لأن التنظيم الإداري البيروقراطي هو المعتمد في عملية صنع القرارات العامة فإن مفهوم المحلية يأخذ الجانب الإداري ويدور في فلكه فنجد الكثيرين حتى من المتخصصين في الإدارة العامة يجنحون في حديثهم إلى اللامركزية الإدارية وهي تفويض الصلاحيات من المركز إلى الإدارات الفرعية في المناطق والمحليات ويعتبرونها إدارات محلية. وهذا قد يكون تصورا خاطئا إذ ليس العبرة في التنفيذ (اتخاذ القرار) وإنما في صنع القرار بما يتضمن سن التشريعات والأنظمة والسياسات. ولذا يمكن القول في ظل عدم وجود هيئات إدارية محلية في المدن والقرى السعودية مسئولة مسئولية مباشرة عن صنع القرار محليا وتتمتع بالاستقلال المالي والإداري، إن هناك غيابا للإدارة المحلية فيما عدا التجربة الناجحة المتمثلة في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، التي تصلح بلا شك أن تكون نواة لنظام إداري محلي يرتكز على وضع الاستراتيجيات المحلية وتحديد الرؤية المستقبلية وينسق الجهود بين جميع القطاعات في المدينة. إن الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض، التي هي من بنات أفكار سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض والتي مضى على تأسيسها ما قارب أربعة عقود تعد بحق دليلا واضحا وشاهدا حيا على أهمية وجود هيئة محلية ترعى شئون سكان المدينة وتتصدى للتحدي الأكبر في إدارة المدن وهو تداخل الموضوعات والقضايا المحلية واختلاط المصالح وتعدد الأطراف في عملية صنع القرار المحلي. إن الهيئة تعبر وبشكل واضح عن بعد نظر وإدراك ووعي سموه لما تتطلبه الإدارة المحلية من تنسيق للجهود وتوحيد للهدف ووضع إستراتيجية تقيس الإنجاز وتكون مرشدا وموجها لجميع القطاعات. ولذا وبناء على النجاحات التي حققها سموه على مدى ما يقارب خمسة عقود في الإدارة المحلية وإسهاماته العملية ومبادراته الشجاعة وأفكاره المتجددة فقد استحق عن جدارة أن يلقب من قبل المهتمين والمختصين برائد الإدارة المحلية.
تجربة الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض كمرجعية للعمل المحلي وأساس للانطلاق إلى مستويات أعلى من النضج الإداري المحلي تشير بكل وضوح إلى أننا لا نستطيع بأي حال من الأحوال الاستمرار في النهج ذاته من التشرذم الإداري والاعتماد على فروع الوزارات في إدارة المدن. إن مفهوم إدارة المدن أو الإدارة المحلية تقتضي رؤية جديدة وتصورا مختلفا عما كان عليه سابقا، فهناك معطيات ومستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية تتطلب التعاطي معها بأسلوب إداري جديد. فتزايد عدد سكان المدن وظهور مشاكل اقتصادية واجتماعية لم نعهدها في السابق مثل الإرهاب والسطو المسلح والفقر والبطالة وهي جميعها في الأساس مشاكل محلية يتطلبان حلولا ومعالجات محلية، وهذا لن يتأتى إلا بوجود هيئة محلية معنية بالشأن المحلي تمثل الرأي العام المحلي وتستجيب لمطالب السكان. وحتى ذلك لم يعد يكفي لإدارة المدن إدارة فاعلة ففي ظل العولمة والانفتاح الاقتصادي أصبحت المدن مطالبة أكثر من ذي قبل بالعمل على التنمية المحلية وتطوير الاقتصاد المحلي وتحسين أدائه والمنافسة خارج السوق الوطنية. إن مسألة الاقتصاد المحلي ومحاولة جلب الاستثمارات من داخل الوطن وخارجه مغيبة تماما وهذا لأن مفهوم المحلية يكتنفه الغموض وغير ناضج فمازال القرار المحلي متعلقا بالتنفيذ وليس بصناعته، ولذا يمكن القول إن الإدارة المحلية في الوقت الراهن هي "مركزية القرار، محلية التنفيذ". إن هذا المفهوم القاصر للمحلية وتحجيمه بتقديم الخدمات المحلية دون مشاركة من السكان في عملية صنع القرار خاصة فيما يتعلق بمستقبل مدينتهم وكيف يريدون أن تكون عليه في المستقبل عمرانيا واقتصاديا، يحول المدن إلى مستقرات عمرانية بدلا من أن تكون وحدات سياسية واقتصادية فاعلة