السبت, 26 سبتمبر 2026|13 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في تحليله لنشوء الرواية، استعرض إيان واط مظاهر مقتضبة لبعض الصلات الممكنة بين التغيرات في طبيعة وتنظيم جمهور القراء وبين ولادة الرواية. وقد ركز في مجادلته على اتساع قاعدة القرّاء مواشجاً بين ذلك التغيّر مع جملة من العوامل الاقتصادية والدينية والاجتماعية، في الوقت الذي ألمح فيه إلى ما انطوت عليه الواقعية الشكلية للرواية من قطيعة متعددة الجوانب مع التقليد الأدبي السائد، الأمر الذي حرّض بعض الروائيين الطليعيين على ابتكار أنماط سردية أكثر حداثة وتعقيداً، كاستجابة طبيعية إلى ما عُرف بسلطة القارئ، وكانت تلك السلطة قد بدأت بالظهور روائيا تحت عنوان " الجمهور الجديد " كما هيأته المدارس الحديثة، وصولاً إلى " القارئ النموذجي" الذي شكل أسطورة معرفية/جمالية فبات أحد أهم الاشتغالات النقدية المطروحة للتداول بقوة وكثافة، على اعتبار أن نظريات وجماليات التلقي إن هي إلا محاولة لتجديد تاريخ الآداب، بتعبير ياوس، وإعادة تشكيل أفق الانتظار.

منذها صار "القارئ النموذجي" الذي يختزن خبرات الوعي الناقد، هو ضالة الروائي ورهابه في آن، حيث يبدو ذلك جلياً في الروايات التي تتعمد "تأوين" القارئ داخلها، للإخلال بتقاليد السرد، خصوصاً تلك المكتوبة بصيغة الرواية داخل الرواية، أو التي تجاور المتن النصي بهامش كتابي موازٍ أو تضميني، يعمل كحالة من حالات التفسير، حيث الإبدال التفاعلي بين النصين، ليبين النص عن مسار بنيته التكوينية من خلال العلاقة المضمرة بين القارئ، المزوّد بخبرات لغوية ولا لغوية من خارج النص، وبين الهامش شبه التوثيقي للأحداث، كما سعى إلى تحقيق ذلك بعض الروائيين بنهج استخدامي لا محدود لممكنات النص، وعبر استراتيجية نصية كفيلة بابتناء قارئ بمواصفات خاصة.

ونتيجة جملة من الأسباب الموضوعية والجمالية استجلبت الرواية المحلية بعض ملامح ذلك الوعي الكتابي لتجريب "ميثاق قراءة" مغاير، ينهض على مجادلة القارئ داخل النص، اعترافاً به كسلطة جديدة، وإقراراً بالطابع النشط والخلاق لفعل القراءة، الأمر الذي حتّم استدعاء "كاتب ضمني" يؤدي القارئ مهمة بنائه مقابل "القارئ الضمني" بما هو صورة مخالفة من السارد، كما يتبدى بشكله المبسط في الروايات التي تبدأ بعبارة تحذيرية لصرف القارئ عن التعاطي مع شخوص الرواية وأحداثها كوقائع معاشة ومعرّفة، أو بتوضيحات استدراكية بعد انقضاء السرد، أو حتى داخل المتن النصي بهوامش موازية، أو شروحات لمسح الحدود بين المروي له والمسرود له، فيما يبدو محاولة لتجريب وعي كتابي محتم بتطور فعل التلقي، والتنويع على شكل مغاير وصادم من أشكال الوجود السردي.

