السبت, 17 أكتوبر 2026|5 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

الأزمة بدأت في الولايات المتحدة، لكن أوروبا هي المكان الذي يمكن أن تتحول فيه إلى كارثة.

أخبرني أحد كبار صانعي السياسات، الأسبوع الماضي، أن الوضع الحالي ذكره بأزمة عام 1992 الخاصة بآلية أسعار الصرف في أوروبا، حين أصبحت البلدان الأوروبية، الواحد بعد الآخر، عرضة لهجمات مضاربة، أدت إلى إخراج المملكة المتحدة وإيطاليا من النظام. ولا يمكنك أن تراهن على أسعار الصرف ضمن اتحاد نقدي، لكن يعود الفضل إلى مقايضات عجز الائتمان في جعلك قادراً على الرهان بارتياح على تفكك منطقة اليورو. وفي الأسبوع الماضي راهن المضاربون على عجز إيرلندي. وهذه الرهانات تجعل إعادة تمويل ديون إيرلندا أكثر تكلفة، ما يهدد بالعودة إلى نبوءة تحقق ذاتها بذاتها.

غير أن إيرلندا لا تمثل الخطر الأكبر على منطقة اليورو. فهي إذا تراجعت، فإن منطقة اليورو ستنقذها. وحتى الألمان قبلوا بذلك الآن. الأمر الخطير الأقرب، يكمن في وسط وشرقي أوروبا. احتمال انهيار مالي هناك هو القضية الأشد إلحاحاً في مجال السياسات التي على الاتحاد الأوروبي مواجهتها في هذا الوقت. وإذا ما أسيء علاجها يمكن أن تقضي على منطقة اليورو.

ضربت هذه الأزمة الأوروبيين في وسط وشرقي أوروبا بصورة حادة وغير متناسبة، لأن الحكومات هناك وقعت في خطأين على صعيد السياسات. الأول، تشجيع الأسر على الحصول على قروض عقارية بالعملات الأجنبية. ويكاد يكون كل رهن عقاري في هنغاريا بالعملات الأجنبية التي يغلب عليها الفرنك السويسري. اختيار العملة السويسرية دليل دامغ على الأمية الاقتصادية. ويمكنني أن أتفهم وجود اقتراض عملات أجنبية باليورو، لأن هنغاريا ستنضم في النهاية إلى الاتحاد الأوروبي. غير أنه لا يتوقع انضمام هنغاريا إلى الاتحاد السويسري. وهكذا، الأموال التي ادخرتها الأسر الهنغارية في ظل معدلات فائدة رخيصة على الفرنك، تم مسح ما يزيد عليها بسبب ارتفاع قيمة الفرنك السويسري.

خطأ السياسات الآخر مرتبط مباشرة بالخطأ الأول. فالأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي تعاملوا مع عضوية منطقة اليورو باعتبارها خيارا سياسيا طوعيا. وذلك تفسير خاطئ لمعاهدات انضمام هؤلاء الأعضاء الجدد. وحين وقعوا على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإنهم وقعوا على عضوية منطقة اليورو في الوقت ذاته، لأن حق الخروج القانوني على ذلك هو للمملكة المتحدة والدنمارك فقط. وطبيعي أنه بسبب كونها دولاً حديثة التصنيع لم تكن خاضعة لالتزام العضوية الفورية، لكنها كانت خاضعة لالتزام باتخاذ سياسات تتسق مع العضوية. ولو أنها اتبعت مثل تلك السياسات، لكانت أعضاء في منطقة اليورو في هذا الوقت. وأظهرت سلوفينيا وسلوفاكيا، في ظل السياسات الصحيحة لهما، أن بالإمكان دخول منطقة اليورو في وقت مبكر. وأوضاع هذين البلدين آمنة في الوقت الراهن.

بالنسبة إلى البلدان الأخرى، القرار الخاص بالمماطلة أصبح بمثابة كارثة على صعيد الاستقرار المالي. وإذا كنت تواجه مثل الأزمة القائمة حالياً، فإنك لا تريد أن تكون اقتصاداً صغيراً ومفتوحاً على أطراف منطقة اليورو، وبعملة غير ذات أهمية، وكميات كبيرة من الرهون العقارية بالفرنك السويسري.

