نتابع الجلسة الرابعة "قبل الأخيرة" ضمن الخماسية الاقتصادية "102 قصد"، التي تكتظُّ بأرق التفكير والبحث في مشكلاتنا الاقتصادية الراهنة؛ التضخم والبطالة والفقر وتفشي مظاهر الغش التجاري واستمرار أزمة سوقنا المالية، إلى آخر قائمة المعوقات المنتشرة في خريطتنا التجارية والاستثمارية. وكنتُ قد وصلت إلى أن لبَّ مشكلاتنا الاقتصادية الراهنة نابعٌ من اهتراء سياساتنا الاقتصادية، وما انبثق عنها من إجراءات وتنظيمات لاحقة، أتى هذا الاهتراء واستشرى من اتساع الهوة بين واقع الاقتصاد المحلي، الذي اندفع بقوة نموه رغم "عسر هضم" تلك السياسات الاقتصادية، وأتساءل هنا؛ أين كنا سنكون لو أن تلك السياسات الاقتصادية تتسم بانفتاحٍ وديناميكية أكبر؟! قبل أن نكمل معاً النقاش حول قضايانا الاقتصادية، أجد أنه من الواجب الإشارة إلى نتائج تقييم التقرير السنوي الأخير الصادر عن البنك الدولي "سهولة أداء الأعمال"، الذي يراقب ويرصد تطورات بيئة الاستثمار والقيام بالأنشطة التجارية في 178 دولة حول العالم، شهدنا فيه التحرك الكبير للسعودية من المرتبة 67 بين 135 دولة خلال تصنيف عام 2005 إلى المرتبة 38 بين 178 دولة خلال تصنيف 2006، ثم لتقفز إلى المرتبة 23 خلال تصنيف 2007. إنه إنجازٌ يُسجل للاقتصاد السعودي، مدفوعٌ بالدرجة الأولى من الجهود الرائعة التي بذلتها ولا تزال تبذلها الهيئة العامّة للاستثمار، ويبدو أن الهدف الذي حددته هذه الهيئة الفتية بفريقها الطموح الذي يقوده الشاب عمرو الدباغ محافظ الهيئة، الذي ينشد احتلال السعودية لموقعها الحقيقي في قائمة الدول العشر الأكثر تنافسية في عام 2010 قد أصبح قريباً جداً. السؤال المحوري هنا؛ هل من تناقضٍ بين ما نطرحه هنا من انتقادٍ لحال الاقتصاد السعودي فيما يختص بسياساته الاقتصادية، والآثار السلبية لجمودها في معدلات النمو والاستقرار، وبين ما أظهره التقرير الأخير للبنك الدولي "سهولة أداء الأعمال" من تقدّمٍ ملموس متحقق في أقل من عامين؟! الإجابة: لا يوجد أي تناقض! بل على العكس تماماً فهما يلتقيان عند الفكرة نفسها والهدف نفسه! والنتائج المتحققة أخيراً أجدها تؤكد أهمية الاندفاع بقوةٍ وجرأةٍ وسرعةٍ نحو إعادة بناء سياساتنا الاقتصادية! من كان يتخيل أن مجرّد معالجة أوجه الاختلال والقصور في "سلة الإجراءات" المنبثقة أصلاً عن "السلة الأكبر للسياسات الاقتصادية" ستحدث هذه النقلة النوعية والكمية في ظرف عامين فقط من المرتبة 67 إلى المرتبة 23؟! من كان يتخيل أن مجرّد مواجهة ومعالجة 10 محاور أساسية إجرائية "السجلات التجارية، إجراءات بدء النشاط، نظام العمل والعمال، النظام الضريبي، سهولة تصفية النشاط التجاري، الحصول على الائتمان، إجراءات التصدير والاستيراد، الالتزام بالعقود، مراقبة سوق المال وأنظمة الإفصاح، إجراءات تسجيل ملكية العقارات"، أؤكد من كان يتخيل أنها ستحدث هذه القفزة العملاقة؟! في ضوء الإنجاز المتحقق أعلاه، الذي تركّز فقط على مجرد معالجة أوجه القصور في إجراءاتٍ كانتْ بمثابة حزمة من مؤرقات بيئة الأعمال لدينا؛ أتساءل ماذا سيحدث للاقتصاد السعودي إن هو تحرّك بالهمّة والنشاط والحماس نفسه على أوتار السياسات الاقتصادية؟! لا شكَّ أن النتائج ستكون مفاجأة جداً إلى حدٍّ بعيد! وللحق فإن أغلب المتبقي من حزمة الإصلاحات الاقتصادية للسعودية التي تطرّق نائب رئيس البنك الدولي مايكل كلاين إلى جانبٍ منها، تتمركز دون جدال في خانات سياساتنا الاقتصادية، ما يتوجب فعلاً العمل بصورةٍ أوسع وأشمل على هذه القضية من قبل كافّة الوزارات والأجهزة الحكومية، ولعل في الجهود المميزة التي قامت وتقوم بها الهيئة العامّة للاستثمار مثالاً يجدر بتلك الجهات الاحتذاء به!