وإذا كانت تلك العبارات تعني التأكيد على جانب مهم من واقعيتها من خلال النفي، فإنها تمارس على الجانب الآخر حالة من تقييد حرية الذات القارئة في إنتاج المعنى، على اعتبار أنه النتيجة الحتمية المتولّدة من التقاء النص المقروء ونص القارئ، كما تتقصد أحياناً التحييد الاستباقي لوعي القارئ المزود أصلاً بمجس لرصد العلامات السيرية والواقعية، ففي كل قارئ محلل نفسي بالضرورة، والقضية في أصلها لا تتعلق بأنطولوجية الشخصيات التي تقطن العوالم السردية بل بحجم موسوعة القارئ النموذجي، الذي يشاطر الراوي معرفته وهواجسه ويقتدر حتى على التشارك معه في وعي ولا وعي الرواية، فهذا هو الميثاق الذي يتأسس عليه التعاضد التأويلي لتفعيل النص، إذ لا كتابة بدون هذا الميثاق.

ربما غاب عن يوسف المحيميد أن "القراءة" هي المعادل للتخمين والاستنتاج في حدها الأدنى، وهي شكل من أشكال المنهج وليس مجرد مطالعة مباشرة لتقرير إخباري، وهي بالتالي تمنح الذات القارئة قدراً لا نهائياً من الحرية في تماسها مع النص، فقبل أن يدخل روايته "القارورة" يكتفي بالصيغة التصريحية للسرد الموجبة لنقل المعرفة، وعليه يقيم جداراً عازلاً بينه وبين قارئه، كما يحلل بينفيست مثل هذه العبارات الإخبارية، لئلا يتأول هذا (المسرود له) أي معنى استثنائي خارج مراداته، وذلك من خلال عبارته المسيّجة للرواية "إن أي شبه بين أشخاص وأحداث هذه الرواية وبين أشخاص حقيقيين وأحداث حقيقية هو مجرد مصادفة" وكأنه بهذا التنبيه الاستباقي يهب قارئه سلطة اجتماعية، ويعطل ما يسميه كولريدج "الإحساس بالارتياب" بما هو ميثاق تخييلي ضمني أصيل وضروري بين الروائي وقارئه.

من ذات الحس التقريري الذي لا يخلو من الرهاب وجرأة الشخصنة في آن، تحاول أميرة القحطاني في روايتها "فتنة" مسح الحدود الفاصلة بينها كروائية وبين بطلتها، أي بين "أميرة" و"فتنة" حيث توقع روايتها المنكّلة بنسق القبيلة، باسم بطلة الرواية وراويتها فتنة عبدالرحمن القحطاني، مخاطبة القارئ "أنا الآن بين يديك، ولك حرية الاختيار، إما أن ترافقني، وإما أنت تعيدني إلى رفوف المكتبة" تماماً كما يتبرأ إبراهيم بادي من التبعات المحتملة من وراء شخصياته، عندما يصف روايته "حب في السعودية" بالفوضى التي تعبر عن نفسها، فهي، حسب تعبيره "من نسج الخيال، حتى لو وجدت شخوص واقعية شبهاً بينها وبين شخوص هذه الرواية. وأي شبه في الرواية مع أشخاص حقيقيين، أو مع أماكن وأحداث حقيقية، هو مجرد عن أي قصد ومحض مصادفة، وليس الهدف من هذه الرواية إزعاج أحد، أو أن توصل رسالة بعينها".

إذاً، هو يصر على التصريح بتنصله من تداعيات روايته، ليمنع القارئ من ابتكار مقروئية مخالفة، بما يعني ميله إلى حقيقة النص ونفي إمكانية تعدديته، وهو بذلك يعاند رؤية سلاتوف، أو يحاول حرفها عن مسارها، فالقارئ الجيد هو الذي يتعلم تقبل العمل الأدبي، وتوجيه وتحديد توجهاته بما يقتضيه ذلك العمل، لئلا تتولد قراءة ضالة، لا تظهر قدراً كافياً من الالتزام بالنص، بقدر ما تتحول إلى تسوية سيئة بين القارئ والروائي، وهو ما يعني مصادرة صوت "القارئ النموذجي" وهو أمر يتوفر في جملة من الروايات المحلية رغم ما تبديه من رغبة مظهرية، أو لفظية بمعنى أدق، لمعانقة الوعي الناقد.

www.m-alabbas.com

[email protected]

منتدى الاقتصادية 2026