غير أن الأوروبيين في وسط وشرقي أوروبا قاموا بأمر سليم. فقد ضمنوا أن بنوكهم مملوكة من جانب أجانب. والبنوك النمساوية بين الأعلى نشاطاً وسط هذه البنوك، إذ يصل تعاملها مع أوروبا الشرقية إلى 80 في المائة من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للنمسا. وإذا عجزت الأسر الهنغارية عن الوفاء بالتزاماتها، فإن الدولة التي تتعرض لضربة الهبوط هي النمسا، وليس هنغاريا. ولإيطاليا والسويد كذلك تعاملات واسعة في دول شرقي أوروبا. وبالتالي، أزمة في وسط وشرقي أوروبا تعتبر حدثاً على مستوى النظام ككل لمنطقة اليورو. وعلى ذلك، ينبغي للمرء ألا يعامل هذا الأمر وكأنه مشكلة تخص جهة أخرى، لأن الواقع ليس كذلك.

ما هي الخيارات السياسية؟ من الطبيعي أن الاتحاد الأوروبي يمكنه تقديم المساعدة المالية من خلال صندوق النقد الدولي، لكن ليس من الواضح ما إذا كان بإمكان ذلك وقف انتشار عدوى أزمة موازين المدفوعات في هذه المنطقة. وإذا ما هبطت أسعار الصرف أكثر، فمن المتوقع أن تتصاعد عجوزات الأسر بصورة حادة. فهل ينبغي لنا إنقاذ تلك الأسر كذلك؟

الحل الأذكى، في نظري، لمواجهة توقع الانهيار، هو تبني اليورو بأقصى سرعة ممكنة. لا حاجة إلى القيام بذلك في الغد. كل ما نحتاج إليه في الغد هو استراتيجية موثوقة وحازمة للانضمام، لكل بلد على حدة، الأمر الذي يمكن أن يتضمن تاريخاً مؤكداً للانضمام، وسعرا للصرف، بحيث تدعم ذلك سياسات موثوقة.

من الواضح أن ذلك يتطلب التخلي، المستحق منذ فترة طويلة، عن المعايير الميتة لدخول منطقة اليورو. وأقل هذه المعايير أهمية هو المعدل المرجعي للتضخم الذي يتم احتسابه كمعدل لأدنى ثلاثة معدلات وطنية. سيصبح ذلك في القريب معدل انكماش. وهكذا، أي دولة تتطلع إلى الانضمام ستكون في الوضع السخيف الذي يضطرها إلى الانكماش شرطا لدخول الاتحاد الأوروبي.

إن معيار التضخم ليس غير عقلاني فقط، بل متناقض مع جوانب أخرى من القانون الأوروبي. ولأن استقرار الأسعار يمثل هدفاً بالغ الأهمية للسياسة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، فإن فرض معيار انكماش يمكن أن يكون مخالفة صريحة لهذا الهدف. وينطبق الشيء ذاته على معيار سعر الصرف. إن إرغام الدولة على البقاء عامين ضمن عضوية آلية سعر الصرف ـ تتذبذب خلالهما عملتها مقابل اليورو ضمن نطاق ثابت ـ إنما هو دعوة للمضاربين، ويمكن أن يحمل معه المزيد من مخاطر عدم الاستقرار. إن معايير الانضمام ليست متسقة مع القواعد الأساسية للاستقرار ويجب الإعلان عن عدم صلاحيتها، ومن المؤكد أنها يجب ألا تستغل كعقبة بيروقراطية للمراوغة في ظل وجود أزمة خطيرة.

وإذا حلّت المصيبة، فإن الاتحاد الأوروبي هو الذي سيتولى السداد. وهذا أمر مرحب به، لكن من غير المحتمل أن يحل المشكلة، وبالذات إذا ما انتشرت الأزمة. وضمان تقديم مساعدة مالية دون التزام قوي بعضوية منطقة اليورو سيكون تصرفاً غير مسؤول. تعميم عضوية اليورو في الاتحاد الأوروبي هو الطريق الذي ينبغي السير فيه.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية