من أعلى سقف ما سيصبح أكثر مجمع تجاري للتجزئة تطوراً في أوروبا، يعطي التجديد المحموم الذي بدأ يميز لندن الانطباع بوجود مثابرة لا تهزم. ويمكن رؤية المتنزه الأولمبي للألعاب التي ستعقد في عام 2012 وهو يتخذ شكلاً ما في جميع الأرجاء. وتقوم الرافعات برفع أجزاء من هيكل الملعب لتضعها في مكانها المناسب. وتنتصب المحطة ذات الواجهة الزجاجية من أجل ربط سكة القطار النفقي بشكل جاهز فعلياً.
إن الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 180 فداناً الذي تطوره شركة ويستفيلد الأسترالية لكي يتكامل مع موقع الألعاب الأولمبية سيصبح قلب مدينة "ستارتفورد"، التي ستوفر المتعة والترفية، إضافة إلى المكاتب، والفنادق، والشقق. وبراوبط سريعة مع كل من وسط لندن، وأوروبا القارية، فإن الخطة هي أن يكون هناك مركز مدينة جديد في شرق لندن.
إن حجم الاستثمار الذي يسبق الألعاب يجسد الثقة بلندن ما قبل الانكماش. وعندما تمت تسمية المدينة بصفتها المضيفة للألعاب الأولمبية، احتفلت الحشود في ساحة الطرف الأغر. وعندما تدفقت الأموال، والأعمال، والمواهب من شتى أرجاء الكرة الأرضية إلى المدينة، بدا الأمر مناسباً تماماً بأن تستضيف لندن "أعظم استعراض على وجه الأرض". وأكثر من أي مدينة أخرى، كانت لندن قلعة طفرة الائتمان.
أما الآن، فإن عمالقة قطاع المصرفية السابقين يتعرضون للتعذيب من جانب البرلمان والجمهور. وتبخرت الثقة بسرعة تبخر قيمة الأسهم في بورصة لندن. وباستضافة الألعاب الأولمبية، فإن التركيز هو إبقاء سقف أعلى على ميزانية ما يطلق عليها الآن فعلياً "ألعاب التقشف". وتمثل ستارتفورد واحة من النشاط وسط صحراء من مشاريع الإنشاءات المتأخرة، ضحايا التجمد في الإقراض البنكي، والانهيار في أسعار العقارات.
كانت التوقعات قاسية. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بريطانيا تواجه الركود الأعمق من أي دولة صناعية كبرى، وتوقع انكماشاً يبلغ 2.8 في المائة في الناتج الإجمالي المحلي لهذا العام. وتصاعدت الانتقادات بأن صناع السياسة اعتمدوا بقوة على مؤسسات لندن المالية، وتراخوا للغاية بشأن المنهج التنظيمي إزاءها.
بعد تعطل النظام التشريعي الثلاثي الذي يجمع قوى بنك إنجلترا، ووزارة المالية، وسلطة الخدمات المالية، واضطرار الحكومة إلى أخذ حصص كبيرة في بنوك التجزئة، يقول الكثيرون إن لندن لا يمكنها أن تحتفظ بمركزها العالمي. وفي المشهد الكابوس، تصبح مهملة كمركز مالي، وتدفع خسائر قطاع العمل الدولي مجموعات من الأمريكيين، والآسيويين الشرقيين، والأوروبيين إلى مغادرة المدينة، الأمر الذي يغير هوية العاصمة.
يقول ويل سيلف، المؤلف المقيم في لندن، إن لندن كانت "كاليفورنيا أوروبا" خلال سنوات الطفرة. ويسأل قائلاً: "ولكن أنظر إلى كاليفورنيا الآن... ماذا سيتبقى منها؟ ما زالت مدينة، ولكنها مدينة متدهورة، بوجود خدمات عامة رديئة، وبنى تحتية لوسائل النقل متداعية – فكر في نيويورك في السبعينيات – ومستويات عالية من الجريمة في شتى أرجاء أطرافها، ومركز داخلي من الثروة التي لا يمكن مهاجمتها."
إن المشاريع كبيرة الحجم مثل زيادة توسيع مطار هيثرو "ربما لن تحدث – وإذا حدثت، فإنها ستكون بمستوى مخفض، بأسمنت مشقق وغير متين"، حسبما يجادل سيلف بالقول. ويضيف: "إن مشكلة لندن هي أنها كانت مكاناً سحرياً خلال سنوات الطفرة – خدم تدفق العمالة الرخيصة، وغير القانونية في الغالب، أولئك "المهندسين الماليين" بالضبط الذين انحرفت أدواتهم مباشرة عن طريق التقدم. وهناك القليل من الصناعة المستدامة في المدينة خارج نطاق أعمالهم هذه."
هناك مؤتمر عقد في وسط لندن لجماعة ضغط قطاع العمل، "سي بي آي" CBI، سمع خلاله الحضور السير جون روز، الرئيس التنفيذي لشركة رولز رويس ، وستيفن جرين، رئيس بنك إتش إس بي سي، واللورد ماندلسون، وزير العمل، يعترفون جميعهم بالحاجة إلى "إعادة توازن" اقتصاد العاصمة بعيداً عن اعتمادها على الخدمات المالية. وتظهر توقعات بأن تشكيل اقتصادها سيبدو مختلفاً بشكل واضح عندما تنتهي العاصفة المالية في نهاية المطاف.
يقول أنتوني بروني، مدير الاقتصاد لدى عمدة لندن الحالي، بوريس جونسون: "قيل لنا إن من غير المحتمل أن يكون قطاع الخدمات المالية مهميناً خلال العقد المقبل كما كان في العقد السابق. وبناءً على ذلك، فإن السؤال الذي يطرحه الجميع هو: ماذا سيكون الشكل المستقبلي لاقتصاد لندن؟"
كان نمو الحي المالي، كما كان معروفاً منذ قرون بصفته القطاع المالي لمدينة لندن، إلى مركز مالي عالمي بارز في السنوات التي سبقت انهيار الائتمان مثيراً للغاية. وفي أعقاب انفجار فقاعة الإنترنت، والفضائح الأمريكية مثل فضيحة شركة وورلدكوم، وشركة إينرون، التي نتج عنها تشريع مقيد، استغلت لندن ذلك بالكامل. وحافظت على تنظيم ونظام ضريبي متراخٍ، وأكدت ترحيبها بالاستثمارات الأجنبية.
أصبحت لندن مركز الجذب لكادر النخبة من فائقي الثراء. وكانت دور المزادات تزدحم بالحضور في الوقت الذي وصلت فيه أسعار اللوحات الفنية إلى مستويات قياسية، وكان وكلاء العقارات منشغلين بالطلب على أفضل البيوت في ماي فير، ونايتبريدج، وشيلسي – وازدهرت الشركات التي تخدم احتياجات الأثرياء، من رؤساء الخدم إلى مصممي الديكور الداخلي، إلى إخصائيي التغذية الشخصية ومستشاري السفر.
علاوة على ذلك، أصبح الكثيرون ينظرون إلى لندن على أنها المكان الأكثر إثارة للعيش فيها. وانجذبت ألمع المواهب من شتى أرجاء العالم، ليس بسبب التوقعات الوظيفية فحسب، بل أيضا بسبب إثارة المدينة التي كانت تنتج الموسيقى ، والفنون، والأزياء، والأطعمة، والإعلام، المتميزة جميعها. ولكن بعد سنوات الوفرة، جاء الهبوط بمثابة الصدمة للكثيرين.
كان دومينيك روسو – جيل يعتقد أنه أمام بداية مهنة مجزية ومربحة في قطاع المصرفية الاستثمارية في لندن. ولم يكن هذا الرجل الذي حصل على شهادته من كلية إيتون، والبالغ من العمر 25 عاماً، يعرف أن حياته المهنية ستنتهي فجأة عندما انتهت وظيفته كمحلل في بنك كريديت سويس براتب يبلغ 45 ألف جنيه استرليني (64,650 دولار، 50,150 يورو)، وذلك في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي بعد 18 شهراً فقط من العمل.
يقول روسو- جيل: "تلقيت مكالمة تدعوني إلى الطابق السابع. والجميع يعرف ماذا يعني ذلك. وبدا الأمر غير واقعي تماماً. ودهشت لأنه ما من أحد في فريقي كان يتوقع ذلك."
يعد روسو – جيل من بين مجموعة من المهنيين الشباب الذين اضطروا إلى إعادة تقييم ما كانوا يعتقدون أنها توقعات مهنة نجومية. ويضيف قائلاً: "إن البنوك الاستثمارية خبيرة في تسويق الهياكل المهنية. ولكنك لو فكرت في الأمر حقيقة، فإن الأمر كله مجرد دخان ومرايا. وإن القوة الاقتصادية للمملكة المتحدة تضررت على الأرجح إلى الأبد، وسيتحرك العمل بعيداً عن لندن. وإذا أمكن، فإنني لم أعد أريد أن أعمل في المملكة المتحدة بعد الآن. وربما يكون الانتقال إلى الخارج هو الخيار المنطقي."
تبخرت آفاق الحصول على مهنة في قطاع الخدمات المالية في لندن بالنسبة للكثيرين من المجموعة الحالية من الخريجين. ويقول أوين مورجان، رئيس العمليات التجارية في "بينا"، وهي شركة للاستشارات الوظيفية: "كانوا يشعرون أن أمامهم مهنة براقة، وتم سحب البساط من تحت أقدامهم".
يوافق بوب ويجلي، الرئيس الذي غادر بنك ميريل لينش لأوروبا، والشرق الأوسط، وإفريقيا، والذي ترأس أخيراً مراجعة للعمدة بشأن تنافسية الحي المالي، على أن قطاع الخدمات المالية سيتقلص في الأجل القصير. أما ويجلي نفسه، فإنه ليس غريباً عن آثار أزمة الائتمان بعد أن اشترى بنك أوف أمريكا "ميريل لينش". ويقول أثناء إخلاء مكتبه في مقر "ميريل" في لندن: "ربما يكون المركز الصافي سلبياً".
يظهر تقرير صدر عن كلية لندن للاقتصاد حول مؤسسة الحي المالي في لندن، وذلك في شهر تشرين الأول ( أكتوبر) أن قرابة ثلث الوظائف في لندن البالغ عددها 4.2 مليون وظيفة، توفرها الخدمات المالية والتجارية. وفي المقابل، فإن غياب التوظيف الأساسي في قطاع التصنيع مذهل، حيث يشكل 3.7 في المائة فقط من الوظائف، باستثناء قطاع النشر.
يقول التقرير إن لندن "لديها ثلث وظائف التصنيع المتوقعة من حجم توظيفها الكامل". كما أن الأنشطة الأخرى المخصصة لخدمة مطالب السكان المحليين – في الطاقة، والبناء، والتوزيع، والتعليم، والصحة – متدنية التمثيل بالمثل.
يشير بروني إلى قطاعات أخرى لديها فرص للنمو، بما في ذلك التقنيات البيئية، فضلاً عن الصناعات الإبداعية مثل الإعلان، والتصميم، والإعلام – التي تشكل ثالث أكبر قطاع أهمية بعد القطاعين المالي والسياحة. ويقول إن الخدمات المالية ألقت بظلالها على القطاعات الأخرى، حيث "يتوجب علينا أن نتأكد من عدم وجود أي عائق".
ينبغي أن تعمل جاذبية لندن الدائمة للعمال المهرة من مناطق أخرى من المملكة المتحدة، وشتى أرجاء العالم، أن تساعد في الأمر. ويقدر تقرير كلية لندن للاقتصاد أن نسبة 45 في المائة من العمال المهرة للغاية في العاصمة يأتون من مناطق أخرى في المملكة المتحدة، و30 في المائة من الخارج. وحيث إن قطاع التمويل سيأخذ نسبة أقل من أولئك الموظفين في السنوات القليلة المقبلة، فإن الصناعات الأخرى يمكن أن تستغل المواهب المتوافرة.
يقول ريتشارد لامبرت، المدير العام لجماعة سي بي آي: "ستستمر لندن في اجتذاب الأشخاص الذين يملكون المهارات. ويريد الأشخاص الذين لديهم مواهب أن يعملوا هنا – وهذا ما سيجعل المكان يدندن".
كما أن أسعار العقارات المنخفضة، والانخفاض في قيمة الجنيه الاسترليني يعنيان أيضاً أن لندن ليس مدينة مكلفة بشكل وحشي تماماً كما كانت للأجانب. وتقول ثينك لندن، وكالة الاستثمار الداخلي في العاصمة، إن الاندفاع الأخير إلى اجتذاب الأعمال من الصين، اجتذب عدداً من رسائل الاهتمام، يفوق العدد الذي كانت تأمله بثلاثة أضعاف، وأصبحت الهند في غضون ذلك ثاني أكبر مصدر للاستثمارات الجديدة بعد الولايات المتحدة.
