لا شك أن المبالغ الكبيرة التي أنفقتها الدولة لبناء شبكة الطرق في الثلاثين عاماً الماضية كانت من أهم العوامل التي ساهمت في نجاح برامج التنمية الشاملة التي شهدتها المملكة خلال تلك الحقبة من تاريخها. غير أنه بات من الواضح اليوم أن هناك حاجة ملحة لمراجعة الطاقة الاستيعابية لبعض أجزاء من تلك الشبكة سواء ما كان منها طرقا سريعة أو محاور رئيسة في داخل المدن. إذ أصبحت، على سبيل المـثال، اختناقات السير في السنوات الأخيرة تستفحل في كل من الرياض، جدة، مكة المكرمة، وغيرها. كما بدأت تلك الاختناقات تمتد تدريجياً إلى بعض من الطرق السريعة.
إن الهدف الرئيس لمراجعة الطاقة الاستيعابية لشبكة الطرق استباق الطلب المتوقع في وقت مبكر للحفاظ على مستوى جيد من الخدمة للمستفيدين ودرء الخسائر عنهم والتي قد يتكبدونها بسبب اضطرارهم إلى إهدار زمن في الطريق أكثر مما ينبغي مقارنة بالأحوال العادية. ليس ذلك فحسب، بل إن جودة وكفاية شبكة المواصلات تحتل مرتبة متقدمة بين عناصر المفاضلة لدى المستثمرين عند ترجيح بلد أو موقع على آخر. وهذا يقودنا للحديث عن الطريق السريع الذي ينطلق من جدة شمالاً إلى رابغ مروراً بثول على ساحل البحر الأحمر، والذي يعد من الطرق الجيدة في الشبكة الوطنية ويتكون من ثلاثة مسارات في كل اتجاه.
لكن المُشاهَد خلال العامين الماضيين أن الحركة على ذلك الطريق في فترات الذروة تكاد تضاهي طاقته الاستيعابية ما يدعونا للتفكير في الحال التي سيكون عليها خلال الأعوام الخمسة المقبلة عندما تكتمل بعض المشاريع العملاقة في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، مجمع " بترو رابغ " للبتروكيماويات، ينبع الصناعية، وغيرها. إذ سيؤدي إنتاج تلك المشاريع من بضائع ومواد أولية إلى مضاعفة الكميات المنقولة على الطريق السريع لا سيما تلك المتجهة إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جدة الإسلامي لما يتميز به من أسعار منافسة للشحن البحري قلما تتوافر في الموانئ الأخرى المجاورة، ومن المتوقع أن يحافظ الميناء على تلك الميزة النسبية لسنوات طويلة بإذن الله لأسباب اقتصادية وجغرافية يصعب على الآخرين محاكاتها. كما أنه من المتوقع أن يساهم الميناء البحري الجديد المخطط له ضمن عناصر المدينة الاقتصادية في رابغ في زيادة حركة النقل على محور جدة - رابغ نتيجة للحركة التبادلية الجديدة في البضائع التي ستنشأ بينه وبين ميناء جدة الإسلامي في سياق الهدف المعلن للميناء الجديد وهو استقطاب ملايين الحاويات (الكونتينيرات) من بضائع المسافنة العابرة في البحر الأحمر.
ثم لا ننسى الطلب على خدمات ذلك الطريق السريع من الفئات الأخرى من المستفيدين كالحجاج، المعتمرين، زائري مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام، المتنزهين، السياح، وسكان القرى المنتشرة على جانبي الطريق. إذ بينما تشكل تلك الفئات في مجموعها الاستخدام الأكبر للطريق في الوقت الراهن، سيتضاعف حجم طلبها مرات عديدة في المستقبل القريب عند اكتمال مشاريع الإسكان في المدينة الاقتصادية، جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، مشاريع القطاع الخاص في مجال السياحة، ومشاريع التطوير العمراني كالتي أعلنت عنها أخيراً شركة المملكة القابضة بتكلفة خمسين مليار ريال تقريباً.
الشاهد أن هناك حاجة إلى زيادة سعة خطوط المواصلات الحالية بين مدينة جدة والمراكز العمرانية الجديدة في كل من رابغ وثول، وقد يكون من المصلحة العامة البدء في ذلك العمل من الآن بحجز مساحات مناسبة من الأراضي على جانبي الطريق الحالي كحرم يكفي لزيادة طاقته مستقبلاً وإنشاء خط حديدي مواز له، أما البعد الاستراتيجي الآخر لربط تلك المراكز وما بعدها فيتطلب تحركاً سريعاً من وزارة النقل لحجز مسار آخر مواز للطريق الحالي كرديف له على بعد بضعة كيلومترات شرقاً قبل أن تقام مبان أو تنشأ ملكيات هناك تعوق ذلك الخيار.
