لمحات عن جسر الملك فهد بين السعودية والبحرين

|
كانت نظرة الملك فيصل صائبة وبعيدة المدى عندما اعتبر مشروع إنشاء الجسر من المشاريع ذات الطابع القومي الاستراتيجي، فأهمية الجسر لا تكمن في دعم وزيادة الصلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين السعودية والبحرين فحسب، وإنما في ربط البحرين بعمقها العربي مما يسهل إرسال المساعدات، بمختلف أنواعها لها في حالة الطوارئ أو تعرضها لأي خطر خارجي. لا ريب أن جسر الملك فهد الذي يربط الإقليم البري للمملكة العربية السعودية بالإقليم البري لمملكة البحرين يعد من الأعمال الإنشائية العملاقة، ويرجع إلى الملك فيصل بن عبد العزيز، يرحمه الله، الفضل الأول في إنشاء هذا الجسر، فهو الذي تقبل فكرة إنشائه بقبول حسن وحماس كبير ووافق على تكوين لجنة من الدولتين لدراسة إمكانية تنفيذه وطلب من هذه اللجنة أن تتجاوز دراستها النواحي الاقتصادية والمالية وأن تعتبر مشروع بناء الجسر من المشاريع ذات الطابع القومي. وفي عهد الملك خالد بن عبد العزيز، يرحمه الله، تم الاتفاق بين الدولتين عام 1976، على تكوين لجنة وزارية من البلدين للعمل على تنفيذ المشروع. كما وقعت الدولتان بتاريخ 7/9/1401هـ ا لموافق 8/7/1981، اتفاقية إنشاء الجسر بين الدولتين وأصدر الملك خالد المرسوم الملكي رقم م/35 وتاريخ 24/9/1401هـ يقضي بالمصادقة على هذه الاتفاقية وبموجب هذه الاتفاقية التزمت حكومة المملكة العربية السعودية بتمويل بناء الجسر كما قررت الاتفاقية بأن يعتبر الجسر موجودات ثابتة ملكا للحكومة السعودية. وبلغت التكلفة الإجمالية لبناء الجسر والمرافق التابعة له مبلغ 2769 مليون ريال سعودي وبلغ عرض الجسر نحو 25 مترا، أما طوله فيبلغ 25 كيلو مترا، يبدأ من مساحة تقدر بستة كيلو مترات جنوبي الخبر في المملكة العربية السعودية وينتهي شمالي قرية الجسرة في مملكة البحرين التي تبعد عن العاصمة المنامة نحو عشرة كيلو مترات، ويعد هذا الجسر أطول جسر في العالم يربط بين دولتين وثاني أطول جسر في العالم بعد جسر (بونتشارت ترين) الذي يربط بين مدينتي (مانديفل) و(ميتيري) في ولاية لويزيانا الأمريكية. وبموجب المادة الثالثة من اتفاقية إنشاء الجسر أنشئت في منتصف الجسر منطقة خدمات تقام فيها إدارات حكومية لكلتا الدولتين لتنفيذ الأنظمة المتعلقة بالأمن والصحة والجمارك وأن تقوم الإدارات الحكومية المختصة لكلتا الدولتين بالتنسيق فيما بينها لتنفيذ الأنظمة الخاصة بكل منها واختيار الطريقة الأنسب لتيسير المرور من وإلى أي من البلدين وأن تقوم أيضا الإدارات الحكومية المختصة لكلا البلدين بالتنسيق والتعاون مع المؤسسة العامة للجسر لتمكينها من إدارة منطقة الخدمات وفق الأسلوب المناسب لمثل هذا المرفق. وتطرقت المادة الرابعة إلى كيفية تسوية الخلافات بين الدولتين بشأن تنفيذ أو تفسير أي مادة من مواد هذه الاتفاقية حيث قررت أن (تقوم الحكومتان بإجراء الاتصال المناسب لحل الخلاف، فإن تعذر الحل تشكل هيئة تحكيمية من ثلاثة أعضاء تختار كل حكومة عضوا يجوز أن يكون من رعاياها، ويقوم العضوان باختيار العضو الثالث من بلد آخر ثم تتولى الهيئة الفصل في الخلاف بقرار نهائي). ويلاحظ من نص المادة المذكورة آنفا ما يلي: 1- أنها تشير إلى أهمية حل الخلافات أولا عن طريق الاتصالات بين الطرفين قبل اللجوء إلى التحكيم. 2- إن نص المادة المذكورة لم يوضح كيفية تعيين المحكم الثالث (المرجح) في حالة عدم توصل المحكمين المختارين من قبل الدولتين إلى اتفاق على اختيار المحكم الثالث، كذلك لم يوضح النص كيفية صدور قرارات المحكمين، هل تكون بالإجماع أم بالأغلبية. ويبدو أن هذه التفاصيل قد تركت معالجتها في وثيقة التحكيم التي ينبغي على الطرفين إبرامها، عند إحالة أي خلاف إلى التحكيم. 3- إن الحكم الذي تصدره هيئة التحكيم يعد نهائيا, ومعنى ذلك أنه يعد حكما باتا وملزما للطرفين وغير قابل للاستئناف ويرتب أثره في الحال. ومنذ إنشاء الجسر وحتى الآن لم يحدث، بحمد الله، وتوفيقه أي خلاف بين الدولتين يستوجب التحكيم بخصوص أي شأن يتعلق بإنشاء الجسر أو إداراته وتشغيله. وفي 25/1/1403هـ الموافق 11/12/1982م، أزاح الملك فهد وأمير دولة البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الستار عن اللوحة التذكارية في حفل رسمي حضره قادة دول مجلس التعاون الخليجي. وفي هذا الحفل اقترح أمير دولة البحرين إطلاق اسم الملك فهد على الجسر تقديرا لدوره ودور المملكة العربية السعودية في تنفيذ وإخراج هذا المشروع العملاق إلى حيز الوجود. وفي عام 1985م، انتهت جميع الأعمال الإنشائية لبناء الجسر ولذلك وتنفيذا لأحكام اتفاقية إنشاء الجسر أبرمت الدولتان بتاريخ 20/3/1406هـ اتفاقية إنشاء المؤسسة العامة للجسر، وأصدر الملك فهد المرسوم الملكي رقم م/9 وتاريخ 2/5/1406هـ القاضي بالمصادقة على الاتفاقية المذكورة وأسندت الاتفاقية إلى هذه المؤسسة مهام إدارة الجسر وتشغيله وصيانته وتحديد رسم المرور على الجسر بعد الاتفاق مع حكومتي الدولتين، كما منحت الاتفاقية هذه المؤسسة الشخصية القانونية الاعتبارية وقررت أن تتخذ من مدينة الدمام في المملكة العربية السعودية مقرا لها، كما قررت أن تخضع المؤسسة وموظفوها إلى الأنظمة السعودية، كما قررت أن يتكون مجلس إدارة المؤسسة من ثمانية أعضاء، أربعة منهم سعوديون تعينهم الحكومة السعودية وأربعة منهم بحرينيون تعينهم حكومة البحرين، وتسمي الحكومة السعودية أحد ممثليها في مجلس الإدارة رئيسا للمجلس وتسمي حكومة البحرين أحد ممثليها في مجلس الإدارة نائبا لرئيس مجلس الإدارة، كما منحت الاتفاقية مجلس الإدارة صلاحية تعيين مدير عام للمؤسسة على أن يكون من المواطنين السعوديين. وسبق أن أعددت بحثا بعنوان (الوضع القانوني لجسر الملك فهد الممتد بين السعودية والبحرين) نشرته في مجلة "التعاون" التي تصدرها الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي العدد 34 الصادر في المحرم 1415هـ الموافق حزيران (يونيو) 1994، تناولت فيه بالدراسة والتحليل أهم الجوانب القانونية المتعلقة بالجسر، ولمن يرغب في الاطلاع على تفصيلات تلك الجوانب القانونية الرجوع إلى ذلك البحث. وفي يوم الأربعاء 24/3/1407هـ الموافق 26/11/1986م، تم افتتاح الجسر رسميا بحضور الملك فهد بن عبد العزيز، يرحمه الله، وأمير دولة البحرين الشيخ عيسى بن سليمان آل خليفة، يرحمه الله، وطبقا لآخر الإحصائيات التي نشرت عام 2008م، فقد بلغ عدد المسافرين عبر الجسر منذ افتتاحه حتى نهاية عام 2006م (136.913.280 مسافرا) بمعدل يومي بلغ 18.658 مسافرا للاتجاهين، فيما بلغ المعدل اليومي خلال السنوات الثلاث الأخيرة 36.927 مسافرا للاتجاهين، فيما بلغ عدد المركبات التي عبرت بوابات الرسوم خلال عام 2006م (6.528.265 مركبة) بمعدل يومي 17.886 مركبة بنسبة زيادة عن العام الذي سبقه، قدرها 13 في المائة، أما عدد المسافرين في العام ذاته فبلغ (14.985.691 مسافرا) بنسبة تغير بلغت 9 في المائة، وبسبب الازدحام فقد يستغرق إنهاء إجراءات السفر أكثر من ثلاث ساعات في أوقات الذروة. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز تقرر توسعة الجسر على نحو يتواكب مع تزايد أعداد المسافرين وتزايد حركة النقل والسلع والبضائع بين البلدين، حيث نشرت الصحف المحلية بتاريخ 17/3/1430هـ الموافق 14/3/2009م خبرا مفاده أن الأستاذ صالح الخليوي، مدير عام الجمارك السعودية ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة لجسر الملك فهد صرح بأن مجلس إدارة المؤسسة العامة للجسر أقر التصور الأساسي للتوسعة الرئيسية لجزيرة الجسر التي تقع فيها منطقة الخدمات، التي أعدتها إدارة الجسر وذلك خلال اجتماع مجلس إدارة المؤسسة الذي عُقد يوم الأربعاء 14/3/1430هـ الموافق 11/3/2009. ومن أهم الأسس التي ناقشها المجلس وفي ضوئها أقر التصور العام للمشروع، هي أن مساحة التوسعة الرئيسية بلغت نحو 390 ألف متر مربع، وتمثل ما نسبته نحو 59 في المائة من المساحة الحالية للجزيرة البالغة 660 ألف متر مربع لتصبح المساحة الإجمالية بعد توسعتها أكثر من مليون متر مربع. كما روعي في التصميم الجديد لجزيرة الجسر بعد توسعتها الاستفادة التامة من جميع مساحات الجزيرة، وزيادة عدد الكبائن المخصصة لإنهاء إجراءات مركبات المسافرين لتكون 48 مسارا بدلا من العدد الحالي البالغ عشرة مسارات والمقرر زيادتها في توسعة سريعة في منتصف العام الجاري إلى 17 مسارا، وستكون الزيادة حتى التوسعة الرئيسية 380 في المائة، كما تم الأخذ في الحسبان في تصميم هذه التوسعة معالجة جميع العوائق المرورية وإلغاء التقاطعات والإشارات المرورية للمساعدة على انسيابية الحركة، وعدم تأثير التوسعة الجديدة في مكونات الجزيرة الأساسية كالمباني والخدمات والبنية التحتية، إلى جانب المحافظة على الشكل الأساسي لجزيرة الجسر. كما أوضح الأستاذ صالح الخليوي أنه في ضوء إقرار مجلس الإدارة التصور العام لهذا المشروع والأسس التي بني عليها تصاميم المشروع، فإن إدارة المؤسسة ستقوم في خلال ستة أشهر باتخاذ إجراءات الدراسات والتصاميم التفصيلية، وبعدها تتخذ إجراءات الترسية التي من المتوقع أن تتم ترسية مشروع التوسعة الرئيسية لجزيرة الجسر مع مطلع عام 2010م، وسيستغرق تنفيذها 30 شهرا، لينتهي في منتصف عام 2012م، منوها بأن مشروع التوسعة الحالية "السريعة" لمسارات الجوازات والجمارك في الجانبين السعودي والبحريني جار العمل فيه، ومن المتوقع انتهاء هذه التوسعة في تموز (يوليو) 2009م، وكذلك التوسعة الخاصة بمناطق الشحن في جمارك البلدين، جار العمل فيها أيضا، وأضاف قائلا إن هناك عددا من الإجراءات تم اتخاذها للتخفيف من الزحام على الجسر، بينها مشروع الربط الآلي بين الجانبين السعودي والبحريني لتسريع الإجراءات. وأوضح أن بصمة الإصبع ستواجه بعض الصعوبات وهي ما زالت تحت التطبيق التجريبي في منفذ جسر الملك فهد، مضيفا أنه في حال تلافي الصعوبات التي تواجهها كخدمة جديدة وسريعة تقلل من فترات الانتظار في ساحات الجمارك ستعمم على باقي المنافذ السعودية. وأوضح أن تكدس الشاحنات في الجسر أمر خارج عن إرادة مؤسسة الجسر، مؤكدا أن الجسر له طاقة استيعابية محدودة لا يمكن تجاوزها، حيث إن الكمية المحددة التي تستوعبها الساحة الجمركية في الجسر تقدر بعشرة آلاف طن، مضيفا أن هناك ترتيبا جديدا سيخفف من الأزمة، وأنه تم مخاطبة الجهات التي لها إدارات في الجسر لزيادة عدد موظفيها حتى يتناسب عددهم مع المشاريع التوسعية الجديدة. أخيرا أقول لقد كانت نظرة الملك فيصل صائبة وبعيدة المدى عندما اعتبر مشروع إنشاء الجسر من المشاريع ذات الطابع القومي الاستراتيجي، فأهمية الجسر لا تكمن في دعم وزيادة الصلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بين السعودية والبحرين فحسب، وإنما في ربط البحرين بعمقها العربي ما يسهل إرسال المساعدات، بمختلف أنواعها لها في حالة الطوارئ أو تعرضها لأي خطر خارجي.
إنشرها