العيد كمناسبة احتفالية خاصة يتفق مع غيره من المناسبات المختلفة حول العالم، التي تشابه العيد في مكانته لدينا ولكن في أوقات وعادات مختلفة تبعاً للمحتفل بالمناسبة. ونظراً لكون النشاط الاقتصادي والتجاري محكوما بقوى العرض والطلب، فإن تغيرات أنماط الطلب في المناسبات المختلفة بما فيها شهر رمضان والأعياد تحتم التغير في أنماط العرض وتوفير المنتجات والخدمات التي تعود بالمنفعة لقطاع الأعمال والمستهلك إن لم يوجد سلوك احتكاري يؤدي إلى استغلال ارتفاع الطلب في هذه الفترات.
وعلى الرغم من عدم تساوي الاستفادة من المناسبات الاحتفالية بين مختلف الجهات إلا أن أكبر المستفيدين في هذه المناسبات كالأعياد هم تجار التجزئة والخدمات النهائية للمستهلك كالمطاعم وغيرها، حيث إن حجم الطلب الكلي على سلع التجزئة من ملابس ومواد غذائية أو خدمات ترفيه ومطاعم وفنادق وغيرها يرتفع ارتفاعاً كبيراً يتناسب تناسباً طردياً مع مكانة المناسبة لدى الأفراد.
أما الجهات الأخرى، فيتفاوت مدى تأثير المناسبات في عملياتها التشغيلية ونشاطاتها تبعاً لعلاقتها بالمناسبة. فعلى سبيل المثال، ربما تتباطأ وتيرة إقراض البنوك للأفراد أو نشاطات الطرح العام الأولي في شهر رمضان أو في عيد الفطر، إلا أن ذلك ليس نتيجة انشغال البنوك بالعمل الخيري والاجتماعي بل لكون هكذا منتجات ونشاطات لن تجد الإقبال المتوقع في شهر رمضان أو في فترة الأعياد، ولو وجدت الإقبال لقامت البنوك بتقديمها دون تردد.
لذلك، فإن أرباح البنوك التجارية في هذه الفترة تبتعد قليلاً عن المصدر التقليدي ممثلاً في مجموعة خدمات الشركات إلى خدمات التجزئة التي لم يتم لحد الآن إيلاء أركانها الرئيسية كإقراض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وقروض الرهن العقاري وغيرها الاهتمام الذي تستحقه الذي يساند أهداف الاقتصاد الوطني النهائية. بل على النقيض من ذلك، ترتكز أرباح البنوك التجارية في أوقات المناسبات كالأعياد على عوائد التحصيل والرسوم المختلفة التي تشمل عمولات بطاقات الائتمان، عمولات استخدام نقاط البيع، عمولات تحويل العملات، عمولات استخراج بدل ما يفقد في العيد من بطاقات (مع الشك في قانونية هذا التصرف الأخير وتوافقه مع السلوك الأمثل للمصارف عالمياً)، وغير ذلك من رسوم التجارة الإلكترونية التي تتنامى تبعاً للتطور التقني والتحول في أنساق السلوك الاستهلاكي لعموم المتعاملين.
وبعد تبيين أن أكبر مستفيد من اقتصاد المناسبات هو قطاع تجارة التجزئة، من المهم التأكيد أن فترة استفادة قطاع التجزئة في موسم معين ربما تكون تعويضاً للركود الحاصل في فترات ممتدة طوال العام، بما يؤدي إلى أن يتم حساب متوسط الأرباح والخسائر بالاستناد إلى أرباح مواسم المناسبات لتقوم بموازنة خسائر المواسم الأخرى والتعويض عن فترات الركود والتراجع.
وبمعرفة مدى استفادة قطاع التجزئة من المناسبات بناء على ما سبق، من المهم تأكيد أن استفادة الوحدات المختلفة في قطاع التجزئة والمستهلكين عموماً تتفاوت تبعاً لهيكل المنافسة واستراتيجيات التسويق لسلعة معينة أو خدمة محددة. فعلى سبيل المثال، بفرض احتكار قطاع الحلويات من قبل منتج واحد أو قلة من المنتجين، فإن أسعار بيع التجزئة للمستهلكين سترتفع إذا تفوق العرض على الطلب عموماً، أما في بيئة تنافسية كاملة، فحتى مع ارتفاع الطلب، سيتنافس المنتجون ومقدمو الخدمات على توفير الأفضل للمستهلك بما يضمن رفع حصتهم السوقية. وكمثال آخر، فإن وجود وكيل وحيد حصري لكل أقمشة الثياب في السوق السعودية سيؤدي دون أدنى شك إلى خسارة المستهلك النهائي والإضرار بمكونات سلته الاستهلاكية، أما توافر عدد كبير من وكلاء الأقمشة فسيؤدي تلقائياً إلى أسعار تحددها قوى العرض والطلب في فترة المناسبة وأسعار أخرى تحددها قوى العرض والطلب في أوقات أخرى.
وختاماً، فإن استراتيجيات تجار التجزئة تختلف من سوق إلى أخرى تبعاً لخصائص المستهلكين ومواسمهم الاحتفالية، حيث إن أكبر تخفيضات في محال التجزئة في الولايات المتحدة تأخذ مكاناً في الأسابيع التي تسبق عيد الشكر وأعياد الميلاد نظراً للهيكل التنافسي ومرونة الطلب اللذين يحتمان الإسراع في كسب المتسوقين قبل أن يظفر بهم المنافس. وفي بلدان أخرى تبدأ التخفيضات بعد انتهاء المناسبات نظراً لضعف مرونة الطلب من قبل المستهلكين على بضائع التجزئة التي تعد كمالية في معظمها ونظراً للهيكل شبه الاحتكاري الخانق الذي يتم فرضه على المواطنين من قناة الوكالات الحصرية وغياب هيئات ضمان المنافسة وكسر الاحتكار، فلنا الله، وعلينا بتأجيل التسوق للعيد بعد العيد لرفع مرونة الطلب في المناسبات إن استطعنا، وكل عام وأنتم بخير وعساكم من عواده.
* كاتب وباحث سعودي.
