لم نشعر أبدا بأن المدينة غير نظيفة, لا تجد أوساخا على الأرصفة والشوارع نظيفة ولا نرى تجمع الأوساخ والمخلفات عند لا المحال الصغيرة ولا الكبيرة منها, والكل يحرص على أن يضع ما عنده من أوساخ في البراميل المخصصة لها, وهناك حرص من الناس وإلزام من البلدية على ألا تخلط الأوساخ مع بعضها حتى يتسنى إعادة تصنيع المخلفات التي يمكن الاستفادة منها, حتى أنهم يتفاخرون بأنهم استطاعوا أن يعيدوا تصنيع كميات ضخمة من هذه المخلفات في إطار الحماية لبيئتهم الطبيعية. فالمدن الحديثة اليوم لا تسعى فقط إلى أن تكون نظيفة وإنما خضراء أيضا, فجل اهتمامها أن تكون هذه المدن مدنا بيئية نظيفة وآمنة.
لا نلاحظ إلا القليل ممن يتجرأ على رمي الأوساخ في الشارع أو لا يضعها في أمكانها المخصصة لها. وحتى عندما تكون هناك مناسبة أو مباراة لفريق الجامعة, وهذا يعني توافد عشرات الألوف من المشجعين إلى داخل المدينة إلا أن المكان يبقى نظيفا على الرغم من تجمع هذا العدد الكبير من الناس وفي فترة قصيرة. هذا الشعور بعدم وجود مشكلة نظافة في المدينة جعلني أستغرب من الخبر الذي قرأته في جريدة "الجامعة", فالخبر وفي الصفحة الأولى يذكر عن اجتماع قمة, نعم قمة لكل فعاليات المدينة برئاسة محافظة المدينة لمناقشة مشكلة النظافة في المدينة, ورمي بعض من سائقي السيارات والمشاة ما عندهم من أوساخ في الشوارع وعدم وضعها في الأماكن المخصصة لها. وبما أن هذه المشكلة لها أثر في سمعة المدينة السياحية وما تتسبب فيه من تكلفة اقتصادية تتحملها ميزانية المدينة, جاءت الدعوة لهذه القمة, فالمجتمعون يريدون حلولا شاملة وعاجلة لهذه المشكلة وقرروا الإبقاء على قمتهم متواصلة حتى يتسنى لهم متابعة ما يتخذ من حلول لمعالجتها. فتجمع هذه الأوساخ في الأماكن والشوارع كلف المدينة في السنة الماضية نحو 350 ألف دولار, وهذه الأموال كان من الأجدر أن تصرف على تحسين الخدمات بدل أن تصرف لمعالجة مشكلة من هذا النوع.
أن يجتمع المسؤولون في المدينة في اجتماع قمة لمناقشة نظافة مدينتهم هو في الحقيقة تعبير ينطوي على معان عديدة, فكلما كانت المدينة أنيقة ونظيفة في شوارعها وأرصفتها ومرافقها العامة أعطت صورة راقية عن تحضر سكان هذه المدينة, حتى الشعور بالأمان والراحة يتعزز لزائر المدينة النظيفة وبعكس ذلك تترك المدينة الوسخة انطباعا سيئا وشعورا بعدم الارتياح عند الزائر وحتى عند سكان تلك المدينة. فمدينة مثل سنغافورة, التي تمدح لنظافتها ولحسن تنظيمها فإنه دائما يقرن ذلك المدح بمدح سكانها والإشادة بما هم عليه من تحضر وآداب راقية, وعندما تذكر مدينة من المدن الوسخة يقرن ذلك بالحديث عن سوء أخلاق سكانها وما هم عليه من فوضى وعدم تنظيم.
