لا يساورك شعور وأنت تتجول في تيماء أن التاريخ حاضرها هنا، حتى ولو لم تبدأ في جولتك لتراه رؤيا العين. فأنت حتما ستتمتع بجزء من معلقة أو ستصغي إلى سرد تاريخي من أناس تستطيع أن تصنفهم في خانة المثقفين والرواة. قبل أن تتفقد السور التاريخي أو القصور القديمة فإنك حتما لن تفوت فرصة المرور على هداج، البئر الذي ظل على مدى عصور شاهدا على الكرم والعطاء. هم هنا لا يعتبرونه بئرا هم في الحقيقة يرونه رمزا لا يتوانون أن يقدموا له الوفاء من خلال الترحيب والضيافة واللطافة مع الضيوف.
ربما تسمع أبياتا شعرية قديمة أو معاصرة، فصحى أو نبطية لكن بالتأكيد ستسمع مثل هذه البيت الشعري الموغل بالحزن:
وعيـني لعل اللـه يعجـل فرجـــــها .. يفوح ناظـرها كمـا عين هـــداج
طبعا لن نحتاج إلى شرح البيت لكن يكفي أن نعرف منه أن عينا صفة عين هداج الذارفة التي قال إنها "تفوح". "الاقتصادية" تجولت في تيماء ورصدت أبرز معالمها والخدمات المتكاملة للمحافظة، التي حظيت بدعم من أميرها الأمير فهد بن سلطان أمير منطقة تبوك كسائر باقي محافظات المنطقة والذي حافظ على قيمة تيماء التاريخية وألبسها أيضا حلة حضارية تجمع بين التطور والمحافظة على التاريخ.
تعد محافظة تيماء إحدى محافظات تبوك 265 كيلو مترا جنوبي تبوك، واشتهرت بواجهتها الزراعية التي كانت جذبا للاستيطان البشري على مر العصور. وتواصلاً مع هذه المكانة التاريخية فإن محافظة تيماء، التي أصبحت مدينة حضارية تتوافر فيها جميع مناحي الحياة الكريمة للمواطنين فأصبحت تيماء الحاضر المشرق الذي يمتد لتاريخ عريق على مر العصور والدهور.
ومحافظة تيماء من أكبر محافظات منطقة تبوك، وقد نمت مدينة تيماء بشكل خاص خلال العقود الخمسة الماضية لتضاعف مساحة المدينة عدة مرات من 106 هكتارات عام 1387هـ إلى 2418 هكتارا. و يبلغ عدد الأودية التي تصب في واحة تيماء سبعة أودية هي: وادي الرضام، وادي الغرب، وادي الفاو، وادي السيفية، وادي الخويلد، وادي الحسينية، ووادي الهمي.
وشهدت مدينة تيماء نمواً عمرانياً كبيراً، حيث بنى المواطنون منازل لهم حديثة في المخططات الجديدة التي تم توفير الخدمات فيها لهم، بما يحقق مزيد من الراحة والرفاهية لأهالي هذه المحافظة الواعدة بمقوماتها الزراعية والتعدينية.
التخطيط لمدينة تيماء
وضعت خطة لتخطيط مدينة تيماء المستقبلية من قبل بلدية المحافظة، حيث تم تخطيط المخططات السكنية، وتم إعادة تخطيط السوق المركزية ووسط البلد، وكذلك مخطط للمنطقة الصناعية ومخطط لسوق المواشي والأعلاف وصالات ومعارض السيارات وأسواق الخضار إلى جانب الاهتمام بالجانب الترفيهي والجمالي، وذلك بإيجاد الحدائق والمتنزهات.
التعليم
يتوافر في محافظة تيماء التعليم بمستوياته الثلاثة داخل مدينة تيماء إلى جانب معهد مهني في مدينة تيماء، وبلغ عدد مدارس البنين والبنات 34 مدرسة للتعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، ومعظم هذه المدارس في مبان حكومية، وهناك مشاريع لبناء مدارس جديدة في المحافظة لتحل محل المستأجرة.
