السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

إننا نعيش في عصر يظهر فيه كل شيء على حقيقته. فكثير من الأشخاص الذين كانوا أباطرة في السابق يشاهَدون الآن عراة. وهذا هو المصير الذي آلت إليه وكالات التصنيف الائتماني الثلاث التي تكشفت عيوب تصنيفاتها عندما انفجرت فقاعة الإسكان في الولايات المتحدة. إننا لا نستطيع التعايش مع ممارستها الراهنة، لكننا لا نستطيع من ناحية أخرى أن نعيش من دونها، ولا نستطيع الاستغناء عن الوظيفة التي تؤديها، وهي تقدير خطر الأوراق المالية. ولذلك الإصلاح أمر جوهري.

الجهات التي تدفع لوكالات التصنيف هي الجهات التي تصدر السندات وليس من يستثمرون فيها. لكن هذه الوكالات ضحت باستقلاليتها سعياً وراء العمل المربح الذي يتمثل في تصنيف الأوراق المالية المدعومة بالموجودات، تلك الأوراق التي جاءت إلى السوق خلال العقد المنصرم. وارتفعت أرباح وكالة موديز، مثلا، إلى درجة أن هامش ربحها أعلى من هوامش ربح جميع الشركات الـ 500 الأكبر وفقاً لمؤشر ستاندار آند بورز.

من السهل توجيه اللوم إلى المستثمرين على الثقة العمياء التي وضعوها في وكالات التصنيف، فكثير منهم تغلب عليه الطمع، أو السذاجة. لكن حتى أكثر الناس حذقاً وحذراً لم يستطع أن يتجنب وكالات التصنيف الثلاث الكبرى. فالقانون الأمريكي أضفى صفة القدسية على وضع هذه الوكالات الاحتكارية الذي كرسته الدولة باعتبارها "شركات تصنيف إحصائي معترف بها على الصعيد الوطني". وهناك لوائح أخرى مختلفة من قبيل إطار معاهدة بازل، تشير إلى التصنيفات لتحديد كفاية رأس المال أو إلى نوع الأوراق المالية التي يمكن أن تحملها الصناديق الاستثمارية.

يجب على الجهات التنظيمية أن تضع حداً للجمع البغيض بين الوضع الامتيازي وتضارب المصالح. إن تقليل العوائق أمام الدخول إلى السوق أمر صحي: ذلك أن التنافس يمكن أن يؤدي إلى تحسين المنهجيات، لكن إذا تم تخفيف سقف العوائق أكبر من اللازم، فستذهب الجهات المصدرة للأوراق المالية إلى أكثر وكالات التصنيف تساهلاً، حالها في ذلك كحال المتسوق. لذلك يجب أن يكون وضع خاتم الجهة التنظيمية الخاص بالموافقة مطلوباً لضمان الاستقلالية والكفاءة، وليس تعميق الامتيازات. ولهذا لا ينبغي التعامل مع الجهات المصدرة للأوراق المالية التي تحتاج إلى تصنيف. فلا يمكن إزالة تضارب المصالح إذا كانت الجهات المصدرة هي التي تدفع لوكالات التصنيف. لكن المشكلة الأساسية تكمن في طبيعة تقدير الخطر نفسها.

وإذا كنا قد تعلمنا شيئاً من فشل التمويل المهيكل، فهو أن الخطر لا يمكن تقديره باستخدام مقياس واحد بسيط. إن محاولة الوكالات عمل ذلك لم تؤد إلا إلى قيام البنوك بتغليف الأوراق المالية من أجل الحصول على تصنيف AAA. ودرجات المقاييس، إضافة إلى اللوائح التي تقضي بأن يحمل المستثمرون أوراقاً معينة، بذرت بدورها بذور التوقعات التي تحققت: الخوف من خفض درجة التصنيف يرعب المستثمرين وينفرهم، الأمر الذي يؤدي إلى ضغط مالي يبرر بدوره خفض التصنيف. هذا الاحتمال الخاص بحدوث خطر شامل في نظام التصنيف نفسه يعتبر مشكلة تجب معالجتها. ويجب على وكالات التصنيف والمستثمرين أن يستخدموا مقاييس أكثر تطابقاً مع الخطر.

تقول وكالات التصنيف إن المستثمرين يجب أن يتحملوا في النهاية مسؤولية قراراتهم وتقديرهم للأمور. هذا صحيح تماماً، لكن ذلك ليس سبباً لعدم تحميل وكالات التصنيف مسؤولية أكبر عن قراراتها وتقديراتها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية