كان وصولي للبيت متأخرا عن العادة, فارتديت ملابسي الرياضية وأخذت نفسي وحملت جوالي ونسيت نظارتي ويممت وجهي صوب الحديقة التي اعتدت أن أمشي فيها ما يقارب الساعة كل يوم تقريبا. فهذه الحديقة الجميلة والمنسقة تغري الواحد بالبقاء فيها أكثر من ساعة, هي لم تعد لي مجرد المكان الذي أمشي فيه وأمارس فيه حصتي اليومية من الرياضة ولكنها بهدوئها وانسياب ممراتها ولمعان خضرتها وزقزقة عصافيرها وتغلغل الهدوء بين جنباتها جعلت من ممشاي ليس رياضة بدنية فقط، بل رياضة روحية ونفسية أمارس فيها التفكير والتأمل وحتى الحوار الصامت والصريح مع نفسي ومع الأشجار والعصافير والنباتات التي من حولي. لم أعتد أن أرى إلا القليل من الرجال ممن يمارسون رياضة المشي في هذه الحديقة على الرغم من أنها محاطة بالبيوت وأنها وسط الحي ومن السهولة بمكان الوصول إليها, فأنا أعتبر وجودها في هذا المكان نعمة لمن يجاورها ويحظى بالمشي فيها والتمتع بمنظرها ولكن هذه الحياة, فكم وكم من النعم التي بين أيدينا ولكن لا نحس بقيمتها ولا نقدر وجودها إلا بعد أن نفقدها؟! وكنت أكتفي بسلام مختصر أو تبادل التحية معهم بالنظرات وهز الرأس ولعل السبب وراء ذلك هو أنهم هم أيضا في حالة تأمل أو شرود ذهني بعيدا عن الواقع الضاغط الذي صار أكثرنا لا يستطيع الانفكاك عنه إلا بالنوم بشرط أن يخلو من الأحلام المزعجة والكوابيس المرعبة, ولعل حاجة الإنسان اليوم إلى النوم والتي يوصي بها الأطباء هي ربما تصب في الاتجاه, فالنوم ربما أفضل من الحبوب والمهدئات للتخلص ولو قليلا من ضغط الواقع, فأحدث الدراسات الطبية أشارت إلى أن الإنسان الذي يأخذ أكثر من قيلولة واحدة في النهار هو أكثر حظا من غيره بعدم الإصابة بالسكتة القلبية ولكن الحذر أن تمتد هذه القيلولة لساعات وبالتالي تتحول من نعمة إلى نقمة. لم أكن أتوقع أنه يقصدني, حسبته وهو يترك أهله مهرولا صوبي بأنه يجري وراء كرة ركلها برجله أو أنه يركض لمجرد اللعب ولكني وجدته يمشي محاذيا لي, ابتسم لي ولم ينتظر أن أرد عليه بابتسامة مثلها حتى بادرني بالسؤال الأول "تمشي ..تسوي رياضة", اكتفيت بنعم وعاجلته بسؤال عن اسمه وعمره وفي أي صف في المدرسة, فلقد استلطفت هذا الطفل الذي تنم ملامحه عن ثقة كبيرة بنفسه, علي , تسع سنوات وفي الصف الرابع, أحسست من جوابه السريع وأجوبته المتراصة في كلماتها أنه هو الذي يريد أن يسأل, ولكني توقعت أن هذه الصحبة لن تدوم لأكثر من سؤالين أو ثلاثة لأنه بالتأكيد لن يستطيع اللحاق بي, فأنا بالتأكيد أسرع منه في المشي ولكني وجدت نفسي أمشي وهو يهرول إلى جنبي ويعيد علي سؤاله الثاني , "وشهو أنت", فقلت أنا سعودي, وأعاد السؤال فظننت أنه يريد أن يعرف من أي منطقة أنا, فقلت أنا من هنا من المنطقة الشرقية, ووجدته بعد أن هز رأسه أعاد علي السؤال مرة أخرى, فقلت له أنا أعمل في الجامعة وأدرس فيها – وإن شاء الله - تكبر وتدخل الجامعة بشرط أن تحصل على معدل مائة وخمسين في المائة لأن التسعة والتسعين في أيامنا هذه لا تكفي لدخول الطالب إلى الجامعة هذا ربما غير اختبارات القياسة والشجاعة