الخدمات الصحية
تقدم الخدمات الصحية في محافظة تيماء من خلال مستشفى عام وستة مراكز صحية، منها اثنان داخل مدينة تيماء وأربعة خارجها في قرى الجهراء، جديد، العسافية، والقليبة. وكانت الخدمات الصحية قد بدأت في عام 1370هـ في افتتاح مركز صحي في مدينة تيماء، وفي عام 1412هـ افتتح مستشفى تيماء العام ويعمل على تقديم الخدمات الصحية في محافظة تيماء 422 موظفاً ما بين طبيب وفني وإداري. كما أن هناك مشروعا يجري حالياً لبناء مستشفى جديد في مدينة تيماء سعة 100 سرير وبتكلفة 65 مليون ريال وبناء خمسة مراكز صحية جديدة بمبانٍ نموذجية.
المـياه والصرف الصحي
تم تنفيذ عدة مشاريع لتطوير شبكة المياه في محافظة تيماء شملت إنشاء خزان للمياه في مدينة تيماء بارتفاع 37 مترا سعة 3600 متر مكعب، كما تم تنفيذ شبكة جديدة للمياه بطول 75 ألف متر طولي في مدينة تيماء وفي قرية عردة.
كما يجرى تنفيذ شبكة للصرف الصحي إلى جانب محطة للمعالجة وبلغ طول خطوط النقل الممتدة 62522 مترا طوليا، وبلغت تكاليف المشاريع المعتمدة أكثر من 65 مليون ريال إلى جانب أعمال الصيانة للآبار القائمة في القرى والهجر والشبكات القديمة، كما تم افتتاح فرع لمديرية المياه في منطقة تبوك في مدينة تيماء.
الآثار في تيماء
تحتضن مدينة تيماء أهم المواقع الأثرية في المملكة التي تجسد الحضارات القديمة التي مرت على تيماء، التي استمرت بواحتها الخصبة ووفرة مياهها، كما أن تيماء كانت نقطة وصل مهمة بين جنوب الجزيرة العربية، بلاد الشام، مصر، وبلاد فارس، وقد وجد في تيماء عدد من النقوش المسمارية التي يعود أقدمها إلى القرن الثامن والقرن السادس قبل الميلاد. كما اتخذها الملك البابلي نبونيدم عاصمة الدولة بابل، كما ورد اسمها في النقوش الأرضية، ومن أهم النصوص ما هو موجود على مساحة تيماء الشهيرة الموجودة في متحف اللوفر في باريس، كما ورد ذكر تيماء في الكتابات النبطية القديمة التي أطلق على أحد خطوطها الخط التيمائي.
من أهم آثار تيماء
السور الأثري الكبير بطول عشرة كيلو مترات وارتفاع وصل في أحد الأجزاء المتبقية إلى عشرة أمتار، وعرضه ما بين متر ومترين، ومشيد من الحجارة في مواقع ومن اللبن والطين في مواقع أخرى، وتعود فترة بنائه إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويعد من أقوى الدلائل على أهمية تيماء.
قصر الحمراء مبنى مكون من ثلاثة أقسام، معبدة وقسمين للسكن، وقد اكتشفه في عام 1399هـ فريق أثري من قِبل وكالة وزارة المعارف للآثار والمتاحف، ووجدت فيه آثار تعود إلى القرن السادس الميلادي.
قصر الرضم: هو حصن مربع وبئر مستندة من الحجارة ويعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد.
بئر هداج ويعود تاريخه إلى منتصف القرن السادس قبل الميلاد، وهو درة تيماء الأثرية الشهيرة، ورمزها التراثي القديم، بئر قديمة عظيمة تسكن "قلب" تيماء من أشهر آبار الجزيرة العربية وأغزرها وأعمقها، يبلغ قطرها 50 قدماً وعمقها 40قدماً، ذات شكل دائري غير منتظم، مطوية بالحجارة، ضرب بها المثل في الكرم فوصف الرجل المعطاء بـ "هداج تيماء"!.. إنها بئر أسطورية تقع في وسط البلدة القديمة داخل إطار دائري من أشجار النخيل الباسقة، تعد بئر هداج الطابع المميز لمدينة تيماء وهي مقصد الكثير من زوار مدينة تيماء، وتستمد بئر هداج أهميتها من الدور الذي لعبته في حياة الأقدمين والمحدثين، حيث جعلت من تيماء مدينة زراعية كثير النخيل هائلة البساتين، وذلك لسعة ووفرة وعذوبة مائها التي كان من دلائله أنه كان يسنى عليه بـ 77 جملا في آن واحد وفي فصل الصيف القائظ، إذ يبلغ محيط فوهتها 65 مترا، وتعتمد بئر هداج في مائها على إنتاجية العين الموجودة في زاويتها الجنوبية الغربية، التي لا يزال ماؤها يتدفق حتى وقتنا الحاضر وتنتقل المياه منها إلى المزارع بواسطة 31 قناة تبدأ من حواف البئر وتتفرع إلى البساتين على مختلف مواقعها، ويعتقد أن حفر بئر هداج وطي جدرانها يعود إلى منتصف الألف الأول قبل الميلادي نحو منتصف القرن السادس قبل الميلاد، مع أن البئر من أكثر المعالم التي ذكرها الكتاب والرحالة والجغرافيين على مختلف اهتماماتهم ولغاتهم لأنهم لم يتطرقوا إلى مسماها أو سبب التسمية، عدا ما ذكره سليمان الدخيل من أن هداج على وزن شداد اشتقاقاً من الهدج، وهو على ما ذكر اللغويون مقاربة الخطو في السير والإسراع، وذلك إشارة إلى سرعة الماء في هذه البئر، أما الدكتور عبد الرحمن الأنصاري فيعتقد أن هناك صلة بين لفظ هدج وبين اسم الإله (هدد) أو (أدد) إله الماء لدى الساميين.
هداج في الشعر
لعل بئر هداج من أكثر الآبار التي ذكرها الشعراء وتغنوا بها وبنخيلها وبعذوبة وغزارة مياهها وسنقتصر على أهم الاشعار:-
وممن ذكرها السموأل حاكم تيماء في القرن الخامس الميلادي الذي يقول مفاخرا ببئر تيماء وحصنها
بنـى لـي عاديــا حصنــاً حصيناً ** زمــــاء كلما شئـت استقيـت
كما ذكر البئر في العديد من الأشعار النبطية ومن أشهرها قول الأمير عبد العزيز بن سعود بن محمد آل سعود
هــداج ما غضه من الـورد ميــــــــاح جـم الـورود الضامـية ما تغيضـه
ويقول الأمير محمد الأحمد السديري
وعيـني لعل اللـه يعجـل فرجـــــها يفوح ناظـرها كمـا عين هـــداج
وقول ناصر الزعيبي:
هـداج تيمــاء ماتـواني سـوانـيــــه ما ينعـرف وردة مـن الصــادريـن
ويقول الأسمر بن خلف الجويعان العـد يروي كـل صــــــــــادر ووارد هداج تيمــاء وأزرق الجـم مـاكم
تاريخ البئر حديثا
في عام 1373هـ زار جلالة الملك سعود بن عبد العزيز - رحمه الله - تيماء ضمن زيارته لمنطقة تبوك، فأمر جلالته - يرحمه الله - بتركيب أربع مضخات حديثة على جهات البئر الأربع، وذلك حتى يتمكن السكان من أخذ المياه من جوف البئر لاستخدامها في أغراضهم المختلفة، فكانت هذه الخطوة نقطة تحول كبيرة في تاريخ البئر ودعماً لاستمرار قيام هذه البئر، العظيمة بدورها الحضاري الإنساني في المنطقة، ثم تداعت عوامل بشرية وأخرى طبيعية عطلت دورها وكادت تفقده الحياة، فبدأت شمسه بالأفول ومالت للغروب! ورفعت يدها ملوحة للوداع.. لكن.. ظهرت يد حانية كريمة أعادت هذه البئر للحياة من جديد.. إنها يد الأمير فهد بن سلطان بن عبد العزيز أمير منطقة تبوك الذي رسم البسمة على "ثغر" البئر من جديد وأعاد للبئر عافيتها وذلك من خلال "مشروع جلالة الملك سعود لترميم بئر هداج" الذي أمر به وتبناه مالياً ومعنوياً على نفقته الخاصة، وهو مشروع كبير على عدة مراحل يهدف إلى إعادة هذه البئر الأثرية إلى وضعها التاريخي التراثي القديم، فأصبحت البئر معلماً حضارياً وعنصر جذب للسياح في المنطقة التي تفخر بوجود أشهر بئر في الجزيرة العربية بعد بئر زمزم فيها. وتغنى الشعراء في هداج المسلة، هي عبارة عن لوح حجري وهي من الحجر الرملي طولها 11 سم وعرضها 43 سم وسمكها 12 سم، والنهاية العليا للمسلة مقوسة، يحتوي السطح الأمامي من المسلة على كتابة آرامية ومشهد ديني نحت نحتاً بارزاً. وكان أول من اكتشفها الرحالة الإنجليزي (دوتي) الذي زار تيماء عام 1877م، حيث رآها ضمن الأحجار المتساقطة من جدار بئر هداج. وبناء على إشارة دوفي قام عالم الآثار الألماني هوبر بزيارة تيماء عام 1879م وزارها مرة أخرى عام 1884م، وكان برفقته المستشرق الألماني أوتنج، حيث استقرت أخيراً في متحف اللوفر في باريس، وقد نالت الكتابة الآرامية التي تحملها المسلة اهتماما كبيرا من العلماء والباحثين، فعكفوا على دراستها وترجمتها إلى بعض اللغات، ويعود تاريخ هذه المسلة إلى ما بين القرنين السادس والخامس قبل الميلاد.
رجوم صعصع: وتقع جنوب تيماء على مساحة واسعة بطول 27 كيلو مترا مربعا، وهو عبارة عن حقل من المقابر الركامية تشير إلى اهتمام كبير في تشييدها وإلى مدينة راقية، وتختلف هذه المقابر في أشكالها، فهي دائرية أو دائرية مدرجة أو مستطيلة الشكل ويعود تاريخها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وقد تم عمل بعض التنقيبات وكشف بعض معالم هذه المدافن كنموذج متكامل لأسلوب ونمط وطريقة عمارتها. قصر الأبلق: أحد أعظم القصور والحصون التي قامت على أرض الجزيرة العربية استمد شهرته من حصانته وعظمته وروعة وأسلوب بنائه، وصاحبه هو الملك السمو أل بن عادياي الأزدي القحطاني الذي يذكر ويحدد من أمر ببنائه.
قصر البجيدي: أول قصر إسلامي يكتشف في تيماء يعود للعصر العباسي والقصر مشيد بالحجارة المتوسطة الحجم وهو مربع الشكل وذو أبراج دائرية في زواياه تم الكشف عن بعض أجزائه وتحمل جدرانه عددا من النصوص العربية.
وهناك متحف تيماء للآثار والتراث الشعبي وفيه عدد من المقتنيات الأثرية المهمة.
المحميات الطبيعية
تتمتع محافظة تيماء ببيئة طبيعية رائعة كانت تعج بالكثير من الحيوانات المختلفة وقد انقرض معظمها، إلا أن جهود الهيئة الوطنية لحماية الحياة الفطرية وإنمائها عملت على إعادتها إلى وضعها الطبيعي، حيث حددت الخنفة كمنطقة محمية، التي تشغل الجزء الشمالي الغربي من المحافظة ويبلغ محيطها 588 كيلو مترا وتبلغ مساحتها 20450 كيلو متر، وتنمو فيها نباتات متعددة الأنواع، فمنها الأشجار الكبيرة وذات الظل كالطلح والأرطي والغضى والشجيرات المختلفة، كالعرفج، الشيح، الرمث، الشنان، الشبرم، الجثيجات، النصى، والسبط وغيرها، والأعشاب الحولية الربلة، الحوى، الخزامى، النفل، القرقص، القليلات، والسعدان وغيرها. وتتكاثر في محمية الخنفة الغزلان والمها العربي والأرانب البرية والجرابيع والثعالب والقنافد، وبعض أنواع الزواحف المختلفة، كما تعيش فيها الطيور مثل: الصقور، القنبر، والأبالق، إضافة إلى طائر الحبارى.
وتكثر في المحافظة المواقع الجميلة التي يزداد بهاؤها ورونقها مع هطول الأمطار واخضرار الأرض، ومن أهم هذه المواقع منطقة غنيم، نقرة الحيران، وقارة الحيران، وأم برقا، الخبو الجنوبي والشرقي، غار طلق، البويب، العسافية، عروس، الغمارية، ضبع، والمكتبة، وأبو دورين، وغار شهاب.