بوجود تركيز قوى على التوظيف داخل لندن، دعا عمدتها إلى إعادة التفكير الجذري بالفرص التجارية في ضواحي لندن الخارجية، وهي في العادة تكون مناطق الضواحي التي تعد موطناً للمتنقلين. ويقول جونسون: "إن الاستثمار في الضواحي الخارجية للكشف عن فرصها التجارية لن يعمل على إعادة إحياء اقتصاد لندن اليوم فحسب، وإنما أيضا يقويه وينوعه لأجيال المستقبل".
تستطيع مشاريع البنى التحتية المخططة أن تساعد في تحقيق هذا الهدف، على الأخص فرص التوليد التي تحيط بالألعاب الأولمبية، ومشروع كروسريل البالغة قيمته 16 مليار جنيه استرليني لتأسيس خط للسكة من الشرق إلى الغرب، ويربط مطار هيثرو بحي كناري وارف المالي، المتوقع أن ينتهي في عام 2017.
لكن، لأجل ذلك كله، يقول بروني إن العوامل التي دفعت نجاح المدينة تبقى في مكانها: ميزة الفرق في التوقيت، وقوة عمل مرنة وذات مهارات، ونظام قانوني قوي، وخبرة مثبتة، وجاذبيتها كمكان للعيش فيه. ويقول: "كان من الأسهل بالنسبة للمراكز المالية الإقليمية أن تتنافس ضد لندن عندما كانت الأمور تسير جيداً. أما الآن، فإن الأكثر احتمالاً هو أن ينتقل العمل إلى المركز الذي يملك سجلاً أطول. فأنت تذهب إلى الشيطان الذي تعرفه."
أما بروس بوك، الرئيس الأوروبي لشركة سكادين أربس، أكبر شركة محاماة أمريكية، فإنه واثق من أن الزبائن الدوليين ما زالوا ينظرون إلى لندن بصفتها المكان الرائد عالمياً لتنفيذ الأعمال. ويقول بوك، الذي يرأس أيضاً نادي شيلسي، نادي كرة القدم الذي يملكه رومان أبراموفيتش، الملياردير الروسي: "حتى في ظل حالة السوق كالتي نمر بها الآن، فإن تلك الشركات التي لديها قواعد زبائن قوية، واستراتيجية جيدة التخطيط والتنفيذ، ستصمد في وجه العاصفة، الأمر الذي يترك لندن في مركز قوي لكي تقود التعافي الاقتصادي."
ويضيف: "بصفتها مركزاً دولياً للأعمال، ومدينة، فإن لندن أثبتت دائماً أنها قوية بشكل رائع، وقابلة للتكيف في مواجهة سوء الحظ، ولا أرى سبباً لعدم استمرار ذلك".
يوافق ويجلي على ذلك، ويؤكد تاريخ لندن في الابتكار، والفرصة للنمو في مجالات العمل مثل إعادة الهيكلة والتمويل الإسلامي. وفي النهاية، على أية حال، فإن المملكة المتحدة في حاجة إلى أن يزدهر الحي المالي. ويسلط تقرير ويجلي الضوء على مساهمة قطاع الخدمات المالية بنحو 42 مليار جنيه استرليني في إجمالي الضرائب. ويضيف: "يعادل ذلك فاتورة الأجور بأكملها للخدمات الصحية الوطنية. ولا يمكنك تعويض ذلك."
بالعودة إلى المتنزه الأولمبي في ستارتفورد، فإن شركة التطوير "ويستفيلد" تظل متفائلة على الرغم من الكآبة التي تغطي قطاعي العقارات التجارية، والتجزئة. ويقول جون بورتون، مدير المشروع: "تعد مدينة ستارتفورد أحد أكبر مشاريع توليد المدن في أوروبا. وعندما ينتهي العمل فيها، فستكون مركز المدينة بالنسبة لشرقي لندن".
عمدة لندن متحمس لاجتذاب جامعة عالية المستوى إلى الموقع بعد عام 2012، وهناك خطط لإغراء شركات التقنية لتأتي إلى المتنزه من أجل استغلال شبكات الاتصالات التي يتم بناؤها لدعم الألعاب. ويقدم بروني نظرية مفادها أنه بحلول عام 2012، فإن اقتصاد لندن سيرتد عائداً، وستصبح الألعاب رمزاً للثقة الجديدة في المدينة بوجود اقتصاد أكثر تنوعاً إلى حد ما على الأقل. ويتوقع قائلاً: "بدلاً من أن تكون هي الألعاب التقشفية، فإنها ستكون ألعاب التعافي."
ربما يثبت أنه على حق. ولكن بالنسبة إلى معظم سكان لندن، ما زال الأمر يبدو بعيداً للغاية.

