مرت فترة من الزمن كان الحديث فيها عن القانون يعد خروجا عن الملة، ومرت أقسام القانون في الجامعات السعودية وخريجوها بحالة من الإقصاء المتعمد لفترة طويلة على أساس معارضته للشريعة الإسلامية التي يفترض أن يكون لها الحكم والنفاذ والسيادة على كل الأنظمة الوضعية. ولست هنا في حالة المدافع عن القانون في شكله العام لأنني أؤمن إيمانا تاما أن مصدر التشريع الأساسي هو الشريعة الإسلامية وأن التشريع الإلهي سائد على التشريع البشري ولا جدال في ذلك. ولكنني أستغرب من النظرة السائدة إلى القانون على أنه إقصاء للشريعة في بلد يستمد أحكامه وتشريعاته من الشريعة الإسلامية الغراء. فالقانون في بلد مثل المملكة ما هو إلا تنظيم لأمور الحياة العامة يندرج تحت الإطار الأساسي والأوسع وهو الشريعة الإسلامية الغراء. ومن مظاهر هذا الإقصاء الواضحة محدودية الوظائف المخصصة لخريجي أقسام القانون، في حين تعددها ووفرتها لأقرانهم من خريجي كليات الشريعة. فعلى سبيل المثال - وباستثناء القضاء من هذه المقارنة - اقتصرت وظائف كتاب العدل بجميع أشكالها على خريجي كليات الشريعة مع أنها تتطلب معرفة وإلماما بالقوانين والأنظمة السائدة أكثر من كونها تتطلب معرفة متخصصة في العلوم الشرعية. فكاتب العدل إنما هو شخص تنفيذي يستند إلى مجموعة من الإجراءات للتوثيق وهذا يتطلب شخصا ملما بالأنظمة أكثر من إلمامه بأصول الفقه مثلاً. وقد أدى ذلك الإقصاء إلى محاولة للالتفاف باختلاق مسمى آخر لقسم القانون في بعض الجامعات السعودية، فكان (الأنظمة) الاسم المقبول (نوعا ما) لقسم القانون مع أنه لا يغير من الأمر شيئاً، إذ إن المحتوى الأكاديمي نفسه لم يتغير. وأتذكر أنني عندما رغبت يوما في التخصص في القانون وفوجئت بانتقادات وتحذيرات من البعض في حرمة هذا الأمر مع أن أحدا لم يستطع إعطائي سببا أو مبررا وجيها لذلك. وعلى كل حال فقد كنت محظوظا إذ لو تخصصت في هذا المجال لواجهت الإقصاء الذي يواجهه خريجو أقسام القانون نفسه (عفوا أقسام الأنظمة) حتى الآن.
ومن العجيب أن فكرة اقتصار وظائف معينة لا علاقة لها باستنباط الأحكام الشرعية على متخصصي الشريعة دون غيرهم من خريجي أقسام القانون لا تزال قائمة. فقد فوجئت كثيرا من اقتصار حق توثيق العقود التي أعلنت عنها وزارة العدل على المتخصصين في الشريعة. مع العلم أنها أعمال تنفيذية لا تتعلق بعملية التشريع واستخلاص الأحكام. فما أفهمه أن الأمانة والعدل شرط أساسي لتولي هذه الوظائف ولكن التخصص الدراسي لا يمكن أن يكون دليلا كافيا لإضفاء صفة الأمانة على الشخص. بل إن هناك وسائل أفضل وأوثق يمكن الاعتماد عليها للتحقق من أمانة الشخص كالحصول على توصيات أئمة المساجد أو الوجهاء والأعيان أو حتى أعضاء مجالس الأحياء. كما أن ذلك يعد إمعانا في إقصاء متخصصي القانون (في المملكة) من ممارسة هذه الأعمال وحرمانا لهم من ذلك لمجرد أنهم من غير المتخصصين شرعياً. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا تفتح أقسام القانون ولماذا هي قائمة حتى الآن؟ وكان من الأجدى أن يكون هناك مزيج من التخصص الشرعي والقانوني بدلا من أن يكون البقاء لأحدهما أو لكليهما وبشكل منفصل. فالوطن بحاجة إلى الاثنين ولا غنى لكل منهما عن الآخر، فالقانوني يصيغ ويفسر الأنظمة والشرعي يؤطر الأنظمة ويتأكد من سلامتها من الناحية الشرعية ودون إلمام بالجانبين سيكون هناك فراغ دائم يحتاج إلى من يملأه. لذا فنحن في حاجة إلى إعادة النظر في اشتراطات التوظيف المتعلقة بمثل هذه الوظائف لأنها تتضمن إقصاء لا مبرر له. إن الشريعة والقانون جزءان من كل وفي مجموعهما يشكلان الإطار الذي يحكم تصرفات الناس في المملكة، ففي حين تستمد جميع أحكام القضاء من الشريعة الإسلامية، حيث تكون الشريعة هي الفصل في ذلك، تعمل الأنظمة على تنظيم معاملات الناس وتحديد الأطر القانونية التي تحكمها وبشكل لا يتعارض مع الإطار الأساسي لذلك، بل ولتكون رافدا للشريعة الإسلامية. وإذا كان هناك من متخصصي القانون من يؤمن بسيادة القانون على الشريعة فهو لا يعد مبررا لإقصاء القانون ومتخصصيه لأن ذلك أمر يخص هذا الشخص وحده ولا أحد يستطيع في هذا البلد أن يساوم على سيادة الشرع الإسلامي الحنيف على كل شيء.
