السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

هذه المرأة التي كسبت الانتخابات متحمسة للتغيير على أساس الحل القائم على إنشاء دولتين

اليوم الذي سبق توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان جديد ورئيس جديد، توجهت تسيبي ليفني إلى الصحراء الجنوبية للمشاركة في حفل مصغر. وكان يحيط بها بضع عشرات من المؤيدين الشباب، وصعدت على ظهر شاحنة، ورقصت بنشوة على إيقاع الموسيقى الإلكترونية التي كانت تشق صمت تلك الصحراء الجرداء. وكان يبدو على ليفني الارتياح والاستمتاع. وكما لاحظ أحد المراقبين فهي كشخصية سياسية قد أحرزت تقدماً كبيراً.

الرحلة إلى الصحراء، التي أعقبها ظهور في مناسبات مماثلة في الملاهي الليلية في تل أبيب، توضح التحول الملحوظ الذي طرأ على هذه المرأة التي فازت بفارق ضئيل في الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي. وعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، عرفت ليفني بأنها تمثل أغنية ملكة الثلج المحببة في السياسة الإسرائيلية، حيث نالت الإعجاب كزعيمة تتميز بالذكاء والبعد عن الفساد، ولكنها لم تعرف على الإطلاق كسياسية "عادية". فهي تنأى بنفسها عن زملائها وكانت تتضايق من جوانب معينة في السياسة مثل الإطراء و تقبيل الأطفال لكسب ود الناخبين.

الانفتاح الذي ميز حملتها الانتخابية كان ناتجاً عن قرار اتسم بالوعي. يقول أحد السياسيين الذين يعرفونها معرفة جيدة: "أجبرت نفسها على القيام بذلك. لم يأتي ذلك بشكل طبيعي، ولكنها أدركت أن ذلك يمثل جزءا من هذه المهنة".

قرارها بالسماح للصحافيين بزيارتها في منزلها وكشفها عن أسرارها الخاصة لقي الترحيب لدى الناخبين. حيث أصبحت في نظرهم محبوبة وجديرة بالثقة أكثر من منافسيها من الرجال. وبدلاً من بث روح التشاؤم، أطلقت ليفني رسالة متفائلة تحمل الأمل تناغمت مع جمهور من الناخبين لم يكن لهم كثير مما يجعلهم يشعرون بالارتياح. لقد عزفت حملتها على وتر له حساسية خاصة لدى الناخبين من فئة الشباب والنساء، حيث تحول الكثيرون منهم في آخر لحظة من دعم الأحزاب اليسارية إلى دعم مجموعة كاديما التي تمثل الوسط. وسوف تترأس أكبر مجموعة في البرلمان، متفوقة على حزب الليكود تحت زعامة بنيامين نتنياهو – وهو فوز لم يكن سوى القليلين يرون بأنه ممكن قبل يوم الانتخابات.

ومع ذلك، فإن فوز ليفني غطت عليه ظلال الارتفاع الحاد في الدعم الذي لقيته الأحزاب اليمينية. حيث أكثر من نصف المقاعد في الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، ذهبت إلى أحزاب اليمين وأقصى اليمين والأحزاب الدينية، تاركةً نتنياهو في وضع أفضل يمكنه من أن يصبح رئيساً للوزراء. هذا الأمر يجب ألا يجعلنا ننكر حجم الإنجاز الذي حققته. فقد استلمت قيادة حزب كاديما من إيهود أولمرت، رئيس الوزراء المنصرف، في وقت كانت فيه تلك الحركة السياسية التي تكونت قبل ثلاث سنوات تمر بأزمة. وحتى في وقت متأخر في الأسبوع الماضي، كان خصومها السياسيون يتكهنون بأن هذا الحزب سوف لن يصمد إذا تعرض لمعارضة قوية.

وبدلاً من ذلك، فإن حزب كاديما إما أن يلعب دوراً مهماً في الحكومة المقبلة، أو أن يقود المعارضة. فمحور سياسته القائمة على السعي إلى تحقيق الحل القائم على إنشاء دولتين مع الفلسطينيين لتأمين مستقبل إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية – سوف يجد آذاناً صاغية.

ليفني التي ولدت عام 1958 في تل أبيب، نشأت في منزل تهيمن عليه المشاعر القومية المتطرفة. حيث عمل والداها في "أرجون"، وهي جماعة يهودية سرية قامت بشن هجمات دموية ضد أهداف بريطانية وعربية قبيل تأسيس دولة إسرائيل في عام 1948. وحتى في إسرائيل كانت جماعة أرجون توصف على نطاق واسع بأنها جماعة إرهابية، رغم أنها أيضاً عملت كحاضنة لتفريخ رؤساء وزراء المستقبل مثل مناجيم بيجين وإسحاق شامير. وعلى قبر والدة ليفني تم وضع شعار الحركة وهو عبارة عن خريطة لإسرائيل التي وردت في الكتاب المقدس وقبضة يد تمسك ببندقية. والداها، اللذين أصبحا أول زوجين يتم زواجهما في الدولة الجديدة، تمسكا بالقضية القومية بقية حياتهما. وكان والد ليفني يعمل كرجل أعمال قبل أن يدخل الكنيست لثلاث دورات ممثلاً لحزب الليكود في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. أما والدتها فقد كانت تجلس في المنزل لرعاية طلفيهما، ولكنها ظلت، كما قالت ليفني في تأبين والدتها، "محاربة" طوال حياتها.

وبعد أن أمضت ليفني فترة إلزامية في الجيش، عملت سنة إضافية وتركت القوات الإسرائيلية المسلحة برتبة ملازم. ثم التحقت بالموساد، وهي إدارة الاستخبارات الإسرائيلية. ولا يعرف سوى القليل عن دورها، أكثر من أنها قضت فترة في باريس في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي. وتركت العمل بهذه الإدارة بعد أن قضت فيها أربع سنوات فقط لتلتحق بجامعة بار-إيلان في إسرائيل حيث حصلت على درجة جامعية في القانون.

وعندما دخلت عالم السياسة في عام 1996، ذهبت إلى بيتها السياسي الطبيعي، حزب ليكود القومي اليميني. كان هو حزب شارون، رجل إسرائيل العسكري والسياسي القوي، الذي كافأها على قدراتها بسلسلة من المناصب الوزارية. و لا أحد يدري ما الذي جعلها وغيرها من قادة الليكود يعيدون النظر في معتقداتهم الأساسية. ولكن، خلال العقد الماضي، أدركت ليفني أن حلمها بدولة يهودية تقوم على كل الأراضي الفلسطينية التاريخية تحول إلى كابوس. وأدركت أن إسرائيل يمكن أن تعيش كدولة يهودية وديمقراطية فقط إذا انسحبت من الأراضي الفلسطينية المحتلة وسمحت بقيام دولة فلسطينية على نحوٍ ما. هذا الإدراك أدى إلى قيام شارون بتكوين حزب كاديما عام 2005.

إن الحاجة إلى رسم الحدود النهائية لإسرائيل بسرعة أصبح القوة الدافعة وراء طموحاتها. فبعضهم يقول بأن لديها الحماس اللازم لإحداث هذا التحول. يقول أحد المسؤولين الذين يعملون معها: "تسيبي تؤمن بالحل الذي يقوم على إنشاء دولتين أكثر من أي شخص آخر نشأ في منزل أهله من اليسار". ومضى يقول: "إن ذلك مثل شخص اعتنق المذهب الكاثوليكي". وعلى الرغم من أنها تخلت عن حلم "إسرائيل الكبرى"، إلا أن ليفني، كما يقول أحد الأشخاص يعرفها جيداً: "لا تشعر بأنها تخلت عن إرث والديها. فهي في قرارة نفسها تسعى إلى تحقيق ذلك الحلم، وليس التخلي عنه".

ربما كان زوجها نافتالي اسبتزر الذي أنجبت منه طفلين والذي يشغل منصباً تنفيذياً في شركة دعاية وإعلان، هو المستشار الذي تثق به أكثر من سواه. علماً بأنها تعرضت للهجوم بسبب اعتمادها على مجموعة صغيرة من المستشارين، إلى جانب طبعها الجاف- حيث لا يوجد لديها وقت للهزل والمزح مع زملائها، وليس لديها سوى عدد ضئيل من الهوايات خارج أوقات العمل. وفي دورها الحالي كوزيرة للخارجية ظلت ترفض تمديد رحلاتها الخارجية بحيث تستمتع بمأدبة عشاء أو مشاهدة المناظر الطبيعية. فبمجرد انتهاء اجتماعاتها، تصر على العودة جواً إلى إسرائيل. وعلى الرغم من أن المسؤولين يصرون عليها للاستماع إلى وجهات النظر المخالفة، إلا أن رغبتها في أن تتخذ قرارات لوحدها ينظر إليها من بعضهم بأنها أكبر نقطة ضعف لديها.

اتفاق الوضع النهائي مع الفلسطينيين، الذي فشلت في تأمينه كوزيرة للخارجية، ربما يصبح تتويجاً لإنجازاتها. ويتطلب ذلك منها أن تكون أكثر انفتاحاً حول الثمن الذي ترغب في دفعه مقابل ذلك. بعضهم يتعجبون هل استوعبت تماماً التنازلات التي يتعين على إسرائيل أن تقدمها؟ ومع ذلك، فإذا أصبحت رئيسة للوزراء – كأول امرأة تتولى هذا المنصب في إسرائيل منذ جولدا مائير – فإن تحقيق حل سياسي سيكون أمراً صعباً. حيث لا يوجد دعم كاف من الأحزاب الأخرى لهذه الصفقة. فتكوين حكومة متعنتة من اليمين المتشدد، ربما لا تعيش طويلاً. ومع الانضباط الذي تميز به صعودها، فإن ليفني ربما تحول هذا النصر الجزئي الذي حققته الأسبوع الماضي إلى مجد دائم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية