الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الجمعة, 12 ديسمبر 2025 | 21 جُمَادَى الثَّانِيَة 1447
Logo
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين8.55
(-1.04%) -0.09
مجموعة تداول السعودية القابضة159.9
(-1.84%) -3.00
الشركة التعاونية للتأمين123
(-0.81%) -1.00
شركة الخدمات التجارية العربية127.3
(1.19%) 1.50
شركة دراية المالية5.34
(-0.37%) -0.02
شركة اليمامة للحديد والصلب33.8
(1.02%) 0.34
البنك العربي الوطني22.6
(0.85%) 0.19
شركة موبي الصناعية10.9
(0.00%) 0.00
شركة البنى التحتية المستدامة القابضة32.7
(-1.39%) -0.46
شركة إتحاد مصانع الأسلاك21.66
(-1.32%) -0.29
بنك البلاد25.9
(0.23%) 0.06
شركة أملاك العالمية للتمويل11.32
(-2.08%) -0.24
شركة المنجم للأغذية53.8
(-0.37%) -0.20
صندوق البلاد للأسهم الصينية11.7
(-0.09%) -0.01
الشركة السعودية للصناعات الأساسية54.65
(0.46%) 0.25
شركة سابك للمغذيات الزراعية116.1
(0.09%) 0.10
شركة الحمادي القابضة28.78
(-0.76%) -0.22
شركة الوطنية للتأمين13.05
(-1.95%) -0.26
أرامكو السعودية23.9
(-1.73%) -0.42
شركة الأميانت العربية السعودية17.13
(-0.70%) -0.12
البنك الأهلي السعودي38.26
(0.95%) 0.36
شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات29.76
(0.27%) 0.08

[email protected]

قد يتصور بعض القراء أن الدعوة للاهتمام بالمزاج النفسي للناس هي دعوة لا يقصد بها إلا الانشغال بقضايا تنظيرية أمام واقع مثقل بهموم ومشكلات كبيرة وأمام زمن يختنق لعظم المعاناة التي نعيشها والفتن والمصائب التي تحيط بنا, فأي مزاج نتكلم عنه وأي نفس نريد أن نتحدث عنها أو نخفف عليها وهي لا تجد من يقدرها أو يعترف بها؟ يكفينا من هذا القول أننا نستنتج أننا حقا نعيش في أزمة مزاج نفسي أنتجها لنا واقع معيشي صعب, ففي كل زاوية من زوايا حياتنا هناك مشكلة أو أزمة تضغط علينا ولكننا لن نستطيع ولن نقدر على أن نحتوي هذه المشكلات والأزمات إن سمحنا لها أن تخرب من نفوسنا وتعكر من مزاجنا. فبالنفوس المتأزمة والأمزجة الكئيبة نعقد الأمور ولا نحلها ونصعب المشكلات ولا نبسطها ونفاقم الأزمات ولا نفككها. فلنصدق الدعوى التي تقول إن معظم مشكلاتنا هي نتاج لأزمتنا مع نفوسنا, فالموظف الذي يجتهد في تعقيد الأمور علينا كمراجعين والذي لا يستطيع إلا أن يكشر في وجوهنا ويسمعنا الخشن من القول, هو يفعل ذلك بوحي من داخله الكئيب ومزاجه المظلم ونفسه المتأففة, والمسؤول الذي يتضايق من شكاوى المواطنين ومحاسبة الإعلاميين والصحافيين ويرفض الإشارة إليه بالتقصير والفساد الإداري لا يفعل ذلك إلا لأنه محتقن نفسيا في داخله إما لأنه ليس بالكفء لهذا المنصب وإما يجد نفسه عاجزا عن تحقيق ما يصبو إليه في عمله لكثرة ما نضع في طريقه من معوقات. ونسبة كبيرة من حوادث السيارات التي نشهد فطاعاتها في شوارعنا ومدننا كل يوم يتسبب فيها سائقون, هم مثلنا, ولكن أمزجتهم مريضة وتريد من يعالجها ونفوسهم مضطربة وتبحث عمن يخفف عنها. سرعة الزائدة كالسمنة الزائدة يولدها شعور ورغبة في تحقيق شيء وإنجاز فعل بغض النظر عن عواقبه ونتائجه السلبية. ويؤكد لنا علماء النفس والمختصون بشؤون الأسرة أن 99 في المائة من الخلافات الأسرية هي حرب نفوس لا تشعر بالراحة وأمزجة لا تحس بالاستقرار, فالزوج المضطرب المزاج تجده دائما يبحث عن عذر أو خطأ من زوجته أو أطفاله ليريح نفسه من هذا الداخل المضطرب بافتعال أزمة خارجية قد تجلب له الشعور بالفوز والانتصار على زوجة مسكينة أو طفل لا حول له ولا قوة.

لقد اجتمعت ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية وتاريخية وسياسية للنيل من كرامة نفوسنا, كانت هذه الظروف كفيلة أن تخرب المزاج العام لنفوسنا وأن تدخلنا كمجتمعات في أجواء من الكآبة وعدم التفاؤل والاضطراب النفسي وهذا ربما هو من الأسباب الرئيسة التي جعلتنا لا نتجاوب مع الدعوات السابقة واللاحقة للتغيير والإصلاح. النفوس الكئيبة والمنغمسة في الحزن حتى أذنيها تتكلس مع الزمن وهذا يفقدها القدرة على الاتصال بالظروف والبيئة التي تحيط بها, ليس عندها من الليونة الكافية لكي تتحرك من دون أن تخربش الطريق الذي تسير عليه ولكن السؤال المهم هو: كيف لنا أن نخرج بنفوسنا وأمزجتنا من حالة الاكتئاب هذه؟ ليست هذه مسؤولية الفرد فقط وإنما للمجتمع ومؤسساته دور مهم في ذلك وهذا ما التفتت إليه الدول المتقدمة, فالمزاج العام هو ثروة عامة وهو كالرأي العام بات موضوعا ينال اهتمام المسؤولين والمهتمين بالشأن العام, فالتفاعل والتجاوب مع القضايا العامة وتعزيز أواصر الانتماء والتواصل مع المجتمع والثقة والاعتداد بالنفس كلها أمور مهمة ولكن لا يمكن أن نحصل عليها بوجوه مكفهرة وأنفس ضيقة ومشاعر متقلبة. هل من شيء نستطيع فعله لنعدل فيه من أمزجتنا النفسية أم إن الأمر قد خرج من أيدينا ولم يعد بمقدورنا أن نشعر بالسعادة والراحة حتى ولو عشنا في القصور وركبنا السيارات الفارهة وملأنا جيوبنا فضة وذهبا وهذا بالطبع قبل أن تنزل بنا كارثة الأسهم وقبل الارتفاع الكبير في الأسعار الذي طال كل شيء ولم يستثن منها حتى صحن الفول الذي ارتفع سعره بأكثر من 20 في المائة وهذا بالطبع أكثر من عشرة أضعاف المعدل المعلن للتضخم. نعم نستطيع أن نفعل الكثير لتعديل أمزجة الناس وهذا سيعود علينا بمنافع أكثر مما نتصور, فالشعب الألماني المهزوم والشعب الياباني المكسور بالهزيمة المذلة استطاعا أن ينهضا من بين ركام المدن المحترقة والمصانع المحطمة وأن يحولوا الهزيمة إلى تفوق اقتصادي وأسبقية في العلوم والتكنولوجيا وتماسك في القضايا الاجتماعية, وهذا لم يتحقق إلا بفضل النفوس التي لم تسمح للهزيمة والذل أن تنال منها أو تخرب من مزاجها. إننا نستطيع وبأشياء بسيطة أن نكسب الناس ونكسب ودهم وتفاعلهم الإيجابي مع القضايا التي تعود بالصالح عليهم وعلى مجتمعهم, ويمكننا أن نذكر البعض من هذه الأشياء وباختصار:

1- يقال أن الإنسان الجاهل عدو نفسه, فكيف لنا أن نعدل من نفوسنا وأن نغير من مزاجنا ونحن ليس عندنا أدنى معرفة أو إطلاع عن نفوسنا وقضايانا النفسية وعن دور المزاج في التأثير في حياتنا. يقول علماء النفس إن معرفتنا بأنفسنا والإطلاع على بعض أسرارها يعيننا كأشخاص وكمحيطين بالأشخاص الآخرين في التأثير في النفس والمزاج. هذا الأمر يتطلب منا أن ندخل القليل من علوم النفس والسلوك النفسي كمادة ثقافية تقدم لطلابنا في المراحل التعليمية كافة. الكثير منا كآباء أو مدرسين لا يعرفون أن سلوك هذا الطفل أو الشاب هو ربما مؤشر على اختلال نفسي يعانيه أو حالة اكتئاب يمر بها لأننا لا نتوقع للأطفال أن يصيبهم اكتئاب ولكن عندما نعرف هذه الحقيقة ونعرف أن النفس هي معرضة للرض والاكتئاب في أي وقت فبالتأكيد سيتغير تعاملنا معهم وسنكون أكثر استعدادا للتقرب منهم وتقديم العون والمساعدة لهم. وأيضا فإن أكثرنا لا يعرف أن المرأة في دورتها الشهرية وأثناء الحمل والولادة قد تعتريها حالات نفسية تغير من مزاجها وعواطفها ولكن هذا الجهل بما تمر به المرأة قد يوقعها وزوجها وأسرتها في الكثير من المشكلات الأسرية. من غير المقبول أن نعلم وندرس الولد والبنت كل التفاصيل الشرعية عن البيع والشراء والطهارة وكأننا نعد منه ومنها فقهيا متخصصا في الاقتصاد الإسلامي ولا نتيح له الفرصة ليعرف من هو وكيف تعمل نفسه وكيف يتعامل مع مزاجه وكيف يستطيع أن يعدل من سلوكه بنفسه.