تتنافس فيما بينها يكون فيها السكان مسئولين عن مدنهم تتجسد فيها المصلحة المحلية والرؤية المشتركة والوعي الجماعي بدلا من حال اللامبالاة والتراخي وفقدان الحس المحلي وعدم الترابط وعدم امتلاك المكان لتكون المدينة خارج الذات. إن المحلية تعني أن المدينة ذات قيمة اجتماعية تتعدى كونها مكانا للعمل والسكن فقط. هذا الشعور بالمحلية والاهتمام بأمر المجتمع المحلي هما المحفز نحو تهيئة المدينة لتكون مكانا أكثر جاذبية للعمل والسكن والعيش. انه الانتماء إلى المكان عبر إجراءات قانونية تمكن السكان من إدراكه والتعبير عنه. إن واقع إدارة المدن يعتمد على الاتصال باتجاه واحد دون أن يكون لسكان المدن الخيرة من أمرهم، ما يؤدي إلى السلبية واللا مسئولية تجاه المدينة، بل إن مسائل مهمة وخطيرة لا تتضح ولا يدركها أحد مثل النمو الحضري وتوسع المدن إلى ما لا نهاية وترهلها والازدحام المروري، الذي بلغ حدا قد تتوقف فيه المدن عن الحركة أو تكاد. إن هذا الوضع نتيجة غياب مفهوم المحلية وعدم وجود آليات تحدد المصلحة المحلية وتستشف الرأي العام المحلي. إن عدم مشاركة السكان المحليين في صناعة القرارات المحلية التي تؤثر في حياتهم ومجتمعاتهم بشكل مباشر أو غير مباشر يجعل المقارنة بين التكاليف والمنافع للقرارات والسياسات المحلية غير واضحة بل غير واردة وبالتالي لا يتم استكشاف الخيارات والبدائل المتاحة. إن القرار المحلي ليس قرارا فنيا إداريا بحتا وإنما له جانب اجتماعي يتعلق بتفضيل السكان المحليين ليس فقط لنوعية وكمية الخدمات ولكن لحجم التنمية الاقتصادية ونوعها. ولذا فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن الإدارة المحلية تعني تقديم الخدمات العامة وحسب. الإدارة المحلية في جوهرها تعني التفاعل بين سكان المدينة وخلق شعور بالانتماء المحلي ومجتمع يلتف حول مصالحة المشتركة التي لا يتم تحقيقها إلا بالتعاون الجماعي والنظرة المشتركة. إنها الهوية المحلية، منطلق العمل الجماعي والأرضية التي يبنى عليها حاضر ومستقبل المدينة. هذا الإحساس بالمحلية هو المحفز لسكان المدن نحو المساهمة في التنمية المحلية والحرص على مصلحة المجتمع المحلي. قد يكون الإحساس بالانتماء وحب المكان على المستوى العاطفي موجودا في قلوب السكان وضمائرهم، لكن ما يراد هنا هو الانتماء القانوني والإجراءات النظامية التي تمنح السكان الفرصة لرؤية المدينة كنطاق جغرافي قانوني يجسد المصلحة المشتركة ويوثق العلاقة بين الإنسان والمكان. إن المحلية من خلال هذا الإطار تكون أكثر إيجابية وإسهاما في التنمية الوطنية، إذ إن الاستقلال المالي والإداري من خلال هيئة محلية ترعى شئون المجتمع المحلي يجعلها مسئولة عن القرار المحلي وبالتالي يدفع نحو المنافسة والبحث عن حلول وأوضاع أفضل. إن التمايز والتفاضل بين المحليات مدعاة للتكامل والتعاون، فالتخصصية الاقتصادية لكل مدينة اعتمادا على القاعدة الاقتصادية والثقافة الإنتاجية التي تميز كل واحدة عن الأخرى تجعل الاقتصاد الوطني أكثر كفاءة وفاعلية. وفي ظل العولمة واشتداد المنافسة العالمية وانفتاح الاقتصاديات الوطنية وتشابك المصالح يكون التوجه نحو اللامركزية أمرا حتميا لمواجهة هذه التحديات، التي تتطلب سرعة الاستجابة وقرارات حاسمة وفاعلة. وإذا لم تكن المدن على قدر من النضج والإيجابية والمبادرة ومهيأة إداريا لتطوير اقتصادياتها وتنمية صادراتها - لانعدام مفهوم المحلية وغياب السياسات والاستراتيجيات الاقتصادية المحلية - فلن تستطيع المنافسة وستظل عبئا على الحكومة المركزية تأخذ ولا تعطي دون أدنى مسئولية! لقد حان الوقت في أن نستوعب مفهوم المحلية وأهميته في الضبط الاجتماعي والتنمية الاقتصادية وأن نزيل المخاوف الوهمية حول المحلية والنظر إليها كحل لكثير من المشاكل الحالية والمستقبلية.
