الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الأحد, 10 مايو 2026 | 23 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

معالجة ارتفاع الأسعار وفقا للسياسة الشرعية "سياسة التسعير"

الجمعة 1 مايو 2009 1:1
معالجة ارتفاع الأسعار وفقا للسياسة الشرعية "سياسة التسعير"

نصت المادة 65 من النظام الأساسي للحكم في السعودية على ما يلي: "يقوم الملك بسياسة الأمة سياسة شرعية طبقا لأحكام الإسلام". والسياسة الشرعية هي العمل بما جاء في الشرع من تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع في المجالات: السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية، إضافة إلى ما يتخذه ولي الأمر من نظم وإجراءات في المجالات التي لم يرد بها نص. كما يشمل تنظيم العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى. وعندما برزت مشكلة ارتفاع الأسعار التي تعرض لها الاقتصاد السعودي أخيرا، اقترح بعض الاقتصاديين معالجتها بوسائل أهمها: التسعير، ودعم الأسعار. وتساءل الناس عن حكم هاتين الوسيلتين في الشريعة الإسلامية؟

فكان من الواجب على أهل العلم بيان الحكم الشرعي في ذلك. وسأتحدث عن التسعير في هذا المقال وأرجئ الحديث عن حكم دعم الأسعار إلى مقال لاحق، إن شاء الله تعالى. فالتسعير هو أن يسعر الإمام أو نائبه على الناس سعرا ويجبرهم على التبايع به. وأما حكمه، فقد اختلف فيه الفقهاء المتقدمون على قولين هما:

القول الأول: هو تحريم التسعير ومنعه مطلقا. وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وأهم أدلتهم هو حديث أنس، رضي الله عنه قال: "غلا السعر على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، سعّر لنا، فقال: "إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي، وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال". ودلالة الحديث على تحريم التسعير مطلقا ـ كما يقول ابن قدامة ـ من وجهين؛ أحدهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يسعر، وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه. ثانيهما: أنه علل بكونه مظلمة، والظلم حرام؛ ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان.

القول الثاني: إن الأصل هو تحريم التسعير لكن يجوز عند الحاجة. وهو قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية وبعض المحققين من الحنابلة. وقد استدلوا بأدلة أهمها المصلحة: وهي أن غلاء السعر مضر بعامة الناس، وقد جاءت الشريعة بإزالة الضرر عموما، وتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، فيجب تحديد السعر ومنع الغلاء؛ مراعاة لمصلحة العامة وهم المشترون، وإهدارا لمصلحة الخاصة وهم البائعون. والقول بجواز التسعير عند الحاجة العامة هو القول الراجح؛ لأنه يجمع بين أدلة الشريعة، ذلك أن مناط النهي في حديث أنس هو منع ظلم التجار، فلا يُسعر عليهم في حالة كون الأسعار قد تحددت بناء على عوامل العرض والطلب، أما إذا كانت الأسعار قد رفعت بأسباب مفتعلة بحيث يكون فيها ظلم واقع من التجار على المشترين، فإن التسعير لا يمتنع في هذه الحالة، بل يجوز حينئذ للمصلحة وهي رفع الظلم عن المشترين ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ بشرطين:

أحدهما: أن يكون فيما حاجته عامة للناس جميعهم.

وثانيهما: ألا يكون سبب الغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب. كما صدر بذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في جدة في دورته الخامسة عام 1409هـ، حيث أجاز تدخل ولي الأمر في النشاط الاقتصادي عند الحاجة ومن ذلك التسعير، مع تأكيده أن الأصل في الإسلام هو حرية النشاط الاقتصادي، وقد جاء في القرار:

1 ـ الأصل الذي تقرره النصوص والقواعد الشرعية، ترك الناس أحرارا، في بيعهم وشرائهم وتصرفهم في ممتلكاتهم وأموالهم، في إطار أحكام الشريعة الإسلامية الغراء وضوابطها.

2 ـ ليس هناك تحديد لنسبة معينة من الربح، يتقيد بها التاجر في معاملاته، بل ذلك متروك لأحوال التجارة عامة وأحوال التاجر والسلع، مع مراعاة ما تقضي به الآداب الشرعية، من الرفق والقناعة والسماحة والتيسير.

3 ـ تضافرت نصوص الشريعة الإسلامية، على وجوب سلامة التعامل من أسباب الحرام وملابساته كالغش، الخديعة، التدليس، الاستغفال، تزييف حقيقة الربح، والاحتكار الذي يعود بالضرر على العامة والخاصة.

4 ـ لا يتدخل ولي الأمر بالتسعير، إلا حيث يجد خللا واضحا في السوق والأسعار، ناشئا من عوامل مصطنعة، فإن لولي الأمر حينئذ، التدخل بالوسائل العادية الممكنة، التي تقضي على تلك العوامل، وأسباب الخلل والغلاء والغبن الفاحش. وإذا عدنا إلى شرطي جواز التسعير المتقدمين، فيمكن أن يكون التسعير في بعض السلع التي تكون حاجتها عامة للناس كالأرز أو الشعير، التي يثبت أن ارتفاع أسعارها ليس بسبب زيادة الطلب عليها أو نقص العرض منها وإنما بسبب احتكار التجار أو تلاعبهم ونحو ذلك، وهذا يرجع إلى تقدير ولي الأمر والجهات المختصة.

أستاذ السياسة الشرعية المساعد المشرف على إدارة البرامج التطويرية في معهد الدراسات الدبلوماسية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية