المحافظ الكبرى.. ولعبة رأس المال
لو طبقت مبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي كما هي لتجلت صور الاستغلال وتعاظمت الأنانية التي لا ترحم، ولترسخت أكثر فأكثر ملكة الجشع لدى مالكي الرساميل ولأجل هذا ظهرت قوانين حماية المنافسة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك وغيرها كي تحفظ الحقوق الدنيا لأفراد المجتمع، فالأنظمة هي التي تعمل على تهذيب ممارسات رأس المال، أما إذا فقدت فإن هذا نذير خطر على المجتمع.
إذا ترك الحبل على الغارب لرأس المال فهو يظلم ويحتكر ويسحق ما دونه في سبيل تحقيق الأرباح وتعظيمها، وأصحاب رأس المال لا يشعرون بما يقومون به ولا يدركون الآثار السلبية لتصرفاتهم والأضرار التي تلحق بغيرهم، فهم يرون أن تصرفاتهم مشروعة ما دام النظام يسمح بها أو غفل عن تنظيمها.
ومن يقول إن أنظمة حماية المنافسة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك لا تنطبق سوى على عروض التجارة فهو واهم لأن تلك الأنظمة وغيرها تقوم على مجموعة من المبادئ تصلح للتطبيق على تعاملات سوق المال بشكل أو بآخر، فمن غير المعقول أن يتحكم في سوق المال مجموعة من المستثمرين بحجة أنهم يملكون رساميل ضخمة يديرونها مباشرة أو عن طريق وكلاء لهم، فهم بتصرفاتهم يسعون لتعظيم أرباحهم حتى لو كان المقابل خسارة ملايين من المستثمرين الصغار أو اهتزاز صورة الاقتصاد الوطني أو التسبب في أزمة كبرى كالتي حدثت في بداية عام 2006م وتكررت أكثر من مرة بعد ذلك.
كنا نعول على هيئة السوق المالية كي تقوم بحماية صغار المستثمرين من تصرفات أصحاب تلك المحافظ بعد انهيار السوق لسبب بسيط وهو أنه لم يعد هناك شيء نخشى خسارته وكنا نطمح أن يكفل نظام التداول الجديد تحقيق ذلك من حيث توافر التقنية التي تساعد على ضبط السوق من أية ممارسات تؤثر فيه، لكن أيا من ذلك لم يحدث، ولعل التعاملات التي حدثت لسهم شركة سابك خلال الأسابيع الماضية دليل على ذلك، فمن يا ترى أوصل قيمة السهم إلى 220 ريالا؟ ومن هبط به إلى 145 ريالا؟ ومن يعيد الكرة مرة أخرى على السهم نفسه هذه الأيام؟
مشكلة سوق المال أنه مرآة للاقتصاد الذي يعمل من خلاله، وهذا ما يجعلنا نشدد على أهمية ضبط السوق وحماية المنافسة فيها وعدم السماح لأي مستثمر أن يؤثر فيها سلبا أو إيجابا.
لقد سئم المستثمرون الصغار من سلوك السوق وخسروا الكثير من أموالهم بسبب ذلك وهو أمر لا ينبغي التقليل من شأنه ويتطلب البحث عن أسبابه التي لا نشك أن أحدها تصرفات المحافظ الفردية الكبرى التي ربما توزعت على محافظ أصغر للتمويه أو لإبعاد الشبهات عنها.
من أسوأ صور الأنانية والاستغلال أن يسعى كائن من كان لربح مليار ريال أو ملياري ريال مقابل خسارة مئات الآلاف من المستثمرين لعشرات المليارات، فحجم هذا الربح لا يستحق كل تلك الخسارة، والقبول بهذا الربح مع العلم بثمنه أمر لا يمكن وصفه أخلاقيا وقانونيا بأي لفظ فهو خارج عن الممارسات التي يمكن تصور بشاعتها.
من هنا لا بد من تفعيل دور الرقابة على التعاملات اليومية للسوق ولابد من الضرب بيد من حديد على كل من يؤثر فيها سلبا أو إيجابا، والأهم أن يتم تنظيم تداولات المحافظ التي تزيد قيمتها عن 20 مليون ريال وأن تشدد الرقابة عليها، فهذه سوق للجميع لا ينبغي أن يأكل القوي فيه الضعيف ولا ينبغي أن يتم السماح بذلك مهما كانت الأسباب، أقول قولي هذا وسهم "سابك" في بحر الـ 180 ريالا سالك طريقه السابق والله أعلم.