خلال الأسابيع الماضية وفي مصادفة غريبة صدرت أحكام بالإفراج وبالسجن في قضايا متشابهة. فقد صدر حكم تعزيري ضد أحد مشغلي الأموال في عسير بسجنه 13عاماً في مقابل الحق العام لأنه أقدم على جمع الأموال بطريقة غير مشروعة. وفي مقام آخر أوردت "الاقتصادية" خبرا عن قرب الإفراج عن "فؤاد الأجهوري" وهو مشغل أموال تم القبض عليه منذ أكثر من 25 عاما. هاتان القضيتان تتشابهان في مسألة تشغيل الأموال وعدم سداد حقوق المستثمرين (إن قبلنا تسميتهم بالمستثمرين) أو قل ضياع الأموال وسط غموض يلف مصيرها حتى الآن.
لو سألت أحدهم قبل نحو 25 عاما هل يتوقع تكرار قضية "الأجهوري" لأقسم أنها لن تحدث مرة أخرى ومع ذلك فقد تكررت التجربة على نحو أكثر قسوة وأكثر إيلاما. في قضية "الأجهوري" تورط أكثر من ستة آلاف شخص من جنسيات مختلفة ووصلت المبالغ إلى أكثر من 700 مليون. وفي قضية هامور عسير "الزهراني" بلغت الأموال أكثر من 800 مليون ومبلغ مليار و600 مليون ريال مع مشغل الأموال "معجب" وأكثر من 17 ألف مساهم بل لقد بلغ مجموع الأموال التي فقدت مصيرها في قضايا التشغيل في منطقة عسير فقط خمسة مليارات و783 مليونا بحسب ما أوردته صحيفة "عكاظ". وهكذا يبقى السؤال هل فعلا استفدنا من قضية "الأجهوري" أم أننا انزلقنا إلى ما هو أسوأ؟ ومع قرب الإفراج عن "الأجهوري" هل استفاد المساهمون الذين فقدوا أموالهم وثرواتهم في تلك القضية من سجن "الأجهوري" أو من الإفراج عنه الآن؟ وهل في هذا إشارة واضحة إلى مدى استفادة مساهمي "الزهراني" من سجنه؟ وهل فعلا كانت عقوبة "الأجهوري" رادعة لغيره وهل ستردع عقوبة "الزهراني" من يأتي بعده؟
إن قضايا تشغيل الأموال في صورتها الأولى يمكن تحميل وزرها بالكامل على مشغل الأموال الذي استغل الثغرات القانونية في ذلك الحين واستغل سذاجة الأفراد وقلة الخبرات المتوافرة في الجهات الحكومية المعنية لكشف ألاعيبه وقد نجد لعقوبته تفسيرا أخلاقيا نقبله. ولكن الأمر مختلف في قضية "الزهراني" و "معجب" فهل فعلا يتحمل مشغل الأموال كامل الوزر أم أن هناك من يجب أن يتحمل جزءا من هذه المسؤولية؟ بلا شك لا يمكن تبرئة مشغل الأموال من هذه الجريمة ولكني أحمله ثلث المسؤولية فقط ويستحق السجن بالمدد التي قررها القضاء، وثلث يتحمله المساهم الذي رفض حماية نفسه وسلم أمواله لمجرد وعود كاذبة، وثلث (في رأيي) تتحمله الجهات الحكومية التي لم تتعلم الدرس من قضية "الأجهوري".
ولكن ومن جانب آخر نجد وبعد "الأجهوري" أن هناك مبررا لتورط الناس مع "الزهراني" لأن معظمهم اعتقد أنه لن يجرؤ أحد على تكرار تلك الفعلة لأن الجهات الحكومية – كما هو مفترض - قد أغلقت كل الثغرات التي نفذ منها "الأجهوري" ومنها تداخل السلطات. لذلك أقدم معظم المستثمرين على إيداع أموالهم لدى "الزهراني" على أساس فرضية ضمنية أنه يعمل بشكل نظامي لأنه من المستبعد أن تقع الجهات الحكومية المعنية بالخطأ نفسه مرتين. من هنا أعفي المستثمرين من الثلث الذي كنت قد عينته عليهم من قبل على أساس حسن الظن.
لست أهدف من المناقشة السابقة أن أبرئ المجتمع (وهو إلى حد ما بريء) من وقوعه في هذا الخطأ الفادح لكني أسعى إلى تقديم تبرير منطقي لأهمية تعويض الناس عن خسائرهم في مثل هذه القضايا. لم يستفد الناس كثيرا من سجن "الأجهوري" وليس من المحتمل أنهم سيستفيدون من سجن "الزهراني". إنهم في حاجة إلى تعويضهم عن أموالهم التي ضاعت والاقتصاد في حاجة إلى ذلك أيضا. من المتوقع (لو قمنا بدراسة اجتماعية) أن معظم المستثمرين هم من ذوي الدخل المحدود تمنعهم أعمالهم الحكومية (وحسب النظام) من العمل في التجارة لذلك ما أن تلوح لهم فرصة لتحسين الدخل بطريقة نظامية (تشغيل الأموال) فإنهم يقبلون عليها بلا تفكير (غير ملومين) وعلى أساس فرضية أن مشغل الأموال يعمل بشكل رسمي لأنه لو كان غير ذلك لمنع من الجهات الرسمية كما قلت سابقا. وهكذا ومرة أخرى يظهر العمل الحكومي كطرف في المعادلة فلماذا لا تقوم الدولة ـ حفظها الله ـ بتسديد هذه المديونيات الصعبة على أساس تعويض وليس شراء (أو على الأقل ثلثيها) ومن ثم تقوم باسترداد هذه المبالغ من مشغل الأموال ومن جميع المتورطين معه وهي أقدر على ذلك وليأخذ هذا ما يأخذ من الوقت. أو على أقل تقدير يمكن تشكيل لجان لدراسة أوضاع المساهمين حيث يتم تعويض الأسر شديدة الاحتياج وبخاصة في ظل موجة التضخم الحالية.