الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 19 مايو 2026 | 2 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

توازن العقل والروح والغريزة في مخطط الحضارة

الجمعة 1 مايو 2009 1:1
توازن العقل والروح والغريزة في مخطط الحضارة

[email protected]

أرسل لي الأخ حسين من جدة أنه انكب على قراءة كتب مالك بن نبي المفكر الجزائري، ولكنه شعر بالجفاف الروحي، وهو يريد ذلك التوازن بين العقل والروح، وهذا الموضوع تعرض له مالك بن نبي نفسه، حين قسم دورة الحضارة بين ثلاث حلقات أو مراحل، وطبق هذا القانون الذي استفاد في قسم منه من كتاب الحضارة الغربيين؛ فقال مالك بن نبي إن مخطط الحضارة يمشي بين انكسارين وخط مستقيم. تنبثق فيها نقطة الانطلاق الحضارية من الروح، ثم تعلو وتحلق، تماما مثل انطلاق الطائرة وإقلاعها فهي بحاجة إلى طاقة صعود، والنفس الإنسانية حتى تتطهر وتسمو لابد لها من طاقة صعود، والهبوط الأخلاقي لا يحتاج إلى طاقة، كل ما يحتاج إليه هو إيقاف الكوابح، التي سماها القرآن أنها أدوات دخول الجنان، فمن نهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى.

يقول مالك بن نبي إن الحضارة تعتمد على نقطة الوحي ودفقة الروح الأولى، ويشبهها أيضا بشرارة الكهرباء، التي تدمج الهيدروجين مع الأكسجين لتشكيل الماء.

يعني بها شرارة الروح في يقظة الحضارة وتشكلها الأول.

وهو يشبه بذلك ما حدث لبلال والصخرة توضع على صدره في حر مكة وهو يردد : أحد .. أحد.

يقول مالك بن نبي إن الغريزة لا تتكلم هنا، والعقل منطقي يخضع لقوانين السببية، وحديث بلال هنا هو حديث الروح التي تتحدى منطق العقل وضغط الغرائز.

يقول مالك بن نبي إن الحضارة الإسلامية مثلها مثل أي حضارة انطلقت وانقدح زنادها وعظمت نارها من مرجل الروح، ولم يطل استمرارها أكثر من ثلاثين عاما حتى معركة صفين، على حد تعبيره.

بعدها يعتبر مالك بن نبي أن الحضارة الإسلامية وصلت ذروتها وحافظت على هذا المستوى بخط سواء مرتفع مثل مخططات كهرباء القلب.

يقول وبقي هذا التحليق بقوة العقل، أو هكذا يقول، وهنا انبثقت العبقريات، ولكن تلك الوثبة من الروح والتفاني تراجعت مقابل المد العقلي، وسارت الحضارة الإسلامية على وميض العقل وتألقه فترة قرون رأينا نموذجها في بغداد وقرطبة.

يقول مالك بن نبي ثم يأتي دور الغرائز، وحين تنطلق الغرائز دون كوابح فمسيرة الحضارة تشبه الطائرة التي نفد منها الوقود، ويجب أن تنحط إلى الأرض.

وهذا التفسير يصلح لفهم ظاهرة الانحطاط التي قرأ ابن خلدون معالمها في الأفق، حين قال في مقدمته، إنه رأى مظاهر الانحطاط تتناول مشرق العالم العربي كما كان في مغربه، وكأن لسان الكون نادى بالخمول فاستجيب؟!

وفي الواقع فقد سجل التاريخ، وتماما عند منتصف القرن الثالث عشر للميلاد الانكسار الحاد في مسيرة الحضارة الإسلامية، بسقوط جناحي العالم الإسلامي من سمرقند وبغداد وانتهاء بإشبيلية وقرطبة.

وما زال هذا المسير متواصل في منظر بغداد يحتلها الأمريكان، ويأكل الشيعة والسنة والأكراد بعضهم مثل سمك الماء وجراد الصومال، وقتال فتح وحماس بكل حماس.

وحين أراد صلاح الدين الأيوبي ترميم العالم الإسلامي كما يقول المؤرخ جب، فقد بدأ في الترميم الأخلاقي بمزج روح الجهاد مع التصوف.

ولكنه كان كمن يعالج مريض في العناية المركزة مصاب بالإيدز والسل والسارز وحمى الطيور بطب جماعات الطوارق من صحراء الجزائر؟! وهو ليس نقصا من قيمتهم، ولكن لتعقد المرض وحاجة الاختصاصات، وهو ما ينتظر حركة الترميم الحديثة في العالم الإسلامي.

إن المرحلة الحالية بعد سقوط العالم الإسلامي للاستعمار الخارجي ثم انقلابه من مرحلة الاحتلال إلى الاستبداد، تحكي أزمة ثقافية عميقة جدا، وليس هناك من حل سريع وواضح وشاف في المستقبل القريب.

ولكن هذا هو داء الأمم حتى تبنى من جديد. والله وارث الأرض ومن عليها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية