الاثنين, 12 أكتوبر 2026|29 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

شركات تنجح ويلمع اسمها وتطير شهرتها وأخرى تفشل وتنهار وتعلن إفلاسها ويندب المساهمون حظهم العاثر بامتلاك أسهمها. وعند التحقيق والتحليل ينكشف المستور ويتبين أن الشركات الناجحة نجحت بفعل نجاحها الإداري ووجود مديرين ناجحين ونزيهين استطاعوا بقيادتهم أن يسيروا بها إلى طريق النجاح, وأن الشركات الخاسرة خسرت لأن إدارتها عبثت بموارد الشركة وأن مديريها القياديين استغلوا مناصبهم ومراكزهم الإدارية لتحقيق منافع شخصية على حساب مصالح شركاتهم. وبعض هؤلاء المديرين لم يكتفوا بسرقة شركاتهم والتلاعب بمواردها بل إنهم دخلوا بشركاتهم في مغامرات خاسرة وبدوافع شخصية وليس على أسس علمية ودراسات اقتصادية.

ولعل كلنا يتذكر شركات عملاقة مثل شركة إنرون النفطية وأندرسون للمحاسبة, وكيف أن هذه الشركات انهارت بين ليلة وضحاها وبعد التحقيق تبين أن مديري هذه الشركات تلاعبوا بالحسابات وزوروا الوقائع وأوهموا المساهمين بنجاحات مزيفة وأرباح وهمية وأنشطة غير موجودة على أرض الواقع. ولعل شركة برنارد مادوف الاستثمارية هي الصورة الأحدث لقدرة المديرين على التلاعب بشركاتهم, فهذا الرجل استطاع على مدار عقود من الزمن أن يستقطب ما يقارب 50 مليار دولار من أجل استثمارها, فهناك بنوك أمريكية وأوروبية, وهناك رجال أعمال ومؤسسات خيرية كلها وضعت ثقتها بهذا المحتال المحترف لينكشف لها لاحقا أنه لم يجر عملية استثمارية واحدة طوال حياة الشركة وأن العملية كلها كانت غشا وخداعا وأرقاما وتقارير مزيفة وينتظر العالم ليرى ماذا عسى أن يقول مادوف في قاعة المحكمة تفسيرا لما حدث, وهل هناك فرصة لاسترجاع القليل من أموال المستثمرين؟

حتى بعد حدوث الأزمة الاقتصادية العالمية استمر بعض مديري البنوك والشركات في التلاعب والمخالفة والممانعة في عدم المساس بمرتباتهم ومزاياهم المالية, ففي أمريكا وأثناء التحقيق من قبل الكونجرس الأمريكي مع بعض المديرين الكبار لمعرفة مسؤوليتهم تجاه الأزمة تكشف لهم أن ثلاثة من هؤلاء المديرين وفي خلال سنين معدودة حصلوا على ما يقارب مليار دولار كرواتب ومكافآت لهم. مجرد ثلاثة مديرين لبنوك ومؤسسات مالية وفي خلال فترة زمنية بسيطة كان مجموع رواتبهم ومكافآتهم تتجاوز مليار دولار. إن هذه المبالغة في الرواتب تكشف عن وضع خطير عن دور الرؤساء والمديرين في استغلال مناصبهم الإدارية لتحقيق مصالح شخصية. ولعل آخر الأخبار في هذا المجال هو فضيحة مقدار المكافآت التي حصل عليها مديرو الشركات المالية العاملة في سوق نيويورك المالية في العام الماضي, وهي مكافآت كان من المتوقع ألا تعطى أصلا, فهؤلاء هم المديرون أنفسهم الذين تسببوا في انهيار شركاتهم وأنهم اليوم يستجدون الدولة للحصول على مساعدات تساعدهم على الخروج من ورطتهم العميقة. شركات مالية تحصل على معونات حكومية بعشرات المليارات من الدولارات وفي الوقت نفسه من هذه المليارات المعطاة لها من المال العام تمنح مديرها ما يتجاوز 18 مليار دولار كمكافآت لعمل وجهود تأكد فعلا أنها كانت كارثية وأنها مغامرات انتهت بهذه الشركات إلى حافة الانهيار. هذه الفضيحة المالية الجديدة للمديرين هي التي دفعت الرئيس الأمريكي الجديد أوباما, وهو الذي كان يحاول مع الكونجرس لاعتماد أكثر من 800 مليار دولار كخطة إنقاذ جديدة للاقتصاد الأمريكي, إلى أن يهاجم تلك الشركات ومديريها ويتهمهم بعدم الأخلاق وأنهم بعملهم هذا استهانوا بالشعب الأمريكي الذي رضي أن تؤخذ من أموال الضرائب التي يدفعها لمساعدة هذه الشركات وإنقاذها من أزمتها. لقد كانت صدمة لهم أن يعرفوا أن ما يقارب مليار ونصف المليار دولار من أموال المعونة التي قدمت فعلا لهذه الشركات في الأشهر الماضية ذهبت كرواتب ومكافآت لهؤلاء المديرين الفاشلين, بل إن بعض هذه الأموال ذهبت لشراء طائرات خاصة لهؤلاء المديرين. في الوقت الذي تلغى فيه المخصصات المالية لكثير من المشاريع التعليمية والصحية والاجتماعية والبيئية لتوفير الأموال اللازمة لدعم هذه الشركات, وفي الوقت الذي تطرد هذه الشركات الآلاف من موظفيها بحجة التوفير ومواجهة الأزمة فإنها تحرص ألا تمس رواتب مديريها ورؤسائها التنفيذيين ومكافآتهم, بل تزداد وكأن الأمر لا يعنيهم وأن مقاماتهم مقدسة لا يطولها شيء حتى في وقت الشدة.

ما حدث وما يحدث بخصوص مديري الشركات في أمريكا يسلط الضوء على قضية المديرين عموما وفي مختلف دول العالم, فجزء كبير من مسؤولية ما حدث من أزمة اقتصادية عالمية كبيرة يقع على المديرين أنفسهم, فلقد صار المديرون يتمتعون بصلاحيات واسعة وصارت مواقعهم الإدارية تمنحهم الحرية المطلقة للدخول في مغامرات استثمارية يشك في معظمها وأنها في الحقيقة كانت تصب في مصالحهم الشخصية.

أزمة البنوك في مصر قبل عقد من الزمان كانت فعلا مظهرا لفساد المديرين ورؤساء الشركات, فرؤساء الشركات يتقدمون إما بمشاريع وهمية وإما متواضعة وبالتواطؤ مع مديري البنوك يحصلون على قروض مالية لهذه المشاريع بأضعاف وأضعاف قيمتها ومن بعد يفشل المشروع ولا يصل حتى إلى مرحلة التشغيل ليعود إلى ملكية البنك وهو لا يساوي حتى عشر قيمة القرض المقدم له ومن ثم يحسب الفارق في قيمة القرض على أنه من الديون المعدومة بعد أن استفاد المديرون في كلا الجانبين, والضحية لكل هذه العملية هو الاقتصاد الوطني والبنك كمؤسسة والمساهمون كأطراف مستثمرة.

وكثير من بنوكنا وشركاتنا المحلية ربما تعاني هي الأخرى هذه المشكلة, وعدم وجود الشفافية الكافية هو الذي ربما جعلنا لا نسمع أو لا نطلع أو أنها لا تظهر على السطح مثل هذه المشكلات كما هو الحال في الأماكن الأخرى. هناك مبالغة, وربما أكثر من ذلك حيال رواتب المديرين والمخصصات المالية المعتمدة لهم, فهناك مديرو شركات يحصلون على رواتب ربما أكثر من الأرباح التي تجنيها تلك الشركات نفسها. وهناك شركات تصرف على مديريها ومجالسها الإدارية من الأموال لو أنها صرفت على أمور الشركة لصارت هذه الشركة من الشركات الرابحة ولاستطاعت أن تعزز موقعها المالي, ولكن لا هذه الأموال أنفقت في أمور إنتاجية وتصب في صالح الشركة ولا هؤلاء المديرون يستحقون فعلا كل هذه الرواتب العالية والمكافآت المخصصة لهم.

هناك اليوم توجه للاهتمام بهذا الموضوع, ويأتي هذا الاهتمام في إطار دعم الشفافية التي نحن في أمس الحاجة إليها لتطوير بيئة الاستثمار عندنا. فصحيح أن القطاع الخاص والشركات المساهمة هي اليوم عماد الاقتصاد الحديث وأنها الأداة الفاعلة لتحريك الاقتصاد, ولكن هذا الدور يتعطل بل يتحول إلى أداة مخربة للاقتصاد الوطني إذا سمح له بأن يعمل في ظل رقابة مالية وإدارية ضعيفة, فوجود رقابة قوية وأنظمة واضحة تضمن الحد الأدنى من الشفافية هو الكفيل بألا تحدث مثل هذه المشكلات وهذه التجاوزات المالية. فساد المديرين خراب للشركات وتدمير لثقة الناس باقتصادهم الوطني, وبالتالي فمن حق المجتمع أن يراقب الشركات وأن يطالبها ببيئة عمل شفافة ومنضبطة بحيث تقلل من الفرص والظروف التي تجعل من عمل المدير لا يصب في مصلحة الشركة التي يديرها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية