لا شك أن صدور موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز على طلب وزارة الصحة باستحداث برنامج بمسمى "برنامج خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز للبعثات الصحية" الذي سيتم بموجبه ابتعاث ألف طبيب وفني في مجالات الطب والعلوم الصحية التطبيقية خطوة في الإطار الصحيح لرفع مستوى الخدمات الصحية المقدمة عبر مستشفيات وزارة الصحة. فوجود كادر طبي وفني مؤهلين تأهيلا عاليا سيرفع حتما مستوى الخدمة المقدمة للمرضى. فتأهيل الموارد البشرية خصوصا العاملة في المجال الصحي مكلف جدا لكنه أحد أهم العوامل لرفع كفاءة الخدمات الصحية. فالمبتعث قد يكلف الدولة أكثر من المليون ريال لذا فإنه يجب التأكد من أن الفائدة المرجوة من المبتعث توازي، إن لم يكن أعلى من تكاليف المبتعث المادية. ما أريد أن أؤكد عليه أنه إذا كان شراء جهاز طبي يمر عبر مراحل متعددة، فتحديد تخصصات الابتعاث وخطوات اختيار المبتعثين من باب أولى. فمثلا خطوات شراء جهاز طبي تمر بخطوات متعددة، ابتداء بتحديد الاحتياجات الصحية ومن ثم تحديد أولوية شراء الأجهزة الطبية إلى التأكد من عدالة طرح المناقصة، ومن ثم التأكد من التزام المورد بالمواصفات الفنية وغيرها من الخطوات التي تحقق شراء الجهاز الأكثر احتياجا ومن ثم التأكد من شرائه وفق المنافسة العادلة مع الموردين. فشراء جهاز طبي يمر بمراحل متعددة للتأكد من استثمار المال المخصص لشراء الأجهزة الطبية يحقق عدالة المنافسة وشراء الأجهزة الأكثر أهمية.
لا شك أن البعثات أكثر تعقيدا وأهمية من شراء جهاز طبي لكون البعثة أعلى تكلفة، كما أن انعكاسها طويل الأمد خلافا للجهاز الطبي الذي تتوقع منه فائدة قد لا تتجاوز السنوات العشر. ومن هنا فإن دور وزارة الصحة دور كبير وحيوي في كيفية استثمار بعثاتها بشكل كبير. لذا فيظل السؤال الحيوي في كيفية الاستفادة من ألف بعثة؟ وهل ستخصص البعثات لتلبي احتياجات وزارة الصحة الداعية لتخصيص الخدمات الصحية؟
لا شك أن مستشفيات وزارة الصحة تخدم شريحة كبيرة تتطلب رعاية صحية أولية ومتوسطة بشكل كبير. لذا فإن البعثات عليها التركيز على التخصصات التي تخدم الشريحة الأكبر من المرضى. فمثلا يجب أن يتركز العدد الأكبر من البعثات على الاحتياجات الصحية التي تلبي احتياج الشريحة الأكبر من المجتمع كطب الأسرة والمجتمع والأطفال والطوارئ وغيرها. فلعل هذه البعثات أن تسهم في إعادة الثقة بمستوى الخدمة المقدمة من قبل مراكز الرعاية الأولية بحيث تكون مراكز لتقديم خدمات استشارية وتخصصية شاملة. فالمأمول من مراكز الرعاية الأولية أن تقدم رعاية صحية عبر مجموعة من الأطباء المتخصصين في طب الأسرة والمجتمع والأطفال وغيرها من التخصصات التي يحتاج إليها الحي وهو ما تفتقده مراكز الرعاية الأولية حاليا. فمثلا ووفق إحدى الإحصائيات فإن نسبة السكري في السعودية بين أعمار 30 -70 سنة وصلت إلى 23 في المائة. كما أن هناك 15 في المائة لديهم القابلية لأن يصبح لديهم مرض السكري خلال سنة أو سنتين. أما ارتفاع ضغط الدم فقد بلغت نسبته في حدود 25 في المائة. لعل أمراض الضغط والسكري من الهموم الصحية التي تعانيها الأسر السعودية لكننا لا نجد مراكز الرعاية الأولية تساعد في كيفية التعامل معها. فلا يوجد في مراكز الرعاية الأولية الطبيب القادر على التعامل مع هذه الأمراض خصوصا أنها أمراض مزمنة تتطلب المتابعة المستمرة. كما أن تغلل مرضى السكري والضغط داخل المجتمع السعودي يفرض علينا ضرورة توفير الأطباء المختصين القادرين على التوجيه والمتابعة لهذه الشريحة.
فللأسف الشديد إننا قد نرضي غرور بعض الأطباء للحصول على تخصصات دقيقة لا تخدم الشريحة الأكبر من المرضى خصوصا أن معظم مستشفيات وزارة الصحة مستشفيات عامة وليست تخصصية. لذا فلعل هذه البعثات أن تسهم في تقليص النقص الحاصل فعلا في مراكز الرعاية الأولية. كما أن على وزارة الصحة زيادة الحوافز المادية لتشجيع طلبة الطب ليكونوا نواة مستقبلية لأطباء مراكزها الأولية. فمن الطبيعي أن يكون حلم خريج كلية الطب أن يتخصص في تخصصات عليها طلب في القطاع الخاص ويبعد عن التخصصات غير المطلوبة في القطاع الخاص. لذا فإن على وزارة الصحة المبادر برفع مرتبات التخصصات الطبية المطلوبة في مستشفياتها ومراكزها الصحية وغير المرغوبة لخريجي كلية الطب. فوزارة التربية والتعليم لديها تجربة ثرية في دعم التخصصات التي لم يكن الإقبال عليها من قبل طلبة كلية التربية كتخصص ذوي الاحتياجات الخاص. فوزارة التربية والتعليم بادرت بزيادة مرتبات خريجي التربية الخاصة مما أدى إلى زيادة الإقبال على هذا التخصص. لذا فوزارة الصحة يمكنها دعم التخصصات التي يحتاج إليها المجتمع بشكل أكبر بزيادة الحوافز المادية لتلك التخصصات وتكثيف الابتعاث لها.
كما أ ن البعثات يجب أن يخصص جزء منها لتلبية احتياجات مستشفيات وزارة الصحة لتخصصات فنية متعددة وتمريضية. فتكامل الخدمة وجودتها ليسا محصورين في تأهيل الطبيب الماهر بل في وجود فريق طبي متكامل من ممرضين وفنيين وإداريين وأطباء.
إننا نخشى أن يكون تخصص هذه البعثات وفقاً للرغبات الشخصية مما يؤدي إلى تضخم في عدد الاستشاريين مستقبلا في أقسام على حساب أقسام أخرى. فوضع الخطط المستقبلية وتوقعات مدروسة لكل مبتعث وكل تخصص أساس ومفتاح نجاح الاستفادة الحقيقية من مبتعثي وزارة الصحة. فعدم التخطيط هو التخطيط الفعلي لفشل الابتعاث.