لا نريد أن نبالغ في حجم مشكلة نظافة المدن ومراكزها والأحياء السكنية فيها عندنا ولكننا أيضا لا نستطيع أن نقلل من حجم هذه المشكلة عندنا. فمدننا تعاني مشكلة اسمها النظافة, وهذه المشكلة تظهر في عدة أشكال وصور ولو بحثنا فيها بعمق لوجدنا أنها تستهلك منا أموالا كثيرة وجهودا كبيرة واستيراد عمالة أجنبية وتوقيع عقود بالملايين, ومع هذا فالنتائج غير مرضية, وفي الإمكان توفير كثير من هذه الجهود والأموال لو عالجنا الموضوع بصورة مغايرة. فمظهر من مظاهر هذه المشكلة هو ما نقوم به نحن الأفراد من رمي الأوساخ والمخلفات في الشارع أو على الأرصفة أو حيث ما حلا لنا, فجزء من هذا المظهر تتحمله البلديات لأننا ما زلنا لا نوفر أعدادا كافية من حاويات الأوساخ وبالأحجام التي تتناسب والأماكن التي وجدت فيها ولا نكثف من وضع اللوحات الإرشادية التي ترشد إلى أماكنها ولا لوحات تعبر عن شكرنا وتقديرنا لمن يمارس هذا السلوك الحضاري في وضع هذه الأوساخ في أماكنها. فحجم هذه الحاويات المنتشرة في شوارع مدننا والأحياء السكنية قليل, وهي ليست بالحجم المناسب وليس هناك انتظام في جمعها ولا حرص على تنظيفها ولا تنظيف أماكنها وجعلها بالشكل الذي يشجع على الاقتراب منها ورمي الأوساخ فيها. فألوانها غير جذابة وغير مريحة, وأشكالها منفرة, وتراكم الأوساخ فيها إما لصغرها وإما لعدم تجميعها بانتظام يجعل الفرد وبصورة غير إرادية يبتعد عنها ويرمي ما يريد رميه من أوساخ في أي مكان على أن يقترب منها. فلو نظرنا إلى ما تفعله بعض المدن في هذا الشأن لوجدنا أنها تجتهد لجعل هذه الحاويات والأماكن التي فيها جذابة ونظيفة, وحتى أنها تصبغ بألوان مريحة, وكل ذلك من أجل تشجيع الفرد على التوجه إليها ورمي الأوساخ فيها. وهناك أيضا حرص شديد على رش هذه الحاويات وأماكنها بالمنظفات والمطهرات لكيلا تكون بؤرا لتجمع الفئران والحشرات والذباب, ما يزيد من هروب الناس منها أو حتى التفكير في الاقتراب منها. ونرى في بعض المدن المهتمة بنظافتها أن أماكن الحاويات معدة وكأنها محطات للحافلات, ففيها حاويات مخصصة لبعض الأنواع من المخلفات مثل البلاستيك والقناني المعدنية, وهناك حاويات خاصة بمخلفات الطعام, وهناك لوحات إرشادية وحتى لوحات إعلانية, إضافة إلى كل ذلك نظافة المكان وجمال الألوان. فليست البلديات مسؤولة فقط عن توفير حاويات بأي شكل وبأي لون ومن ثم رميها مبعثرة في الأماكن والشوارع والأرصفة وعدم الاهتمام بنظافتها ونظافة أماكنها, فمقياس أداء عمل هذه البلديات بمقدار ما يتحقق من نظافة للمدن المسؤولة عنها, وبالتالي فهي مطالبة بأفكار خلاقة وممارسات إبداعية لكي تضمن لمدننا النظافة والجمال.
فمدن العالم اليوم تسعى إلى أن تكون لها صورة متميزة في أذهان الناس, وهي تعلم أن تعزيز مثل هذه الصورة بات أمرا مهما لتعزيز انتماء الناس لمدنهم, وهو أيضا من الضرورات لتدعيم موقع المدينة اقتصاديا وتجاريا وسياحيا. فمدننا استثمرنا فيها كثيرا من مواردنا وسنستمر في تطويرها وتعميرها ولكن الاستثمار في بنائها لا يكفي لجعلها مدنا متميزة وقادرة على أن تنافس المدن الأخرى إقليميا وعالميا إن لم ندرها بشكل جيد. فعدم النظافة بالنتيجة تعبير عن فشلنا في إدارة مدننا ومهما نقدم من أسباب قد نراها معيقة في أداء مهمتنا للمحافظة على نظافة المدن عندنا إلا أنه بالتخطيط والعمل المنظم ووضع الاستراتيجيات المفصلة وبالإصرار نستطيع أن نتغلب على مثل هذه المعوقات. فالوصول بمدننا إلى القمة من بين مدن العالم يتطلب منا أن نضع نظافتها والمحافظة على جمالها في قمة اهتماماتنا, وهذا الأمر يتطلب منا أن نجتمع في اجتماعات قمة دورية للتنسيق وجعل الأمر مسؤولية الجميع. فهل سنسمع عن اجتماع قمة في الرياض, جدة, والدمام وغيرها للتباحث والتدارس في كيفية الحفاظ على نظافة مدننا, التي من حقها علينا أن نجعلها نظيفة ونفتخر بنظافتها وأناقتها مقارنة بالمدن الأخرى؟
