السبت, 24 أكتوبر 2026|12 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

على الأرجح أن تكون سانت جونز، عاصمة دولة أنتيجوا وباربودا في جزر الكاريبي، على مسافة نصف العالم بعيداً عن سانت جونز وود، الضاحية اللندنية الخصبة التي تعتبر موطناً لمجلس رياضة الكريكيت الخاص بإنجلترا وويلز في لوردز. غير أن أوجه التشابه في الأسماء ليست هي الرابطة الوحيدة، إذ أصبح السير ألين ستانفورد، قطب المال من ولاية تكساس، والمصرفي بالنسبة للعديد من مواطني أنتيجوا، المروج المشارك في مجلس "السلسلة الكبرى" المتعلقة بنسخة غريبة لنصف يوم من اللعبة المحترمة.

كانت السلطات في كل من الموقعين تأسف على تورطها معه فعلياً. غير أن هذا الأسبوع على أية حال، كشف عن المزيد من الأمور المنذرة بالخطر، أكثر من أي شيء كانت تلك السلطات تتفاوض بشأنه على الأرجح.

عمل البنك المركزي الأوروبي يوم الجمعة الماضي على تمزيق عقوده مع السير ألين بعد أن اتهمته هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية بتنفيذ عملية احتيال مالي "ضخمة وتدريجية". وكان رجال الأمن التابعون لوزارة العدل المتمركزون في مكاتب هيوستن التابعة لمجموعة ستانفورد المالية التي يملكها، والمقيمون في، وحول مجمع غاليريا الضخم للتسوق في المدينة، يدققون في أجهزة الكمبيوتر، والوثائق، والملفات. كما استولى المنظمون في شتى أرجاء أمريكا اللاتينية على عمليات مجموعة ستانفورد المحلية، مثلما فعل المسؤولون في أنتيجوا، الذين لم يقوموا فحسب بترخيص مصرفه، "ستانفورد إنترناشيول" Stanford International Bank ، وإنما منحوه الجنسية أيضاً، ولقب الفارس.

تضاهي أنتيجوا جزيرة كاريبية قبلتها الشمس، مع فرصة استضافة أحداث رياضية تسلط عليها الأضواء – مثل مباراة الكريكيت التي يلعب فيها نادي "ويست إنديز" ضد نادي "توينتي 20" الإنجليزي، التي جرت وسط بعض الجدل في أنتيجوا في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) – الإغراء الطبيعي للزبائن الأثرياء للغاية. وتم توجيههم إلى الجزيرة بواسطة شبكة من ممثلي المبيعات في "ستانفورد" المنتشرين في شتى أرجاء الولايات الأمريكية الجنوبية، وفي بلدان أمريكا اللاتينية في الخارج.

وجاء مع الشمس والرياضة مكون ثالث- ألا وهو الثقل السياسي. وتلقى أكثر من مائة سياسي أمريكي بارز، بمن فيهم باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة حالياً، ما مجموعه 2.4 مليون دولار من السير ألين منذ عام 2000، حيث ذهب قرابة ثلثي هذه الأموال إلى أعضاء الحزب الديمقراطي. ويبدو أن عدداً لا يحصى من أعضاء الكونجرس انطلق بخفة إلى أنتيجوا لكي يستمعوا إليه وهو يتحدث بقوة نيابة عن صناعة المصرفية في الخارج – وهو قطاع يبدو أنه قوضه أكثر من أي شخص آخر.

يتذكر هاورد بيلتون، رئيس مجموعة سوفرين، الذي أمضى سنوات عديدة وهو يدير الشؤون الخارجية للشركات، لقاءاته مع مندوبي المبيعات من بنك ستانفورد الدولي، الذين كانوا يأملون في إقناعه بتشجيع زبائنه على الاستثمار في شهادات الودائع في البنك. وقدموا له بيانات مالية بغلاف جلدي رائع. ويقول بيلتون: "بمجرد أن تنظر إليه، فسوف تفكر قائلاً، حسناً، إنهم يبذلون أقصى ما في وسعهم في حقيقة الأمر. وبالإضافة إلى الكريكيت، فإن كل ذلك أنبأني بأن الأمر برمته سينتهي بشكل مأساوي."

لكن لم يزعج أي أمر السير ألين حتى الشهر الماضي. وأثناء وجوده في نيويورك، واجه بيرنارد مادوف اتهامات بإدارة خدعة احتيالية بالأسلوب الهرمي، عملت على سلب المستثمرين مليارات الدولارات، وجاءت الأنباء من أنتيجوا بشأن انتهاء علاقة "ستانفورد". والآن، قامت "فاينانشيال تايمز" بجمع سلسلة من الأحداث بدأت في هيوليت هاوس، وهي بناية أنيقة خضراء تتألف من طابقين في سانت جونز. وهذه البناية هي مقر "سي إيه إس هيوليت"، وهي شركة لتدقيق الحسابات قامت بالتوقيع على دفاتر بنك ستانفورد الدولي، الذي تتمحور حوله الإمبراطورية المالية للسير ألين التي تبلغ قيمتها 50 مليار دولار (40 مليار يورو، 35 مليار جنيه استرليني).

مروراً بمنطقة الاستقبال الخالية من الموظفين، كان بإمكان الزوار في الأسبوع الماضي اختلاس نظرة على الطابق السفلي المجهز حديثاً، ويحتوي على عشرات المكاتب المزينة بشاشات أصلية من نوع "ديل". وبدا كل شيء غير ملموس. وقال حارس موضحاً أن تشارلزورث "شيلي" هيلوليت، رئيس الشركة، توفي. وتعين توجيه الاستفسارات إلى ابنة هيوليت، سيليا، التي كانت في لندن. تحقيق تجريه هيئة الأوراق المالية والبورصة, مكتب التحقيقات الفيدرالية وكلا، لم يكن يعرف شيئاً حول هذا الموضوع.

هنا كان دليل على أن ثمة شيئا ما مفقود على الأرجح في شؤون السير ألين. ويميل أولئك المكلفون بتدقيق المجموعات المالية الكبيرة، ليس إلى تكبير أنفسهم فحسب، بل أيضاً إلى أن يكونوا منشغلين للغاية في الوقت الحالي، بالتعامل مع الإعصار المالي العالمي.

إلى الجنوب من أنتيجوا ، في الوقت الذي كان فيه يتم دفن هيوليت، كان محلل مالي، أليكس دالمادي، من فنزويلا ينشر مقالاً ناقداً عن بنك ستانفورد الدولي في مجلة محلية تدعى "فينسونوميا". وقبل بضعة أشهر، قال صديق إنه يفكر في شراء واحدة من شهادات الإيداع عالية العائد التي يصدرها السير ألين. وكان الاستثمار يوفر عوائد جاذبة أعلى من السوق، وبناءً على ذلك، طلب الصديق من دالمادي أن يلقي نظرة وقائية. ومع ذلك، بعد قضاء نصف ساعة فقط على الإنترنت، وبعد تفحص البيانات المالية لبنك ستانفورد الدولي، وتقدير العوائد الاستثمارية المزعومة، اقتنع المحلل بأنها حالة أخرى من أسلوب مادوف الاحتيالي – تمرين في العوائد الاستثمارية السلسة والثابتة بشكل مستحيل، سيتضح أنها خدعة.

قام دالمادي بتحميل بياناته على الشبكة، وراقب عندما قام المدونون على الإنترنت، أولاً في شتى أرجاء أمريكا اللاتينية، وبعدئذ في الولايات المتحدة وأمريكا، بالتقاط الفكرة ثم مجاراتها. ومنذ تلك اللحظة، كانت أيام السير ألين، كمبتكر مالي واستثماري مغامر في مجال الكريكيت، معدودة – بشكل قاسٍ تماماً.

بالعودة إلى ولاية تكساس، حيث قام جد السير ألين بتأسيس أول ثروة للعائلة باقتناص العقارات الرخيصة خلال الكساد، كان هناك دليل آخر على قوة عمليات ستانفورد المشكوك فيها: كان الرجل ذاته بالكاد معروفاً.

تفخر مدينة هيوستن بنفسها فيما يتعلق بجهود جمع الأموال، وهي مكان يتوقع فيه أن تعطى الأعمال الكبيرة، وحيث تزين أسماء الأثرياء الواجهة الخلفية لعدد لا يحصى من القمصان في كل سباق خيري، أو مهرجان، أو حملة تبرعات. ومع ذلك لم يكن اسم السير ألين على أي منها. ولم تكن الجامعات، أو الآخرين يدعونه كمتبرع منتظم. وربما تكون هيوستن قاعدة أمريكية مناسبة لإمبراطورية أعمال "ستانفورد"، ولكنها لم تكن مكاناً أراد فيه أن يصنع اسماً كرجل محلي أبلى بلاءاً حسناً.

يقول جون أولسون، وهو رجل أعمال بارز من هيوستن، وشريك إداري في صندوق التحوط "هيوستن إينرجي بارتنرز" Houston Energy Partners: "كانت شركة ستانفورد فاينانشيال أشبه بشركة شبح في الغالب. ولم تكن تشاهد أي شخص من هذه الشركة في أي اجتماع أو مؤتمر. وبدا الأمر كما لو أنهم غير موجودين في الأساس".

