ربما يجد الواحد أن هناك نوعا من الصعوبة أو ربما المخاطرة في أن يتصدى كاتب أو مفكر أو إعلامي أو ناشط اجتماعي لمناقشة أو الوقوف عند قضية الشباب السعودي في الوقت الحاضر, خصوصا بعد أن أخذت القضية بعدا إقليميا وعالميا بسبب تورط أعداد أو مجموعات من شبابنا في عمليات إرهابية في مناطق مختلفة من العالم. فالمملكة العربية السعودية لا تستطيع إلا أن تدين كل عمل إرهابي أو عمليات عنف ضد المدنيين مهما كان حجمها أو نوعها أو مبرراتها أو مكان حدوثها حتى ولو وجدت من الآخرين من يتهمها أو يحملها بعض المسؤولية, فهي تنطلق في ذلك من إيمانها بأن الإرهاب عمل مرفوض إنسانيا وأنها عانته كما عاناه غيرها وهي تشارك العالم وتدعمه في جهوده لاحتواء هذه الظاهرة. فوجود السعوديين بكثرة أو بأعداد محدودة في المناطق الملتهبة من العالم إما باسم الجهاد أو النصرة أو المقاومة أو مقاتلة أعداء الإسلام وضع الشاب السعودي في محل اتهام, فهو متطرف ومقاتل في قضايا لا تخصه وانتحاري يستهدف الأبرياء والآمنين, ولا يبرر لرد كل هذه التهم أن نقلل من قيمة الشاب السعودي بوصفه بالبساطة والسطحية وقلة الدراية والغفلة وعدم النضوج والتي نغلفها في العادة بطيبتهم مرة وبحسن الظن في الآخرين مرة أخرى. لا نريد لأحد أن يدافع عن الشباب السعودي ولنترك لهم حق الدفاع عن أنفسهم, فهم اليوم يشكلون أكثر من خمسين في المائة من مجتمعنا, فهم أكثر منا نشاطا وأكثر منا حيوية وأكثر منا خبرة ودراية باستخدام وسائل الاتصال الحديثة. والدفاع عن النفس لا يعني أبدا عدم الاعتراف بالأخطاء والمشكلات التي مهدت للبعض من شبابنا الوقوع في الخطأ, فنحن من أججنا وأدلجنا بعض شبابنا وجعلناهم ينشغلون بقضايا أكبر منهم، ونحن من أنتجنا لهم ثقافة تدعوهم للعداء مع الآخر وعدم التواصل معه, ونحن من اختصرنا في وجوههم كل العلاقات الإنسانية مع الأخر واقتصرناها فقط أما لدعوتهم لاعتناق ديننا أو معاداتهم والصراع معهم وكل هذا هو الذي أنتج لنا هذا التأزم والتطرف الذي نراه في نفوس بعض شبابنا. فشبابنا اليوم مدعو لأن ينتفض على نفسه وآن يواجه هذه الاتهامات بالإرهاب والمشاركة في أعمال العنف والقتل التي يشهدها العراق الجريح ولبنان المضطرب وأفغانستان الملتهبة وغيرها من البلدان بأن ينتج لنفسه ثقافة تخلع عنه هذا النفور من الحياة وعدم التواصل مع الآخرين. فليس كل الآخرين أعداء ومشركين وجهلة ومبتدعين في الدين, وليس الاختلاف مدعاة للمواجهة مع الآخر بقدر ما نجعل منه وسيلة لتنويع الاجتهادات واستيعاب تفاصيل الحياة واحترام حقوق الإنسان كانسان أولا وكانسان آخرا. لن نستطيع أن نهزم الإرهاب إلا بالشباب ولن نستطيع أن نكسب الشباب في هذه المعركة إلا بأن نتيح لهم الفرصة لأن ينتجوا بأنفسهم ثقافة في وجه من يريد أن ينتزع إنسانيتهم ويرمي بأجسادهم وهي مفخخة في شوارع بغداد, ثقافة تكشف لهم نوايا من يريد أن يزج بهم في معارك موظفة لأهداف وغايات وأن بدت لهم أنها تتقاطع مع أهداف نبيلة يتبنونها ويؤمنون بها ولكنها على غير ما يرجون وعلى غير ما يأملون. لندفع بشبابنا إلى المواجهة ولكن علينا قبل ذلك أن نسلحهم بثقافة الحياة وثقافة الإنتاج وثقافة مبادئ التعايش المشترك والإنفتاح على الآخرين والجدية في العمل وألا نتخلى عنهم ونتركهم لدعوات وأفكار تثير فيهم التطرف والإنغلاق.
وليس تهمة الإرهاب هي التي فقط تنال من سمعة شبابنا, فإلى جانب تهمة الإرهاب والعنف والتطرف فهم متهمون أيضا بتهمة الإرهاب الاجتماعي, فما يراه الإنسان من سلوكيات خاطئة وخارجة عن حدود اللياقة والذوق السليم في أسواقنا وأماكننا العامة, وما نشهده من تجاوزات واستهتار بالنظام العام وعدم احترام أنظمة المرور في شوارعنا, وما بدأ يظهر من إنفلات في سلوكيات طلابنا في المدارس حتى وصل الأمر إلى الاعتداء واستخدام العنف ضد المدرسين. كل هذا الأمر يضع شبابنا في قفص الاتهام وإن كان من يتحمل مسؤولية هذا الأمر هم شريحة محدودة من شبابنا ولكن هذه الشريحة المحدودة هي التي أظهرت شبابنا بشكل سلبي في عيون الآخرين وهي التي جعلت بممارساتها المرفوضة كل شبابنا في موقع الاتهام. هل نقف موقف المتفرج أمام كل هذه الظواهر السلبية وما تنتجه لنا من كوارث واضطراب اجتماعي؟ ولا يستبعد أن تتنامى مثل هذه الظواهر حتى تمس أمننا الاجتماعي الذي طالما نظرنا إليه على أنه النعمة الكبرى التي نحظى بها أم أن للأكثرية من شبابنا قول آخر. لن نستطيع أن نهزم الإرهاب الاجتماعي كما هو الحال مع إرهاب التطرف والقتل والعنف إلا بشبابنا, ولكن هل شبابنا الذين نخرجهم من مدارسنا وجامعاتنا وهم مثقلون بعلوم ومعارف يحفظونها ولا يفهمونها ويتعلمونها ولا يتقنونها يمتلكون الثقافة والوعي والمهارات المطلوبة لممارسة هذا الدور. كيف يتاح لهؤلاء الشباب أن يتصدوا لمثل هذه الظواهر ونحن لم نعط للثقافة دوار في تكوين شخصياتهم ولا في بناء ذواتهم. نحن ليس عندنا شك أن الأغلبية من شبابنا يرفضون هذا النوع من السلوكيات التي يوصم بها شبابنا ولكنهم معطلون ولا يملكون المهارات اللازمة ولا تتاح لهم الفرصة للتعبير عن حقيقة الشاب السعودي. علينا أن نراهن على شبابنا من أجل محاصرة هذه الظواهر السلبية لأنهم هم الأقدر على ذلك ولكن علينا أن نهيئ الظروف لهم وأن نمدهم بما يحتاجون إليه من موارد ودعم معنوي ومساندة تنظيمية. إنهم في حاجة إلى أن نقدم لهم نماذج من بينهم ممن استطاع أن يشق طريقه في هذه الحياة بكل اقتدار, فهل عرفنا شبابنا وأطلعناهم وأتحنا لهم الفرصة للقاء أبنائنا المبدعين الذين تفوقوا أو واكبوا نظراءهم في الدول المتقدمة في الحصول على المراتب المتقدمة في الابتكارات والاختراعات في المحافل الدولية, هل أخذنا هؤلاء وطفنا بهم على المدارس والكليات والجامعات لنريهم ماذا يستطيعون فعله غير التسكع في الشوارع والأسواق ومضايقة الناس والتحرش بهم أو ممارسة التفحيط والجلوس من دون هدف إما أمام التلفزيون أو على الإنترنت. كم كبير من (الدكاترة) والأطباء والمهندسين والمبدعين في كل المجالات والذين لهم سمعة دولية في تخصصاتهم واعترفت المحافل العلمية بإنجازاتهم ولكنهم مع الأسف لا أحد يعرفهم من شبابنا ولا ندعوهم ليخاطبوا أبناءنا في حفلات التخرج ولم ندفع بهم للنزول إلى حيث يتواجد الشباب وبراعم المستقبل ليعطوهم المعنى الحقيقي للحياة. كم من موهبة وطنية، وكم من مبدع متميز من أبنائنا عندنا ولكننا لا نستثمرهم كرأسمال حقيقي في استثارة طاقات شبابنا وأبنائنا. ومما يزيد الأمر سوءا أن يطلع شبابنا على معاناة المبدعين والمتميزين عندنا فيزيدهم بذلك إحباطا ويبرهن لهم إننا لا نحتفي بهم ولا نقدر لهم تميزهم فبذلك يفتقدون الحماسة ليسلكوا الجدية والإيجابية في حياتهم.
وإضافة إلى التهم التي تواجه شبابنا والتي ننتظر منهم أن يتحملوا مسؤولية التصدي لها, فإن أمامهم أيضا تحديات كبيرة تتمثل في مواجهة الصعوبات والمشكلات التي نضعها في طريقهم. فالبطالة وأن اختلفنا في تحديد نسبتها بينهم إلا أنها عقبة كبيرة في طريقهم وعليهم اليوم أن يتحدوا هذا الواقع وأن يمارسوا الضغط علينا لإشراكهم في معالجة هذه المشكلة, فلا يعقل ولا يقبل أن يجد الشاب السعودي صعوبة في الحصول على وظيفة وهو يرى غيره يعمل بيسر وإذا كان العذر هو افتقاده الخبرة والمهارات المطلوبة فإن علينا أن نستثمر المزيد من الموارد في تدريبه وتأهيله وإعداده. وهناك مشكلة أخرى تقف في وجه شبابنا وهي أنهم مطالبون بإثبات جديتهم في العمل وهذا تحد لهم يجب أن يدفعهم إلى مزيد من الجهد والإصرار على تطوير أنفسهم ليغيروا من هذه الصورة التي يريد البعض أن يعممها على كل الشباب السعودي. وعلينا ألا نتجاهل طبيعة سوق العمل السعودية, فصحيح أن القطاع الخاص يتحرك بأموال سعودية وبأسماء شركات سعودية وإدارة سعودية في الظاهر ولكن في الواقع إ الأجانب هم من يديرون العمل والنشاط اليومي لهذه الشركات وعلينا ألا نتوقع منهم تعاطفا وتعاونا مع شبابنا. وقد يصل الأمر في الكثير من الأحيان إلى معاكسة شبابنا ووضع العراقيل في طريق تطوير أنفسهم وهذا كله يزيد من صعوبة الواقع الذي نطلب منهم أن يتحدوه. وهناك الكثير والكثير من التحديات الأخرى, فالتعليم و أزمة قبولهم في الجامعات، توفير وسائل الترفيه لهم كلها تحديات وما أعظمها من تحديات نضعها في طريقهم وبأقل مساعدة منا نقدمها لهم.
قد لا يجد البعض من شبابنا فائدة من هذا الكلام, فنحن لا نبدي ثقتنا بهم ولا نعي أهمية مشاركتهم لنا في تحديد خياراتنا ولا نضمن لهم الظروف العادلة لتحقيق طموحاتهم ولا نعترف بجدوى الحوار معهم ولا نقر لهم بأحقيتهم في عرض مشكلاتهم علينا. لهم الحق في ذلك فنحن لا نراهن على شبابنا وعندنا أنانية تدفع بنا لمسك الأمور والتحكم فيها حتى ندفن في قبورنا. الكل اعترض واحتج ووعدنا بالبهدلة والخسران لأننا قد تخلينا عن أسماء لها الخبرة والباع الطويل في ميدان الكرة ولكن عندما أعطيت الفرصة والثقة للشباب من اللاعبين كان للأخضر صولات وجولات شرفتنا جميعا ولولا الكبوة أخيرا لاستطاع هؤلاء الشباب إن يعودوا لنا بالكأس الآسيوية. إنهم استطاعوا أن يعطوا صورة مشرقة وأن يقدموا نموذجا آخر للشباب السعودي على غير ما تنقله الأخبار وتعليقات الآخرين. فعلينا ألا نكتفي بنجاح منتخبنا الكروي ولكن لنستثمر هذا النجاح ونجعل منه أساسا ننطلق منه للاحتفاء بكل شبابنا بعد أن نتيح لهم فرص النجاح.
