في كثير من الأحيان نسمع بعض القصص والأحداث ونكاد لا نصدقها، ولكن عندما تسمع هذه القصص من أصحابها تكون أقرب إلى الحقيقة، والمشكلة في عدم التصديق ليست محصورة في صاحب القصة، بل في وقائعها التي لا تتفق مع المنطق ولا المبدأ ولا أي نظام أو عرف كما لا يمكن أن يتم تبريرها. أحد الأقارب كان يمشي بسيارته مع زوجته وأبنائه في شارع رئيسي في جدة فقام بعض الشباب بالاصطدام به فانحرفت سيارته واصطدمت بعمود إنارة ليحميها من الانقلاب وخرج سائق السيارة من الزجاج الجانبي من شدة الاصطدام، ومن لطف الله أنه بقي بوعيه ولم يصب أحد من أفراد عائلته. وفي المقابل، فإن الشباب الذين قاموا بالاصطدام به وحتى يبعدوا عن أنفسهم اللوم على الرغم من وضوح خطئهم ألقوا بأنفسهم في منتصف الطريق وطلبوا إحضار الهلال الأحمر وعندما حضر المرور واطلع على الحادث وأكد خطأ الشباب طلب من سائق سيارة العائلة مرافقتهم إلى مركز المرور ثم أفاده بضرورة حجزه إلى أن يتم إنهاء الإسعافات الأولية للمصابين الذين اعتدوا عليه والاطمئنان على سلامتهم. أحد الجيران في حي مجاور في جدة أفاد بأن لصاً تسلل إلى منزله ليلاً وعندما أحس أهل البيت به واكتشفوا أمره قفز اللص من فوق السور وسقط على الأرض مغشياً عليه، وعندما جاءت الشرطة قاموا بحجز صاحب المنزل بتهمة الاعتداء على اللص وأبقوه في الحبس حتى يتم الاطمئنان على صحة اللص، وقد جسد مسلسل طاش ما طاش في إحدى حلقاته هذه الواقعة، وهي تؤكد أن هذا الأمر مفهوم ونظام شائع ومنتشر.
وفي حادثة ثالثة أعرف ضحيتها جيداً أفاد بأنه أثناء قيام إحدى الجهات الأمنية بإجراء تفتيش في أحد الطرق فإذا بأحد المقيمين غير النظاميين يقفز من شباك الحافلة ويلقي بنفسه في الشارع الرئيسي، والذي صادف مروره مما أدى إلى الاصطدام به ونقله إلى المستشفى، فحجز سائق السيارة التي قفز عليها ذلك الرجل من الحافلة لعدة أسابيع حتى يتم الاطمئنان على صحة هذا المخالف لأنظمة الإقامة.
والقصص في هذا المجال كثيرة جداً لا تحصى، وأكثر ما يتم التركيز عليه أثناء تقييم هذه الحوادث هو ما يقع من ضرر على الشخص، بغض النظر هل هو اللص أم الضحية، فوجود كسور في أحد الطرفين حتى لو كانت في أصبع من الأصابع قد يسهم في إبقاء الطرف الآخر فترات طويلة في الحبس، ولو كان الطرف الثاني قد تلقى طعنات ولكن لم يكسر له ضلع، مما جعل أحدهم يوصي الذين يتورطون في مشاجرات عليهم الحرص على البُعد عن ضرب خصومهم ضربات قد تؤدي إلى كسور.
ومن المحزن أن بعض هذه الأنظمة غير المنطقية، التي قد يتخذها بعض اللصوص حجة وينتهزونها كفرصة للمضي قدما في تنفيذ جرائمهم، لم يقم أحد حتى الآن بتعديلها أو على أقل تقدير إعادة النظر فيها، وهناك المئات من المسجونين اليوم في كثير من السجون هم ضحية لمثل هذه الأحكام الجائرة التي تحمي اللصوص وتدافع عنهم وتحرص على سلامتهم.
إننا في حاجة ماسة إلى أن نعيد النظر في العديد من الأنظمة والقوانين الموجودة اليوم، ليس فقط في إطار الجريمة، بل وفي مجالات أخرى مختلفة يؤكد المجتمع أنها غير منطقية وغير واقعية وهي خاطئة، إلا أنها مع ذلك باقية ولم تعدل. إن حكومتنا الرشيدة حريصة كل الحرص على أن يستتب الأمن وينتشر العدل ويأمن المواطن، وهي تعمل ليل نهار في سبيل رفاهية هذا المواطن، وفي سبيل توفير سبل الحياة السعيدة له وتنفق من أجل ذلك مليارات الريالات، ومع ذلك فإن هناك العديد من الإدارات الحكومية توجد لديها بعض الأنظمة التي تضر بهذا المواطن، بل أحياناً تظلمه والجميع يلاحظ هذا الأمر الذي قد لا يحتاج تعديل معظم هذه الأنظمة إلا إلى كلمة واحدة مسموعة أو مكتوبة ولكن يتردد الكثير من المسؤولين في إصلاح الأنظمة خشية تغيير النظام الموجود، علماً بأنه قد يكون نظاماً يضر الشريف ويحمي المجرم.
