تتساقط الكتل الثلجية الرقيقة في وادي وايهاورونجا وتحجب الرؤية أمام فيونا جاردنر وهي تغادر سيارتها الجيب، متوجهة نحو قطيع من الخراف الصوفية فوق واحد من التلال في مزرعتها ذات الـ 1500 فدان في نيوزيلاندا. لكن الثلج لا يطمس رؤية الحيوانات، بل هي تظهر بشكل واضح في المشهد، فالخراف كما تعرف ليست بيضاء بل هي سوداء.
أنسوا المنك (حيوان ثديي لاحم له فرو) وحيوان السمور، فالصوف الرائع جداً الذي يؤخذ مما يسمى الخروف "الملون" هو أحد نسيج فخم، وأكثر ندرة. ويمكن العثور على الصوف الذي يؤخذ من قطيع جاردنر في خط من الملابس يسمى بيكورا فيرا، يوجد في المتاجر من ميلانو إلى لندن، إلى شارع ماديسون وأسبن في كولورادو.
لكن الخراف السوداء تم تجنبها طوال قرون لأنها تلوث صوف اخوتها من الخراف البيضاء النقية. وظل الأمر كذلك إلى أن تولت جاردنر قضيتها في أوائل الثمانينيات وبدأت الأمور تتغير. وفي الحقيقة استطاعت من غير معونة أحد تغيير مكانة الخراف السوداء في صناعة الصوف، وبالتالي خزائن ملابس المستهلكين.
تقول جاردنر، ابنة التاسعة والأربعين، التي سعت جاهدة طوال سنوات لعرض الصوف الأسود في أوروبا والولايات المتحدة: "إنها مخلوقات مضروب بها المثل بأنها غير مرغوب فيها، لكن الخراف السوداء سخية جداً، وأنا أحبها كثيراً وصوفها جميل. لا توجد أي صبغة أو أي مواد كيماوية، وأنا لم أرد استخدام صوفها لجرابات السياح، أردت أن يكون صوفها في أرقى المتاجر".
وعموماً، أولى الخراف - في العصور التوراتية وقبلها ـ لم يكن بيضاء، بل سوداء وبنية وسمراء ضاربة إلى الصفرة، مع بعض البقع البيضاء. وتم تدجين الخراف قبل حوالي عشرة آلاف سنة. وعبر القرون تم استيلادها انتقائياً لتصبح بيضاء، لأن صباغة الصوف الأبيض أسهل. لكن لم يكن بالإمكان اجتثاث الجينة الملونة، لذلك يولد في بعض الأحيان حمل أسود في قطيع من الخراف البيضاء.
ووقعت جاردنر، وهي مواطنة من وورويكشاير في إنجلترا، في حب الخراف السوداء وصوفها بعد أن غادرت بريطانيا وهي في الثالثة والعشرين، لتتزوج مزارعاً نيوزيلندياً وتستقر في مزرعة تارانوي النائية في ساوث آيلاند في نيوزيلاندا. وهي تقول: "كنت الشخص الشاذ. والناس ما زالوا يظنون أنني تلك الفتاة الإنجليزية. كان موقع المرأة في البيت، لكن كان علي أن أقوم بشيء ما. فعندما وقع نظري للمرة الأولى على صوف أسود وأصبحت مهتمة بتفريخ خروف ملون أدركت أن ذلك لن يهدد أحدا".
ولم تكن جاردنر تعرف أي شيء عن الخراف سوى أن زوجها ينحدر من عائلة تربية حيوانات. وتقول: "بدأت التعلم عن الخراف الملونة، وانضممت إلى مجموعة من الغزّالين المحليين وبدأوا يشترون صوفي".
لكن جاردنر كانت طموحة، وأرادت أن ترتقي بصوفها الملون حتى يكون من نوعية ممتازة وليس فقط للغزّالين المحليين. وبدأت تهتم بخرافها السوداء من أجل برنامجها الناشئ، الذي ضم ثلاث نعجات عام 1984.
وتتحدث عن تلك البدايات فتقول: "عندما يكون لديك سلالة قليلة يكون رصيدك محدوداً جداًَ. كتبت إلى جميع مزارع استيلاد الخراف وقلت: سآخذ أي حمل من حملانكم السوداء، وأرفقت مغلفاً عليه طابع وعليه عنواني وأرسلت عشرات الرسائل، ولم أحصل على أي جواب. وسمعت فيما بعد من بعض الناس يقولون إنهم اعتقدوا أنني مجنونة".
بيتي إينيس، مزارع خراف من الجيل الثالث، عمره 79 سنة وصاحب محطة بلاك فوريست للخراف، ومساحتها 45 ألف فدان، يتذكر أنه سمع عن جاردنر قبل 50 سنة، ويقول: "نعم اعتقدت أنها مجنونة، لكن عليّ أن أعطيها ذلك الخروف. ما قامت به أمر صعب جداً، فهو يخالف كل ما نقوم به. كانت الخراف السوداء دائماً مرفوضة".
وتقول جاردنر:" كان الصوف الأبيض هو المطلوب دائماً. أي خيط أسود يدخل في الصوف الأبيض يمكن أن يحطم سمعة الشخص. ومن وجهة نظر المربين، فأنت لا تريد أحداً يسمع أن لديك خروفاً أسود".
لكن المزارعين بدأوا في نهاية المطاف يتعاونون. وتتذكر جاردنر قيادة السيارة عبر القرى الصغيرة وسيارتها مليئة بالحملان السوداء، عالية الثغاء، التي استطاعت أن تجمعها وتأتي بها إلى مزرعة تارانوي.
وقادها تصميمها الذي حركه، إلى حد ما، سخرية المربين المخضرمين، بمن فيهم والد زوجها، إلى الفوز بعقد حصري مع واحدة من أفخم شركات الملابس، لورو بيانا، من إيطاليا.
وعن ذلك تقول: "في الأيام الأولى لم يكن صوفنا ذلك الصوف العظيم، لكنني كنت مثل عالم مجنون". وتضيف: "لقيت مساعدة من عالم جينات محترم مختص بتربية الخراف. وبدأت تظهر هذه الخراف السوداء، والسوداء البنية، والشهباء، والشهباء الفضية. وكنت دائماً أدرك أن هناك من سيرغب في هذه النوعية".
وكان بيير لويجي لورو بيانا وأخوه سيرجيو من دار الملابس الفخمة الإيطالية هما اللذان طلبا هذه النوعية. وكان زوج جاردنر، جون، قد التقى لورو بيانا في مؤتمر حول صوف المارينو عام 2002 وأخبره عن صوفهم الملون، وطلب لورو بياناً عينات.
تقول جاردنر: "كان الحديث معه مثل الحديث مع ملك. كانت شركته من النوع الذي حلمت به لصوفي".
وتتابع: "أرادوا شراء الصوف الأسود، لكنني أوضحت أنني إذا بعت الصوف الأسود فقط فعلي أن أتوقف عن استيلاد الخراف البنية والشهباء، وعندها ستنتهي الخراف السوداء. والألوان الأخرى جميلة مثل السوداء".
يقول لورو بيانا الذي ساعد في تطوير خط الخراف السوداء: "إنني أحب صوفها وما يمثله، فهي سيدة تنقذ هذه الحيوانات وتظهر مدى جمالها للعالم، أنها ثائرة مثلما هو حال الخراف السوداء".