تنظيم الأنظمة
بعد التفات وزارة العمل لقضية توطين الوظائف تبين لها أخيرا أن هناك خللا كبيرا في هيكل سوق العمل يمنعها أو يؤخر خططها الرامية لتوفير المزيد من الفرص الوظيفية للسعوديين رغم وجود ملايين من العاملين الأجانب في السوق، وربما أن المسؤولين فيها يعتقدون في قرارة نفوسهم أنهم عاجزون عن القيام بأي عمل يحقق أهدافهم في ظل تعارض المصالح الذي يعيشونه كل يوم.
جهود الوزارة الرامية لتوظيف السعوديين تأخرت كثيرا وهي اليوم لا تستطيع أن تحقق أهدافها في هذا الجانب فأضحت في نظر كثير من المتابعين وبعض المسؤولين تحارب السعودة بمنح المزيد من التأشيرات للعمالة الوافدة.
اعتقد أن مشكلة الوزارة تكمن في أسلوب تعاطي مسؤوليها مع ما يثار حول قضية السعودة في جميع المنابر واعتقادهم أنهم الوحيدون الذين يملكون جميع المعلومات التي تؤهلهم وحدهم أن يقرروا أين تكمن المشكلة وأين يكمن الحل، فقرروا سعودة سيارات الأجرة وفشلوا ومن ثم محلات الخضار وفشلوا وبعدها محلات الذهب وفشلوا وقيدوا الاستقدام وفشلوا وإذا لم تتسع صدورهم للرأي الآخر فسيفشلون مرات كثيرة.
الوزارة تعلم اليوم أن معظم العاملين الأجانب لدينا مخالفون لنظام العمل ولنظام مكافحة التستر، لكنها لم تحرك ساكنا لتغيير هذا الوضع وأعني بذلك أن معظم الوظائف التي يمكن أن يشغلها السعوديون هي في قطاع الخدمات الذي يشمل جميع المحلات التجارية التي تمتلئ مدننا بها مثل محالات البقالة والسباكة والخياطة والمغاسل والمطاعم والحلاقة والصيانة والتكييف والمقاولات الصغيرة وغيرها كثير، ومعظم من يعمل في تلك الأعمال من الأجانب مخالفون لأنهم يدفعون شيئا معلوما للكفيل شهريا أو سنويا مقابل منحهم مظلة رسمية للعمل، فهذا مقاول يبرم عقد بناء بمئات الآلاف من الريالات لحسابه الخاص على ورق رسمي لكفيله مقابل مبلغ معلوم وهذا آخر يدير مطعما يبيع بالآلاف مقابل راتب شهري للكفيل وهكذا، وهذا معناه أن الأنظمة التي تنظم العلاقة بين الكفيل والمكفول غير موجودة وإن كانت موجودة فهي غير قابلة للتطبيق ما يتطلب النظر بواقعية لما يحدث في سوق العمل فعليا والابتعاد عن التنظير لأنه لا يفيد في هذه الحالة.
مسؤولو وزارة العمل يعلمون ما يحدث في السوق لكنهم ينظرون للحل من زاوية واحدة وهي أننا لا نستطيع اكتشاف حالات التلاعب في ظل وجود مسيرات رواتب وتوقيعات لذا ركنوا لليأس وهاجموا كل من ينتقد عمل الوزارة.
نحن كمجتمع في حاجة إلى جميع الخدمات التي تقدم من تلك العمالة المخالفة حتى لو كانت تعمل لدى كفلائها فلا يمكن أن نستغني عن الحلاق ولا عن مقاول البناء ولا عن المطاعم ومحلات التكييف والصيانة المنزلية وغيرها، والعمالة الأجنبية كذلك لا تستطيع أن تعمل بهذا الجهد ولساعات طويلة في مقابل راتب متدني أما الكفيل فهو لا يستطيع أن يجلس في محله ويتابع أعماله، أين يكمن الحل إذن؟
التعامل الواقعي مع ما يحدث هو الحل وأعني بذلك أن تكون تلك العمالة على كفالة الدولة وأن تعمل ضمن ضوابط تنظم وجودها وأن تدفع لخزانة الدولة ضرائب مقابل عملها في السوق السعودية، حيث تتحكم الدولة في عددهم والمهن التي يعملون من خلالها وفي توزيعهم الجغرافي وأن يسمح للشركات والمؤسسات المنظمة فقط بالاستقدام.