2- ويقال أيضا إن الجمال في البساطة والراحة في عدم التعقيد, وإذا نظرنا إلى حياتنا فسنجد أنها معقدة وأنها تتجه إلى المزيد من التعقيد وهذا بالتأكيد لا يتيح للنفوس أن تشعر بالراحة وهي تحس أنها مطالبة بفعل أشياء كثيرة ربما أكبر من طاقتها وقد تكون في الأصل غير مقتنعة بجدواها. فكم منا من يحمل هما كبير لمجرد أنه سيراجع دائرة معينة لإنجاز أمر في غاية البساطة ولكن التعقيد وعدم معرفة ما هو مطلوب منه يجعله مكتئبا لساعات إذا لم يكن لأيام وربما لأسابيع. ولماذا يخبرنا أبناؤنا وبكل صراحة إنهم يكرهون المدرسة وإنهم لا يحبون الذهاب لها ويتمنون ويطلقون الشائعات عن احتمال تمديد الإجازات أليس لأن مدارسنا كئيبة وتجلب الاكتئاب لهم؟ فالمباني المدرسية وسخة وبألوان غير مريحة وبفصول خانقة وممرات ضيقة وساحات متربة وإنارة ضعيفة, وأما المناهج فهي معقدة ومتعبة لهم وغير محببة لنفوسهم ومدرسيهم يلقون عليهم الدروس بمزاج مقلوب تقرأه في وجوهم وتلمسه في تعبيراتهم ونظراتهم, هذا إذا أردنا تجاوز ذكر بعض الدروس وبعض المدرسين الذين يكرهون الحياة في عيون طلابهم.

3- إن دور البلديات والأمانات هو رعاية وخدمة مواطنيها ولا تقتصر هذه الخدمة على الأمور المادية وإن كانت هي أمور مهمة ولا بد منها ولها دور كبير في التخفيف من أعباء الحياة على الإنسان ولكن هذه المؤسسات مطالبة اليوم بأكثر من ذلك وهو الرعاية والاهتمام بالإنسان. فعلى الأمانات والبلديات أن توفر برامج على مستوى المدينة وعلى مستوى الحي تعزز من خلالها أواصر التكافل والتعاون بين الناس. فإن إشراك الناس إما من خلال مجالس الأحياء أو أي شكل تنظيمي آخر في إدارة أمورهم ومساعدتهم على القيام ببرامج تزيد من تلاحمهم والتعاطف بينهم يجعل منهم ومن نفوسهم أقدر على عدم التجاوب السلبي مع المشكلات وضغوط الحياة. وهناك تجارب كثيرة نجدها في الكثير من مدن العالم نستطيع أن نستفيد منها ونكيفها لتصلح مع حالنا وتتناسب مع مجتمعنا وهذه البرامج في معظمها تركز على التجمعات السكانية الصغيرة في الحي أو الضاحية للقيام بأعمال ونشاطات مشتركة وقد يصل بهم الأمر حتى إلى تركيب إعلانات ولوحات فيها من الأقوال والأشياء التي تجلب الابتسامة مما يفرض حتى على الزائر من أن يغير من مزاجه وهو يدخل لهذه المناطق.

4- توظيف التقنيات الحديثة في الاتصال لتعزيز التواصل مع الناس وتخفيف التوتر الذي قد تجلبه لهم بعض الأشياء والتي من المعتاد أن تحدث يوميا. فمثلا إيجاد محطات راديو محلية للمدن وحتى القرى, وقد ينتفع من هذه المحطات لتزويد المستمع بالمعلومات المطلوبة، ومنها مثلا التوجيه لتفادي الشوارع المزدحمة والمتوقفة بسبب الحوادث. وللتلفزيون المحلي أيضا دور مهم في تعزيز الانتماء للحي أو المنطقة أو المدينة والذي هو مدخل مهم للشعور بالراحة وعدم التأثر السلبي ببعض المشكلات.

المزاج المتعب والنفس الكئيبة والمشاعر المضطربة والأجواء النفسية المظلمة كلها تجعل الإنسان مهيأ للانحراف عن جادة الصواب. فإذا لم نستطع أن نخفف من ضغوط الحياة على هذا الإنسان, فصعب علينا تشغيل العاطل وسد حاجة الفقير ومساعدة الإنسان العادي في وجه هذا الارتفاع المجنون في الأسعار وإيجاد مقعد في الجامعة للطلاب أو الطالبات الحائزين على درجتي ممتاز وجيد جدا, فعلينا أن نجتهد في التخفيف من أثرها النفسي فيهم. الإنسان المكتئب لا ندري ماذا يضمر لنا ومن دون أن يعي هو ذلك, فبالتلطيف من مزاجه وبالتخفيف على نفسه وترويحه نستطيع أن نعيد له التوازن والاستقرار النفسي الذي هو لصالحه ولصالح المجتمع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية