والن بنفسه، التي كتبها من مقر إقامته في حائل، وحاولنا تصنيفها وفق فقرات تتناول شؤونا مختلفة.
البناء والعمران المدني
يقول والن ما نصّه: "تبنى المنازل على مراحل عدة بمواد البناء الصحراوية نفسها، الطوب الطيني المجفف، وهو أصغر حجماً من الآجر الذي يصنعه السوريون. ومن جذوع النخل أو الأثل تصنع الأبواب وأعمدة السقف، الذي غالباً ما يكون مسطحاً. وأكثر البيوت من طابقين، غرفهما قليلة، لكنها فسيحة ومريحة ويدخلها النور من الباب ومن كوّات صغيرة في الجدران تحت السقف. وفي كل بيت دون استثناء، مجلس قهوة منفصل عن المبنى، مقابل البستان أو في وسطه، يُستقبل فيه الضيوف، ويجتمع الرجال لتبادل الأحاديث وإدارة أعمالهم". ويشير والن، إلى أنه عادة ما يحيط بأرض كل بيت سور، لكن مساحة المدينة الآخذة في الاتساع، كانت تجعل من تسوير الأرض أمراً صعباً. ويصف والن قصر الأمير عبد الله العلي الرشيد، ويعني برزان، بأنه: "لا يختلف عن المنازل الأخرى إلا بكونه أكبر وأوسع، لما تتطلبه العائلة الكبيرة، والأتباع والضيوف الكثيرون على مدار العام". ويذكر والن أن قصر الأمير محاط بساحة تسمى مناخ، ينيخ فيها المسافرون الضيوف ركائبهم، ويقيمون أثناء وجودهم في غرف صغيرة حول الساحة، أعدّت لهم، أو في مجلس القهوة الكبير. أما الأسواق والساحات فكانت متعددة، ويذكر: "في حائل ساحات كثيرة مكشوفة، وأسواق تباع فيها اللحوم والخضار والمؤن. والشوارع في حائل واسعة وممهدة، مع أنها غير مرصوفة. وفي الشارع المسمّى (لبدة) يوجد عدد من الدكاكين المكشوفة، أغلبية الموجودين فيها تجار قادمون من العراق والمدينة المنورة والقصيم".
مصادر الماء والإنتاج الزراعي
يقول والن، إن الآبار والينابيع كثيرة في المنطقة وحولها، ويؤكد أن: "مياه آبارها جميعاً ودون استثناء، من نوعية ممتازة، عذبة وخفيفة". ويروي: "إذا ما صدقنا سكان حائل فهم يقولون: يستطيع الرجل أن يأكل خروفاً مشوياً كاملاً إذا ما شرب قدحاً من مائهم مع وجبة الطعام". ويشير إلى أن القرب الجلدية هي ما تستخدم لتبريد المياه، بدلاً من الأواني الفخارية، أما الآبار فمتوسط عمقها من 20 إلى 25 قامة، وجميعها محفورة بشكلٍ دائري وفوهاتها مطويّة بالحجارة. وحول استخراج المياه من الآبار، يذكر والن: "يستخرج الماء من أعماق الآبار بواسطة وسائل تحريك مائية، تستخدم حصرياً في (حائل) وفي بلاد (ما بين النهرين)، وهي تتكون من دولابين نُصِبا عمودياً، الدولاب الأول كبير منصوب فوق منتصف فوهة البئر يُسمى المحّالة، ويجري فوقه حبل غليظ يُسمى الرشا، مربوط بدلو كبير من جلد الجمال، والآخر صغير أسطواني الشكل، منصوب عند فوهة البئر مباشرة، يُسمى الدراج، ويجري فوقه حبل رفيع مربوط بدلو على شكل حلق حيوان طويل، وطرف هذا الحبل مجدول من سعف النخل، ويربط هذا الحبل مع الرشا بسرجٍ صغير يُثبت على سنام الجمل. وما إن يعلو الدلو حتى ينصب الماء في حوض مسطح ومنخفض مبنيّ من الحجارة، ثم وبواسطة جذوع نخل، يسير الماء إلى بركة تشكل خزاناً كبيراً وسط البستان، ومنها يتفرق الماء إلى أنحاء البستان على رغبة المالك". ويشير والن إلى أنه غالباً ما تكون هذه الخزانات محاطة بأشجار العنب والأشجار المثمرة الأخرى، وذلك ما يجعل ماء الخزان بارداً ومنعشاً جداً. وأما الزراعة، فبطبيعة الحال، لاحظ والن أن النخلة هي الشجرة الأهم والأكثر وجودا في بساتين البلد، ويلفت إلى أن السكان: "يزرعون جميع الأشجار المثمرة، التي تنبت في المناطق ذات المناخ المشابه". ويشير أيضاً إلى زراعة الفواكه، غير أنه يؤكد على: "ولع العرب بأكل الفاكهة وهي خضراء قبل أن تنضج". أما الخضار فذكر أن في البلد تزرع بعض أنواع الخضار بشكل أكثر مما شاهده في البلدان الأخرى، من أهمها القرع الكبير الحجم. أما الحبوب، فتزرع في البساتين في أحواض محددة، وأهم المنتجات هي القمح والذرة والدخن، ويشير إلى أن الأغنياء يزرعون البرسيم أيضاً لتغذية خيولهم. ويروي أن الأهالي يستوردون الأرز من العراق وتحديداً من كربلاء والنجف، كما يستوردون من هاتين المدينتين الحبوب الأخرى كالقمح وخلافه في حال الحاجة أو المواسم السيئة، غير أنه يؤكد أن الحبوب المزروعة في حائل تفضّل على الحبوب المستوردة من العراق، وتباع في السوق بثمن أغلى.
أساليب التعليم والتربية
يورد والن في سياق حديثه عن العلم والتعليم، أن معظم السكان يعرفون القراءة والكتابة، غير أنهم أقل علماً بتفاصيل الدين، إذ يتركون مهمة التبحر في المعرفة الدينية لـ (الخطيب) أو القاضي. ويذكر والن: "ليس في البلاد مدارس عامة، ولا تلقى في المساجد أي محاضرات مهمة، ويتعلم الأبناء من آبائهم مبادئ الدين، ويتعلمون في السنوات الأولى قراءة القرآن وأداء الصلوات. وأما أي معرفة مكتسبة أو علم آخر لديهم، فيحصلون عليه شفوياً من خلال مخالطة كبار السن التي لا يُمنع الصغار منها. وحينما قدمت لأول مرة، دهشت كثيراً ليس فقط لرؤيتي الصغار الذين تراوح أعمارهم بين ثلاث واثنتي عشرة سنة في مجالس كبار السن ومبادلتهم الحديث، ولكن أيضاً أخذ رأيهم أحياناً في مواضيع تفوق مستواهم، والاستماع لما يقولونه باهتمام". ولا يغفل والن عن ملاحظة سبل عيش الأطفال في المنطقة، فيذكر: "يعيش الصغار مع آبائهم في محبة وألفة، ولم أرَ في الصحراء تلك المشاهد الكريهة المألوفة في مصر، مشهد والد حانق يضرب ابنه، ولا رأيت الإذلال الذي يعانيه صغار الأتراك الذين لا يُسمح لهم أبداً بالجلوس أو حتى الكلام في حضرة آبائهم المتغطرسين".