كم هو الفارق كبيرٌ أن نشهد جميعاً في العام نفسه، احتلال بيئة الأعمال في السعودية المرتبة 23 بين 178 دولة، وأن يحتل اقتصادنا المرتبة 79 بين 180 دولة في قائمة مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، وأن تحتل سوقنا المالية المرتبة الأخيرة بين 60 سوقٍا مالية حول العالم؟! ولا ينتهي حديث الأرقام ومؤشراتها غير القابلة للتفسير بأكثر من تفسيرٍ واحد! رغم ما قد يتبادر للذهن من عدم علاقة تلك المؤشرات بعضها بعضا، إلا أن الرؤية الاقتصادية العامّة إليها لا ترى أبداً هذا الانفصال! ذلك أنها متغيرات مترابطة تماماً، وتتبادل التأثيرات فيما بينها، لعل أكبر شاهدٍ على قوة هذا الترابط ما تعانيه السوق المالية المحلية من تضعضعٍ لثقة مجتمع المستثمرين فيها، وما ترتب عليه من تذبذباتٍ حادّة في السوق، تزامنت مع ارتفاع حادٍّ لوتائر المضاربة المحمومة التي استأثرت بنحو 75 في المائة من السيولة المدارة فيها، وبالطبع فإن واقعاً كالواقع الراهن لسوقنا المالية تسيطر فيه المضاربات العشوائية على أغلب مقدراته، يُشير بجلاءٍ إلى اكتظاظها بالكثير من المخالفات النظامية التي لم يقابلها بكل أسفٍ موقف رقابي صارم يوقفها عند حدٍّ معين، وهذا ما دفع بها إلى الزيادة يوماً بعد يوم، من مستويات أدنى من 35 في المائة قبل أكثر من عامٍ ونصف العام، إلى أن سيطرت في وقتنا الراهن على ثلاثة أرباع قيمة التعاملات اليومية! لن أطرح السؤال المؤرق التالي، الذي طالما طرحته في كل مقام: من المستفيد مما يحدث في سوقنا المنكوبة؟ ومن الضحية؟! إننا نعلم جميعاً أن هناك مستفيدا وجانيا لمكاسب هائلة مما يجري في السوق من فوضى عارمة؛ وهم ثلّةٌ قليلة أمنت العقوبة! ونعلم جيداً أن هناك من يدفع هذا الثمن الباهظ غير المشروع وغير المبرر، وهم أغلبية مجتمع المستثمرين وتحديداً الصغار منهم! من يفصلُ بين الفريقين إن تأخّر "القاضي" عن الفصل بينهما؟! ذلك المتمثل بهيئة السوق المالية التي يجب أن تمارس دورها الرقابي والنظامي حفظاً لمقدرات السوق والاقتصاد، والملزم بنص نظام السوق المالية القاضي بوجوب حمايتها لحقوق المساهمين.. وذاك ختام هذه الخماسية الاقتصادية الذي سأركز الحديث حوله في الأسبوع المقبل.
