الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 14 مارس 2026 | 25 رَمَضَان 1447
Logo
شركة الاتحاد التعاوني للتأمين7.04
(-4.48%) -0.33
مجموعة تداول السعودية القابضة140
(-0.28%) -0.40
الشركة التعاونية للتأمين128
(-0.23%) -0.30
شركة الخدمات التجارية العربية111.1
(0.36%) 0.40
شركة دراية المالية5.17
(-0.19%) -0.01
شركة اليمامة للحديد والصلب34.96
(-1.08%) -0.38
البنك العربي الوطني20.76
(-1.14%) -0.24
شركة موبي الصناعية11.3
(0.00%) 0.00
شركة البنى التحتية المستدامة القابضة32.54
(2.20%) 0.70
شركة إتحاد مصانع الأسلاك16.21
(-1.10%) -0.18
بنك البلاد26.24
(-2.02%) -0.54
شركة أملاك العالمية للتمويل10.23
(-1.73%) -0.18
شركة المنجم للأغذية49.16
(0.33%) 0.16
صندوق البلاد للأسهم الصينية11.68
(0.00%) 0.00
الشركة السعودية للصناعات الأساسية57.85
(0.61%) 0.35
شركة سابك للمغذيات الزراعية137.3
(1.33%) 1.80
شركة الحمادي القابضة25.94
(0.54%) 0.14
شركة الوطنية للتأمين12.35
(1.15%) 0.14
أرامكو السعودية26.86
(-1.10%) -0.30
شركة الأميانت العربية السعودية13.02
(-0.61%) -0.08
البنك الأهلي السعودي40.42
(0.05%) 0.02
شركة ينبع الوطنية للبتروكيماويات32
(0.25%) 0.08

مجرد وخزة بالكهرباء

ورا تايسون
ورا تايسون
الجمعة 1 مايو 2009 1:1

[email protected]