رغم أن مثل تلك الاستنتاجات سهلة بالإدراك المتأخر، إلا أن "ستانفورد" – بالاشتراك مع العديد من الفضائح التي تكشفت عندما انفجرت طفرة الائتمان – كانت تصاحبها تلميحات بأن شيئاً ما غير صحيح على الأرجح. ولكن إلى جانب التمويل المهيكل، وجميع الأشكال الأخرى من الابتكار المالي المفرط في الحماس، فإن سنوات الطفرة جلبت أيضاً تأسيس نظام مصرفية الظل، حيث قدمت الأموال السهلة خيارات بسيطة إلى أولئك الذين كانوا على استعداد لافتراس الزبون الذي كان في غاية الجشع وهو يطارد العوائد الزائدة، أو أراد أن يتفادى الضرائب، أو كليهما.

يقول ويليام بريتان – كاتلين من "كرول"، شركة استشارة المخاطر، ومؤلف كتاب في الخارج: الجانب المظلم من الاقتصاد العالمي Offshore: The Dark Side of the Global Economy: "إنني شخصياً مندهش من الطريقة التي انخدع فيها أليناس من قبل السير ألين. وثمة الكثير من الأشياء التي كان بإمكان أي شخص أراد القيام بالقليل من التحقق أن يراها. وكانت هناك مزاعم متنوعة تتطاير في شتى الأرجاء منذ سنوات."

في واقع الأمر، عند البحث عن تقارير الوسيط المتاحة علنياً التي أصدرتها "فينرا" Finra، هيئة الأوراق المالية للصناعة التي تشرف على الوسطاء – المتداولين في الولايات المتحدة، فسوف تظهر غرامات مقدارها 70 ألف دولار تم فرضها منذ شهر نيسان (أبريل) 2007 على شركة مجموعة ستانفورد، وحدة إدارة الثروة الخاصة بالسير ألين في هيوستن، بما فيها 30 ألف دولار تتعلق بالإخفاق في الكشف عن تضارب مصالح في تقارير البحث. ويظهر بحث على الإنترنت يتعلق بتحليل "ستانفورد"، اتهامات هيئة الأوراق المالية والبورصات بشأن سلب الزبائن، وانتهاك متطلبات الإفصاح، ضد فريدريك موران، المحلل الإعلامي لشركة ستانفورد.

إذا كانت الإشارات التحذيرية موجودة تحت تصرف أولئك الذين يكلفون نفسهم عناء البحث، فإنه كان هناك حافز بسيط لإثارة الشكوك في أنتيجوا، حيث قام السير ألين بترسيخ نفسه على أنه أكبر صاحب شركة في القطاع الخاص. وتتضمن شركاته شركة لتطوير العقارات، وصحيفة، ومطعمين، وحتى عام 2007 ، شركتي طيران إقليميتين. وسكب مليارات الدولارات في رياضة الكريكيت، الرياضة المعشوقة للغاية في حوض الكاريبي، ورعى جائزة توينتي، وبنى ملعباً في العاصمة. وحصل على الجنسية في عام 1999، وتم منحه بعد سبع سنوات لقب فارس الكومنولث.

وضعفت علاقاته الوثيقة مع سلطات أنتيجوا في أعقاب حدوث تغير حكومي. وهناك انتخابات أخرى من المتوقع أن تعقد هذا العام.

يبدو أن جانباً كبيراً من مجموعة ستانفورد الأوسع نطاقاً معني في مشاريع مشروعة – تتراوح من وساطة الأوراق المالية الأمريكية، إلى عملية صنع السبائك. وتم حالياً تجميد أعمال جميع هذه الشركات.

بين موظفي "ستانفورد العاديين، فإن أحداث الأيام الأخيرة أحدثت ما يشبه الصدمة. وكما تذمر أحدهم قائلاً يوم الجمعة: "إن زملائي مذعورون تماماً، ولا يملك زبائني شهادات إيداع، بل يملكون أشياء مثل الأسهم والسندات – أشياء تقليدية- وسيولة. ولا يمكنهم الحصول عليها، ولا يمكنهم نقلها، ولم يبلغنا المتلقي بأي شيء".

وأضاف: "أبلغتنا شركة ستانفورد أننا ما زلنا موظفين، ولم نتلق رواتبنا، ولكن راتبي بأكمله عبارة عن عمولات، ولم أعد أتلقى عمولات, إنني شخصياً شديد الغضب من الحكومة، ومن ستانفورد، ومن الجميع". سيشاركه العديد من المستثمرين من الأثرياء إلى المودعين الفقراء في أنتيجوا بهذا الشعور.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية