سردنا في المقالة السابقة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في يوم النحر، وهي الخطبة الموجزة الثانية التي تلت خطبة الوداع التي كانت في اليوم السابق (يوم الوقوف بعرفات)، الذي صادف يوم جمعة – كما هو معروف. ونذكر أنه عليه السلام أكد ولفت الانتباه لحرمة شهر الحجة وحرمة مكة المكرمة ويوم النحر، وربط ذلك الشهر الحرام، وذلك اليوم الكبير، وذلك المكان المقدس بحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.
شرح خطبة يوم النحر
قال عليه السلام: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا"، وسبب قوله عليه السلام "فإن دماءكم" بدلا من "أن دماءكم" هو لأن "الفاء"، تعتبر فاء العطف وتُعطي للسامع انطباعا بالاهتمام بما سيقال بعد ذلك حتى لا يحصل التراخي، وهذا من بلاغته عليه السلام، إضافة إلى ما سبق ذكره من توجيه الأسئلة للحضور ثم السكوت هنيهة ثم الاستطراد في الكلام حتى يطمئن عليه السلام أن المستعين قد أدركوا ما يقوله لهم، ولأهمية حقن دماء المسلمين "حق الحياة" وحفظ أموال المسلمين "حق التملك" فإن النبي صلى الله عليه وسلم، قد أكد على ذلك وكرر ما قاله في اليوم السابق في عرفات "خطبة الوداع"، لكنه أضاف هذه المرة "أعراضكم" ليؤكد عليه السلام للمسلمين أهمية حماية النسل والنسب للإنسان وأهله من الزنا والقذف والغيبة والنميمة والسباب والهمز واللمز والسخرية، ويؤكد أهمية الحرص على العفة والشرف والسمعة الحسنة وحمايتها من الانتهاك.
وقد ورد ذكر "حق الحياة – النفس" و"حق التملك – المال" و"حق حماية العرض" ضمن الضروريات الخمس للمسلم التي أشار إليها علماء المسلمين، وهي "1 – الدين، 2 – النفس، 3 – العقل، 4 – العرض، 5 – المال"، لذلك حرم الإسلام قتل النفس بدون حق، ومن قتل نفسا بريئة فكأنما قتل الناس جميعا ومن قتل نفسه "الانتحار" أو قتل أبناءه خشية إملاق أو قتل نفسا بريئة فجزاؤه جهنم وغضب الله عليه ولعنه، وسيحكم عليه بالقتل في الدنيا، فقد قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} النساء (93)، وليس أعظم أو أشد من غضب الله وطرد القاتل من رحمته تعالى وخلوده في جهنم!. "وأول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء"، كما قال صلى الله عليه وسلم. كما اعتبر الإسلام قتل النفس التي حرَّم الله من الموبقات السبع، والتي من أشدها الشرك بالله وأكل الربا والتولي يوم الزحف، ولا يحل دم المسلم إلا في ثلاث حالات، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة"، رواه البخاري ومسلم، ومن كل ما ذكر يتضح بجلاء أهمية حرمة دم المسلم وحقه في الحياة، وسنتحدث بشكل أوسع عن "حق التملك" و"حق حماية العرض" فيما بعد.
وقفة مع القراء
أشكر مَن اتصل بي من القراء الكرام وعَبّر عن ارتياحه لهذه الحلقات وخاصة ـ وكما ذكر بعض القراء ـ أننا دلفنا لعالم ثقافة حقوق الإنسان من بوابة عظيمة هي خطبة الوداع التي تسمى أيضا الوصية النبوية أو خطبة البلاغ، وما احتوت هي وخطبة يوم النحر وجميع ما قاله وفعله عليه الصلاة والسلام في ذلك الحج الأكبر من أسس وقواعد ثابتة لحقوق الإنسان وواجباته، فشكرا لهم، ونكمل ما تبقى في الحلقة (16).