والكياسة والتعاسة والسعادة والفراسة والنباهة والبلادة والشهامة والفهامة وغيرها مما قد تجود به قرائحهم, الكل يعرف أن سنتين دراسة عامة في الجامعة يتبين فيها مستوى الطالب الحقيقي والتخصص الذي قد يتناسب وقدراته يكفي عن كل هذه البهدلة والمعاناة التي يمر بها الطالب بعد تخرجه من الثانوية, بالطبع لم أبح بكل هذا الكلام لصديقي الصغير ولكني وجدت نفسي متألما لما ينتظره في المستقبل. ومرة أخرى أعاد علي السؤال, "وشهو أنت", أنا والحمد لله مسلم مثلك, "ولكن عادت"وشهو أنت", مرة أخرى, أنا أحب كرة القدم وعلى الرغم من أني لا أفضلها على كرة السلة إلا أنه لا تفوتني مباريات المنتخب, وصار يقول "وشهو أنت" وأنا أرد عليه بكل شيء أتوقع وما لا أتوقع أنه يريد أن يعرفه عني, أنا أحب الكبسة وأفضل السمك على اللحم والدجاج وأموت في الروبيان ولا أطيق الأكل في المطاعم لكثرة ما سمعته عن قذارتها وعدم التزام النظافة فيها. خشيت أن يمتد الأمر ويسألني في أي مسجد أصلي ولأي خطيب أستمع وعن أي محدث أنقل وأي محطة فضائية أحب أن أشاهد وأي الدول أحب السفر إليها وعن أي الموضوعات أحب أن أقرأ وأي جريدة أفضل. بل خشيت أن يصل به الأمر ويسألني عن رأيي في المرأة وما موقفي ومجمل رأيي عن خروجها للعمل وما أراه عمّا يقال عن حقوقها وتسلط الرجل عليها وهل أرى أو أؤيد مطالبتها بحقوقها, والخوف من أنني لا أدري ماذا سيقول عني هذا الصديق الصغير وهل سيتفق معي في بعض ما أقول أم عند الاختلاف سيتهمني بالعلمانية أو الخروج عن ثوابت الأمة والأخذ بما يقول به ويدعو إليه من غير المسلمين الذين يتربصون بالأمة ويخططون لتحطيمها والخروج بها عن مسارها الصحيح؟! أما إذا وصل الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك وأراد أن يعرف رأيي في سبب تخلف المسلمين في كل المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهل أرى بضرورة انفتاح المسلمين على غيرهم وخلق ثقافة التعايش والتواصل التي تجمع كل الأقوام على اختلاف ألوانها ولغاتها وعاداتها انطلاقا من إنسانيتهم وحفظ حقوقهم الطبيعية والمكتسبة, وماذا عن رأيي فيما يحدث في عالمنا الإسلامي من صراع واقتتال طائفي غذته ثقافة التمذهب وضيق الأفق وأنتجه لنا إعلام ورجال دين وعلماء وكتاب كلهم يتحركون في دائرة المصالح إما الخارجية وإما الخاصة ولكنها مع الأسف تغلف بعنوانين دينية وشعارات وطنية, فهل سيقبل هذا الصديق الصغير بأن الاختلاف في هذه القضايا هو شيء طبيعي لأننا أمام أمور اجتهادية يتعدد فيها الرأي بتعدد الزوايا والخلفيات التي نفهمها بها, أم أنه من النوع الذي لا يقبل إلا رأيه ولا يرى إلا ما يراه ولا يجد الحق إلا فيما يعتقده ويقول به وعندها سأكون عنده مسلما ولكن بليبرالية مخففة أو مسلما عنده ضعف في الجوانب العقدية أو أنني مسلم مغرر بي لكثرة ما أقرأ وأطلع على ثقافات الشعوب الأخرى أو أنني ببساطة مسلم سطحي لم يدخل الإيمان إلى أعماق الأعماق فيجعل مني ثوريا أو جهاديا أو إسلاميا أو مكفرا لعموم الناس أو مستنكرا عليهم حياتهم بحجة أن فيها الكثير من البدع والضلالات.
وبعد سلسلة طويلة من أنا مقرونة بكل ما أستطيع أن أعرفه عن نفسي, أخيرا وجدته يبتسم على غير ما كان يستقبل أجوبتي السابقة فأراحني ذلك ظنا مني أنني أخيرا قد وصلت إلى من أنا وبالتالي قد أجبت عن سؤاله ولكنه سرعان ما أعاد سؤاله السابق ولكن هذه المرة مع التوضيح, قصدي "وشهو أنت", من أي قبيلة أنت ومن ثم بدأ يعدد لي القبائل المعروفة والتي بعضها لم أسمع عنها في حياتي, عندها تدخلت أمه وأنهت الأمر وتركني مهرولا صوبها بعد أن عرفني من أي القبائل أتشرف بحمل اسمها وأعود بالنسب إليها.
على الرغم من استئناسي بهذا الصديق الصغير وهذه الصداقة القصيرة والسريعة إلا أن سؤاله وحواري معه قد أدخلاني في حيرة وحوار مع نفسي, فهل السؤال بحد ذاته وبطبيعة تركيبه توحيان بوجه من أوجه ثقافتنا التي نتدثر بها, وهل الجواب الذي كان ينتظره مني واضطر في الآخر أن يساعدني على تحديده هو الآخر يخرج لنا من ثقافتنا ما يشكل شخصيتنا ويحدد معالم تفكيرنا والأطر التي نصيغ بها علاقتنا مع الآخر. فلنقف مع السؤال وهو, "وشهو أنت", إنه سؤال إقصائي يفترض الغيرية ويحمل في طياته استبعادا للمشترك والمتماثل, فلعل في سؤال هذا الطفل ما يخبرنا عن أن ثقافتنا تدفع بنا للبحث عن الأنا والتي تتمثل عند الآخر المطابق والمستنسخ منا ومن شخصيتنا أكثر مما هي تبحث أو تريد أن تلتقي أو تتواصل مع الآخر المختلف والمغاير. فالسؤال يطلب مني أن أحدد من أنا قبل أن تكون هناك فرصة للدخول في حوار أو إقامة علاقة يؤطرها من البداية الجانب الإنساني. وإذا كان هذا الصديق الصغير بطفولته مباشرا في سؤاله عند الالتقاء به فإن أغلبنا يستحضر معاني هذا السؤال في ذهنه ويشكل بها نفسيته ومشاعره واستعداده في حال أن هناك آخر نود إقامة علاقة وتواصل معه. ما الذي أوجد عندنا نحن المسلمين هذا الاستقطاب المذهبي وهذا الاحتقان الطائفي وما الذي جعل رجال الدين والعلماء والمثقفين عندنا هم أكثر من العوام انكفاء على أنفسهم وأكثر من غيرهم في عدم التواصل فيما بينهم, أليست الطائفية التي نعيشها هي نتاج لدعواتهم المتكررة لتكفير الآخر أو التشكيك في إيمانه وعقائده وثوابته أو اتهامه بالفتنة أو الخروج عن الجماعة أو التآمر مع الآخر, كل هذا هو ببساطة تعبير عن أزمتنا مع الآخر المختلف. إما ماذا عن سؤاله واهتمامه بالقبيلة التي أنتمي إليها فيدلنا على كم أننا نتحرك في دوائر ضيقة ومساحات محدودة جدا في إقامة العلاقة مع الآخر, فكيف لنا أن ننقي مجتمعنا من شوائب الطائفية والمناطقية والقبلية, وكيف لنا أن ننشد المدنية والتمدن لمجتمعنا, وكيف لنا ألا نواجه مشكلات مثل المبالغة في زواج الأقارب والطلاق لعدم تكافؤ النسب ونحن نجلس على ثقافة تحمل مثل هذا المخزون وتقدم لنا مثل هذا العطاء.
يقال إن فهم السؤال هو نصف الجواب وفي بعض الأحيان يصل بنا فهم السؤال إلى معرفة كل الجواب وما وراء السؤال, هل من الحري بنا أن نلتفت إلى أسئلة صغارنا وأن ندقق فيها ونحللها لعل في ذلك ما يساعدنا على اكتشاف مواطن الخلل والقصور في ثقافتنا, فأطفالنا ربما هم أصدق منا في التعبير عمّا ننقله لهم من ثقافة وقيم وأخلاق, فنحن الكبار - ومع الأسف - قد استشرى عندنا النفاق والمجاملة والتهرب من قول الحقيقة حتى صار الواحد منا يستنسخ له أكثر من شخصية وقد يكون السبب وراء ذلك هو الخوف والجهل واستبدادنا لبعضنا وبالتالي فالصغار هم ربما الأصدق منا في التعبير عنا وعن ثقافتنا.
