هل يتحول السؤال في المدن السعودية إلى أين تذهب هذا العيد؟ إلى أين ستذهب هذا المساء؟ حتى يكون الترفيه على مدار أيام السنة بدلا من احتكاره على أيام العيد! لقد شجع حسن التنظيم وتعدد المناشط والأفكار الجديدة التي حظي بها عيد الفطر المبارك في العاصمة الرياض على رفع سقف التوقعات وإمكانية أن تكون المدن السعودية أكثر جاذبية للسياح وأكثر متعة لعيش سكانها وأكثر حراكا اجتماعيا وثقافيا بدلا من أن تكون فقط مراكز اقتصادية للاستثمار والعمل. المدن أكثر من مكان للسكن والعمل إنها مكان للعيش والراحة والاستجمام والفرح وقضاء وقت ممتع بالترفيه البريء. الفكرة هنا، أن المتعة والترفيه احتياج إنساني ومطلب ضروري وأن معظم أنشطة الترفية هي في الأصل جماعية إذ إن الإنسان يأنس بالآخرين ويضفي اجتماع الناس بعضهم بعضا الفرح والأنس والمتعة والفائدة. من هنا كانت المطالبة بأنشطة ترفيهية جماعية، مثل الحدائق والمتنزهات المهيأة بملاعب لممارسة الألعاب الرياضية الجماعية مثل كرة القدم والسلة والطائرة، وكذلك إنشاء مسارح تعرض فيها المسرحيات الاجتماعية الهادفة بدلا من ترك الأبناء والبنات وحدهم يشاهدون ما تعرضه القنوات الفضائية من أفلام ومسلسلات بعضها لا يتناسب مع الذوق العام ولا الأخلاق والقيم الاجتماعية.
إن الدعوة إلى إيجاد مسارح تحت رقابة اجتماعية هي أحد الحلول المهمة للترفيه وانتشال الأبناء والبنات من براثن بعض القنوات الفضائية وإكسابهم مهارات الاختلاط والتحدث إلى الآخرين بدلا من طوق العزلة الذي يفرضه الشباب والشابات حول أنفسهم وحصر علاقاتهم داخل دائرة ضيقة من الأصدقاء والمعارف. إن هذه الأنشطة الجماعية تؤدي إلى رفع مستوى الوعي الاجتماعي وإدراك المصلحة العامة والمشترك بين الناس والتعامل مع الأمور من هذا المنطلق. لقد ألقت الخصوصية بأطنابها في المجتمع حتى أصبح لدينا سلوك خاص وسلوك عام يصلان إلى حد التناقض! كل ذلك بسبب الخوف من الخروج عن المألوف أو أن يوصم الشخص بأوصاف تخرجه من الصورة النمطية للمواطن الصالح! إلا أن هناك ضرورة في أن نرفع رؤوسنا من الرمال وأن نفتح عقولنا وقلوبنا وعيوننا ونرى الأمور على حقيقتها ونعلم أن العالم من حولنا يتغير وإنه من الواجب البحث عن وسائل وأساليب جديدة تحفظ لنا توازننا الاجتماعي وتعزز قيمنا الاجتماعية، فما كان مقبولا من قبل لم يعد كذلك فالأبواب أصبحت مشرعة على مصراعيها في تواصل ثقافي مفتوح مع المجتمعات الأخرى، ولم يعد في الإمكان الاعتقاد بأننا بمنأى عما يدور في العالم من أحداث ومستجدات. إنها دعوة إلى إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب بوعي وإدراك للمقاصد الرئيسة بدلا من حال التقوقع والانكفاء على الذات ومن ثم الغرق في طوفان الثقافات المقبلة من كل مكان حتى تضمحل ثقافتنا وتتلاشى هويتنا من دون أن نعلم. إن أفضل طريقة لإدارة التغيير هي إحداثه والمبادرة إلى تطوير أساليب جديدة تضمن أن يكون التغيير في الاتجاه الذي نرغبه. المحاولات الحالية في انتهاج أسلوب المنع والتصدي لكل جديد هي من قبيل العبث كمن يحاول أن يحجب الشمس بكفة! ما نحتاج إليه هو تطويع هذه المبتكرات والقيم المقبلة من الخارج إلى ما يسهم في إحداث التغيرات المرغوبة وفي الاتجاه الذي نريده. قد يكون الشريط الإسلامي والمواقع الإلكترونية الإسلامية ومحطات التلفزة الإسلامية أمثلة جيدة لاستخدام التقنية فيما ينفع الناس، لكن ما يلزم هنا هو تطبيق أساليب ثقافية جديدة وأنماط سلوك جماعية وتواصل بين الناس في أنشطة عامة مثل المسرح الذي يمكن تطويعه لزرع قيم التعايش واحترام الآخرين والوقت والعمل والقانون. وهذه القيم مطلوبة في مجتمع أصبح أكثر تعقيدا وتحضرا وتشابكا وتداخلا بين المصالح واحتكاكا بين سكان المدن نظرا لزيادة كثافتهم. إن إحداث تغيير اجتماعي في القيم والسلوك يتطلب إعادة تثقيف جماعي من خلال أنشطة ومناسبات اجتماعية مشتركة. هناك الكثيرون ممن يخشون التغيير، يخطئون الحسابات وتقدير الأمور بقدرها ويعجزون عن قراءة الأحداث وتصور المستقبل ويظنون أن الوقوف ساكنين جامدين راكدين متحاشين مواجهة التحديات والمستجدات سيحمينا من التغيرات. لقد فات على أولئك الذين يدعون إلى الجمود ومحاربة كل جديد إدراك حقيقة أن التغيير مسألة حتمية لكن السؤال في أي اتجاه وبأي سرعة؟! إن المجتمع مثل أي كائن حي يتأثر بما يدور من حوله من أحداث ومستجدات، فحتى لو ظللنا ثابتين فإن التغييرات الخارجية ستطال المنظومة الاجتماعية في جوهرها وستؤدي إن لم يكن إلى تغيرات جذرية في القيم والعادات والنسق الثقافي فإنها حتما ستبدل بعضها وتضفي معاني جديدة للبعض الآخر دونما إرادة منا. وما على القارئ الكريم إلا استكشاف ذلك من خلال ملاحظة بعض الظواهر السلوكية المستهجنة والتصرفات التي لم نعهدها من قبل في المجتمع ونمط استهلاك غريب في المأكل والملبس وتعقيد في العلاقات بين الناس واضمحلال للهوية الثقافية المحلية. إنه اختلال في التوازن الاجتماعي بسبب التغييرات التي تغلغلت من دون إرادة منا ومن حيث لا ندري! فقلبت الموازين ولم نستطع السيطرة عليها والتحكم بها وإدارتها، وهكذا تحول المجتمع إلى التطرف والمغالاة فمن التفريط والمناشدة بالتخلي عن ثقافتنا وهويتنا واستبدالها بأخرى إلى الإفراط تزمتا ومغالاة والخروج عن الوسطية السمحة. هكذا إذا تكون النتيجة عندما نغمض أعيننا ونغلق عقولنا ونتوقف عن محاولة التفكير في التحول والتغيير وتطويع التغيرات المقبلة لصالح ثقافتنا وداخل إطارها الواسع بنظرة فاحصة نقدية لما يصلح وما لا يصلح، بدلا من التضييق والرفض أو القبول والتسليم دون تمحيص. إن مشكلتنا الرئيسة هو عدم تمكن البعض من إدراك حجم التغيرات وتسارعها والتمسك بالمألوف فقط لأنه اعتاد عليه أو لتكون ثقافة فئوية تجعل المنتمين إليها يتحوصلون وينكفئون داخلها لتكون الحقيقة محصورة داخل إطارها وتدور في فلكها الضيق اعتقادا أن هذا حماية للمجتمع وتصد للتحديات. لا شك أن هناك ثوابت لا يمكن التخلي عنها بل هي جوهر هويتنا وكينونتنا، ولكن هناك مساحة كبيرة تستوعب التغيير والتطوير من أجل المصلحة العامة وقوة الأمة ومنعتها. إن المسألة تتعلق بتحديد كمية ونوع واتجاه التغيير وليس "تغيير أو لا تغيير". هذا هو بيت القصيد في أن نسعى للتغيير وأن هذا المسعى يستوعب الجميع لأن القضايا الاجتماعية يتداخل بها عدة أطراف ومن قطاعات وفئات مختلفة بالمجتمع. وللتوصل إلى حلول ومعالجات لمشاكلنا الاجتماعية يجب أن يفتح الحوار والنقاش بشفافية وحرية وبضمان حق الجميع بطرح أفكارهم وتصوراتهم دون قيد أو شرط. هذا لا يعني التسليم بجميع الآراء أو الموافقة عليها وإنما إتاحة فرص متساوية للطروحات وإبداء وجهات النظر المختلفة والاستفادة من الأفكار أو جزء منها. هكذا ينفتح الجميع بعضهم على بعض ويفهم ويتفهم كل طرف رؤية الآخر من دون تشنج ومن دون أحكام مسبقة ليصل الجميع إلى صيغة توافقية تحقق المصلحة العامة وتدفع نحو إسهام الجميع في البناء والتطوير وخلق إحساس بالانتماء وعدم التهميش وجعل الجميع على دراية من الأمر.
إن ما شاهدناه من نشاط ترويحي كبير لعيد الفطر في العاصمة الرياض يصلح أن يكون أنموذجا لباقي المدن السعودية في توسيع مفهوم الترويح بدلا من اكتفاء معظمها بإنارة الشوارع والألعاب النارية وحسب، بل إن هناك ضرورة لاستمرار هذه الأنشطة الترويحية بهذا التنوع غير المألوف على مدار السنة. فبالإضافة إلى كونها عامل جذب للسياحة الداخلية فإنها تشكل عنصرا مهما في الترويح عن السكان في ظل تنامي الضغوط اليومية. إن غياب الأنشطة والأماكن الترويحية يجعل الكثيرين من سكان المدن يبحثون من عند أنفسهم وباجتهادات شخصية في ابتكار وسائل للترفيه خاصة ومنعزلة مثل الاستراحات الخاصة أو المطاعم أو الاجتماع بالمجالس الأسبوعية وهذه تعزز التجمعات المشبوهة وتخفي بعضها من وراء جدرانها ما لا تحمد عقباه. لذا كانت التجمعات المفتوحة مثل المسرح والسينما وتفعيل أنشطة ترفيهية في مراكز التسوق على سبيل المثال أمرا محمودا يشجع على الانفتاح والتخلي عن الازدواجية بين السلوك الخاص والعام. التساؤل إذا، هل نتحول من الترفية الخفي إلى الترفية الظاهر، وهل سنستوعب أن بعض التغييرات قد تكون في ظاهرها مختلفة عن المألوف إلا إنها في جوهرها تتفق معه وتحقق مقاصده وعلاج لبعض المشكلات الاجتماعية. وهل سنستمر في محاربة كل جديد بسبب أنه تحد للمألوف؟ وهل سيأتي اليوم الذي نحاسب فيه على التفريط في فرصة التطوير والارتقاء بالمجتمع؟ أترك الإجابة للقارئ الكريم.
