أهل الجنوب هم أرق أفئدة وأطيب قلوبا
أهل الجنوب هم أرق أفئدة وأطيب قلوبا
هكذا وصفهم الحديث هم أرق أفئدة وألين قلوبا وأنا أشهد لهم بذلك، فقد عشت في النماص ثلاث سنين وفي خميس مشيط وأبها اثنتين كانت من أجمل سنوات عمري. وعرفت تماماً ما معنى (حزام الأمان) في جبال عسير، حيث تعرضت لحادثين أثناء إقامتي هناك لفترة خمس سنين، وأشك أن أحداً ممن يسكن هناك لم يتعرض لحادث بسبب ضيق الطرقات وتعرجها وتسلقها منعطفات الجبال فل ايمكن أن يسرع الإنسان فيها لأكثر من 60 كيلو مترا في الساعة.. هذا إذا انفسح الطريق.
والواقع لقد بذلت المملكة جهداً فلكياً في شق الطرقات في تلك الجبال العسيرة، ولا يعرف الخوف الإنسان وهو يسوق، كما يلاحظه وهو يرى الصخور الصماء الهائلة تطل عليه من كل منحدر تكاد تقول له: أنا في طريقي إليك.
وبجانب (تنومة) تقف صخرة عملاقة بجلال، يعشش فيها النحل والعسل، يرتعب الغريب وهو يمر بجانبها.
وعلى قدر عسرة تلك المنطقة وصعوبة تضاريسها، على قدر (طيابة) أهلها وجمالهم، واستقامة أنوفهم وصغرها، ولطيف معشرهم وحلو المناخ عندهم. من شهريين وعسابلة وعمريين وكلثمين.
لقد تركوا في قلبي أطيب الأثر وأعز الذكرى، ووددت والله أني لم أغادرهم لولا أنهم مثل النسور يسكنون في السماء ويعانقون السحب والضباب، وأنا افترش الغبراء ومعدني ترابي أرضي..
ولكن المنطقة خطرة القيادة صعبة الأرض على الأقل في أيامي القديمة ولقد سمعت أن الطرق تحسنت كثيرا ولكنها رهيبة مخيفة، وهناك من العقبات باتجاه تهامة ما كنا نظن أننا ننحدر كجلمود صخر حطه السيل من عل ولا نصدق أن السيارة سوف تصل تهامة. مع هذا فقد جاء في حديث عائشة عن تهامة: كليل تهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة عن امرأة تمدح زوجها، وهو شعورنا حين كنا نخيم على شاطئ البحر الأحمر.
وما زلت أذكر ذلك الحادث بعد مغادرتي (بل أسمر) بكيلومترات قليلة، وكان الوقت ليلا، نظرت أمامي وخيل إلي أن الطريق مسدود؛ فقد أصبح لون الطريق ترابياً، ولم أعد أبصر أي طريق، وعندما أصبحت أقرب عرفت أنني في طريقي لصدم سيارة شاحنة بطول عشرين مترا ويزيد ودون أنوار جانبية.
حاولت تفادي الاصطدام بها ولكنها كانت قد ملأت كل الطريق دون أنوار واضحة. وعندما لم يبق أمامي سوى مسافة قصيرة للوصول إليها حاولت الهرب من مؤخرتها وفي هذا اللحظة العجيبة بالذات كانت سيارة من مجموعة مسافرين أفغان تطير بسرعة السهم باتجاهي قادمة من الاتجاه المعاكس فحاولت الهرب بينهما وصدمت مؤخرة الشاحنة وكان قد برز منها (دولاب ـ كفرـ الاحتياط ) الكبير.
كانت الصدمة كبيرة، هرست القسم الأيمن من السيارة من الأمام للخلف وكنا أربعة داخل السيارة وكانت ابنتي بجانبي واليوم عندما أتذكر الحادث أعرف أنه لولا الحزام لما نجت ابنتي بأقل من إعاقة.
كانت السيارة من نوع المرسيدس 280 الموديل القديم المتين وكانت ابنتي قد وضعت الحزام فنجت بأعجوبة ومن عزم الضربة أصيبت بصدمة عابرة وعندما نظرنا نحن إلى أنفسنا وكنا قد وضعنا أحزمة الأمان بمن فيهم من كان في الخلف عرفنا سبب نجاتنا. كان الحزام هو الذي أنقذنا جميعاً. وأنا أقص هذه القصص عسى ان تسهم في رفع مستوى الوعي حتى يدركوا معنى حزام الأمان.
إنني في أربعة حوادث لا أنساها اثنان في ألمانيا وواحد في إسبانيا بجانب قرطبة ورابع في جبال عسير في المملكة كان الفضل في نجاتي هو حزام الأمان وأستوعب الآن كلمة رجال الشرطة الأمريكية:
لم ننتشل جثة محزمة.
وفي حادثة ألمانيا الأولى صدمت شجرة وكنت نعسان، وكان علي تعويض ثمن الشجرة التي حطمت مقابل ما أرى من تقطيع الأشجار المستمر في البيئة الصحراوية عندنا باستهتار، والتي يجب أن يقام عزاء على قطع شجرة واحدة. وبجنب قرطبة نجونا بفضل الحزام وأصيب السائق بانفصال شبكية عالجه بنجاح بسرعة، وفي كلتا الحادثتين خرجنا من السيارة ونحن نفك حزام الأمان ونحمد الله على العافية والنجاة.