لم تكن زيارة السيناتور الأمريكي جون كيري إلى جامعة فلوريدا هي زيارة انتخابية، فالرجل قد جرب حظه في انتخابات الرئاسة الأمريكية السابقة حيث كان مرشح الديمقراطيين في وجه الرئيس الحالي جورج يوش وكانت حرب العراق وخوف الأمريكيين من تغيير القيادة باعتبار أن الرئيس هو القائد العام للقوات المسلحة أثناء الحرب هو الذي دفع بهم إلى الوقوف إلى جانب رئيسهم وعدم المخاطرة بانتخاب رئيس جديد ينتمي إلى الحزب الديمقراطي وهو الحزب الذي لا يبدي حماسا لمواصلة هذه الحرب التي بدأت تفقد شعبيتها حتى عند الأمريكيين، فلهذا لم يتوقع أحد لهذه الزيارة ولا لمحاضرته أي تغطية إعلامية سوى محليا لأنه ببساطة هو خارج اللعبة الانتخابية وما سيقوله وما سيصرح به هو بالتأكيد لن يخرج عن انتقاد الديمقراطيين لطريقة إدارة الرئيس بوش للحرب في العراق وهذا ليس بالجديد وهو يتردد في الأخبار وتكتب عنه الصحف والمجلات كل يوم. لقد قرأت الإعلان عن محاضرة كيري في جريدة الجامعة حيث إنني أتواجد في هذه الجامعة الرائعة لقضاء فترة نقاهة علمية، فدفعتني الرغبة للتعرف على هذا الرجل عن قرب وبشكل مباشر والاستماع لما سيقوله عن قضايانا وما يدور في العالم اليوم من أحداث ساخنة باعتباره أحد قادة مجلس الشيوخ الأمريكي والذي هو الآن بيده الكثير من القرارات المهمة. ذهبت إلى المحاضرة وأنا لا أتوقع أن أحصل على بطاقة الدخول بالرغم من أن الدخول مجانا ولكن تذاكرها كانت معروضة لمدة أسبوع وتوقعت أنها قد نفدت ولكن من حسن الصدف أنها لم تنفد وحصلت على واحدة أجلستني من بين المستمعين للسيناتور كيري. لقد كانت محاضرة جيدة وكانت غنية بتفاصيلها وتحاليلها العميقة لمواقف الرجل تجاه أزمة العراق والقضية الفلسطينية، ولكن ما حدث أثناء طرح الأسئلة هو الذي شعلل المحاضرة وأدخلها في دائرة اهتمام الأخبار والجرائد وعلى مدار أكثر من أسبوع، فأحد طلاب الجامعة لم يعجبه كلام السيناتور وأراد أن يسمعه كلام وجد فيه المنظمين للمحاضرة أنه لا يليق بتوجيهه إلى المتحدث وأنه خروج عن العرف المقبول لطرح الأسئلة، ومن هنا بدأت تتطور الأحداث وتأخذ بعدا درامتيكيا، حيث تدخل البوليس لإبعاد هذا الطالب من المايكروفون بعد أن رفض التخلي طواعية عن حقه في التحدث وقول ما يريد قوله بكل حرية لأن القانون ببساطة هو الذي يضمن له ذلك، وبعد معاندة ومدافعة مع رجال البوليس اضطر البوليس وحسب دعواه ليستخدم العصا الكهربائية للحد من ممانعته وعدم انصياعه للأوامر والخروج من القاعة، وتعددت الوخزات الكهربائية حتى أخذت منه مأخذا ولم يعد بمقدوره المقاومة وأخرج بالتالي من القاعة وسط دهشة المحاضر والحاضرين لأن الطالب كان يصرخ في وجه البوليس بألا يوخزه بعصاه الكهربائية. وبخروج الطالب انتهت تقريبا المحاضرة وغادر السيناتور ليس بالحفاوة التي استقبل بها ولتبدأ قصة الطالب وقضيته وهل أن البوليس كان محقا في استخدامه العصا الكهربائية وهل منع الطالب من التحدث هو تعد على حريته في الكلام. كل هذه الأمور كانت مدار نقاش في الصحف والأخبار ودفعت بالطلاب للتظاهر في رحاب الجامعة، ولكن هناك موضوع أو جانب من هذه القضية هو أكثر ما حظي بالاهتمام في النقاشات، هذا الجانب هو ما يطلقون عليه بالخطوات المعتمدة لتطبيق القانون، فوجود القانون شيء وكيفية تطبيق القانون شيء آخر، فمن حق البوليس أن يستخدم العصا الكهربائية وهي على الدوام في متناول يده وهي خيار متاح له في كل وقت ولكن متى وكيف يستخدم هذا الحق وهذه الصلاحية فهذا أمر له قواعد يجب على رجل البوليس أن يلتزم بها ومخالفتها تستلزم محاسبته وإنزال العقوبة به. فالقانون قد يكون من أكثر القوانين عدالة ولكن من دون قواعد معتمدة قد ينتج لنا هذا القانون ظلما إذا ما ترك أمر تطبيقه للاجتهاد الشخصي. فالعدالة لا تتحقق بوجود القانون فقط لكنها تتحقق على أرض الواقع بوجود النظام، والنظام هنا يعني وجود القانون ووجود طريقة متفق عليها لتطبيق القانون. لقد استوقفتني هذه النقطة كثيرا لأن الإنسان قادر على أن يوظف أو يحور أو يعدل من توجيه كل شيء إذا ما ترك من دون قواعد ملزمة ومتفق عليها لتطبيق القوانين وغيرها. ففي قضية هذا الطالب قد تم تشكيل عدة لجان بهدف التحقق من اتباع رجل الشرطة للقواعد المتبعة في استخدام العصا الكهربائية. فوجود القواعد والحرص على الالتزام بها هو ما يميز الحياة الأمريكية ويجعلها تسير بانتظام. ففي قضية أخرى رفض القاضي النظر في قضية معينة فقط لأن رجل الشرطة لم يخبر المدعى عليه بحقه في عدم الكلام إلا بحضور محام له وهذا الإخلال في تطبيق القانون رفع الشرعية عن اعتماد أقوال المتهم. وهناك قضية أشد غرابة وهي أن أحد رجال الشرطة وكان ضمن دورية في طريق سريع لإيقاف السيارات للتأكد من أوراقها وتفتيشها ولم تكن هناك سيارة معينة جار البحث عنها، وكان على كل رجل شرطة في الدورية أن يعتمد له طريقة لإيقاف السيارات في ذلك اليوم، كأن يوقف سيارة ويسمح لاثنتين بالمرور أو العكس وكان عندهم خيارات متعددة وعليهم أن يأخذوا بخيار واحد ويلتزموا به، فالشرطي الأبيض لا يستطيع إيقاف السود ويسمح للبيض بالمرور ولا الشرطي الأسود يستطيع أن يحابي جماعته ويتشدد مع الآخرين وينطبق هذا في الأمور الأخرى. ففي هذه القضية كان الطرف فيها شرطي أبيض أوقف رجلا أسود وكان المفروض أن يسمح له بالمرور حسب الطريقة التي اختارها هو لنفسه واعتمدتها الجهة المسؤولة وبهذا العمل أوقع الشرطي نفسه في مشكلة.

ما أريد الوصول إليه من كل هذا الكلام هو أن الحياة تنتظم وتسير بشكل انسيابي كلما استطعنا أن نضع قواعد معتمدة ومفصلة لممارساتنا العامة وعندها يكون على الموظف أو غيره الرجوع لهذه القواعد المعتمدة والعمل على تطبيقها والالتزام بها. فكلما استطعنا أن نبعد الاجتهادات الشخصية والتفسيرات الفردية من شؤوننا العامة كلما سارت الأمور على شكلها الصحيح وبالصورة المنتظمة والعادلة. ففي الكثير من الأحيان نجد أنفسنا ونحن أمام موظف لا يدري هو نفسه ما هو المطلوب منا للحصول على خدمة معينة وهنا قد يجتهد من نفسه ويكثر علينا الطلبات أو أنه يستمهلنا لمراجعة رئيسه وهذا هو ما يزيد المركزية عندنا تجذرا، وقد يكون رئيسه هو الآخر لا يعرف ما هو المطلوب، ويتغير المطلوب بتغير الموظف وقد يتغير مزاج الموظف فتتغير طلباته، وقد تتقلص هذه الطلبات إذا ما دخلت واسطة في الأمر وقد ينتفخ كيس الطلبات إذا أنت لم تعجب الموظف أو شم فيك خلفية ما قد لا تشعره بالارتياح أو قد يصل الأمر به إلى أن يعقد عليك الموضوع بالتأخير والمماطلة والمبالغة بطلبات لا علاقة لها بالموضوع وكل هذا قد يحدث وأنت لا تعرف السبب وراء ذلك ولا تستطيع أن تفعل شيئا، والأخطر هو أن يكون السبب هو أن الموظف قد صنفك في خانة البشر الذي لا يرتاح لهم أو ربما يعاديهم أو يكفرهم أو يشكك في معتقداتهم وبالتالي فأنت عنده ممن يستحق مثل هذه المعاملة وإن كان فيها ظلم ومخالفة للقانون وروحه. فالكثير من مظاهر الفوضى التي قد نجدها في مجتمعاتنا مردها إلى غياب مثل هذه القواعد والتفصيلات الملزمة لنا في ممارساتنا لأعمالنا ذات العلاقة بالشأن العام. فالموظف عنده لكل طلب أو لكل حالة معينة قواعد يرجع إليها ويلتزم بها وبالإمكان أن يريها للمراجع حتى يكون على وضوح، والمدير هو الآخر عنده من القواعد المفصلة التي ترشده في ممارسة عمله والتعامل مع مرؤوسيه من دون أن يكون هناك حاجة لأقوال مثل أنا الذي أحدد ما هو مطلوب أو أنا الذي أفهم الأمر. وبهذه القواعد نضمن عدالة المدرس وأستاذ الجامعة في تقييم طلابه وألا يخرج هذا التقييم عن الأطر التعليمية، ونضمن عدالة المدير في تعامله مع من يرأسهم. وبوجود هذه القواعد يصبح من حقنا أن نناقش رجل المرور عند المخالفة من دون أن نتهم بالتطاول عليه لأن ما سيقوم به يأتي في إطار خطوات وإجراءات معتمدة وواضحة.

فلم يكن الأمر مجرد وخزة كهرباء تعرض لها الطالب في الجامعة وهو يريد كما يعتقد ويشاركه آخرون أنه يمارس حقه في التحدث ولكن الأمر أكبر من ذلك، فهو يمس عندهم قضية في غاية الأهمية وهي اتباع القواعد المتبعة في تطبيق القانون في مثل هذه الحالة أو غيرها. هناك اليوم في أمريكا خوف كبير وقلق شديد على موضوع الحقوق المدنية في ظل ما تعطيه الإدارة الحالية من اهتمام بموضوع الحرب على الإرهاب ولكن هناك جانب من هذا الخوف يتعلق بالخروج عن الطرق المعتمدة لتطبيق القانون وهذا يعني الاقتراب من مفصل هو من أهم مفاصل الحياة الأمريكية، فالنظام وتسيير الحياة وفق تنظيم مفصل هو أحد أعمدة المجتمع الأمريكي وأي هزة هنا قد يفقد أمريكا تميزها واستقرارها. فهذه التفاصيل في تطبيق القوانين هي التي تحفظ العدل والتوازن الاجتماعي وكما يقال فإن الشيطان في التفاصيل وبالتالي فاللعب بها هو اللعب مع الشيطان وما وراء الشيطان إلا الفوضى والاضطراب والدمار والخراب، نعوذ أنفسنا وإياكم بالله من الشيطان الرجيم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية