الأربعاء, 14 أكتوبر 2026|2 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

خلال فترة حكم جورج بوش كان المسؤولون الأمريكيون يتهكمون أحياناً من إدمان أوروبا للاجتماعات. كانوا يقولون للأشخاص الذين يزورون واشنطن إن أمريكا لديها المقدرة والشجاعة على التصرف. وأفضل شيء يمكن لحلفائها أن يفعلوه هو الدعوة إلى اجتماع آخر لا نهاية له.

وجهة نظري هي أن من الأفضل في معظم الأحيان أن تجمع كل الناس حول طاولة اجتماع من أن تبدأ حرباً أخرى، مثلا. فقد تعلمت أوروبا هذا الأسلوب بعد عناء خلال النصف الأول من القرن العشرين. فمؤسسات الاتحاد الأوروبي، والاجتماعات المتواصلة التي تمخضت عنها، كانت هي الطريق الذي تمكنت من خلاله أوروبا من إنقاذ القارة من النزعة القومية المدمرة.

#2#

وبدراسة الدمار الذي تسببت فيه السياسة الخارجية خلال سنوات حكم بوش، ترسخت لدي هذه القناعة. فأنا أراهن على أن ديك تشيني ودونالد رامسفيلد وبقية أفراد العصابة التي تؤمن بالنهج الأحادي كانوا في قرارة أنفسهم يودون لو أنهم دعوا لاجتماع عارض – حتى لو كان ذلك فقط من أجل التفكير في ماذا ينبغي عليهم أن يفعلوا بعد غزوهم للعراق.

بعد كل ذلك، هناك بعض الحقيقة في الاتهام الموجه إلى أوروبا. فالأمريكيون أخطأوا قراءة المضامين التي انطوى عليها انهيار الشيوعية. لكن الأوروبيين أيضاً فعلوا الشيء نفسه. وأحياناً، كما أدركت أوروبا بعد تفكك يوغسلافيا السابقة، التحرك هو الرد على ذلك.

التحرك كما وضح خلال أزمة من نوع مختلف جداً، يحتاج إلى قيادة – وهي أمر كان المؤسسون للاتحاد الأوروبي يدركونه جيداً. والمشكلة أن الإرادة السياسية المطلوبة غير متوافرة. وفي ظل غيابها يعود شياطين النزعة القومية.

وفي لحظة ما خلال الخريف الماضي، عندما كانت بنوك العالم تترنح من الكارثة التي ألمّت بها، اعتقدت أن الحكومات الأوروبية ربما أدركت التحدي. وعلى نحو غريب، فإن أزمة الائتمان كانت فرصة مواتية للاتحاد الأوروبي. على الأقل كانت فرصة للاتحاد ليظهر عناصر القوة لديه، التي نجمت عن دمجه المصالح الوطنية والمصالح المشتركة.

إن السرعة التي انتشرت بها الأزمة برهنت على الارتباط الذي لا فكاك منه بين الاقتصاديات الوطنية. وانتشار العدوى يظهر أيضاً فشل الحكم في مواكبة الاندماج والتكامل الاقتصادي. ما هي أغراض أوروبا من تأسيس الاتحاد إن لم يكن التكامل فيما بينها؟ وعلى أقل تقدير، يمكن أن يقدم الاتحاد مثالاً للعالم عن فوائد العمل المشترك.

نيكولا ساركوزي، الرئيس الفرنسي، الذي كان وقتها رئيساً للمجلس الأوروبي، بدا أنه كان موافقاً على ذلك. لقد كانت الأزمة تحمل ختم "صنع في أمريكا"، والحل يحمل ختم أوروبا. ووعد ساركوزي بالتحرك.

الشهور التي تلت ذلك شهدت، بدلاً من ذلك، عودة النزعة القومية التي كانت قد انقرضت في وقت ما. إن الاقتصاد شأن عالمي، لكن حتى في أوروبا الحديثة الأزمة ذكرتنا بأن السياسة تظل مرتبطة بجذورها في الدولة الوطنية. فالإعلانات الفضفاضة عن التضامن ضاعت وحل محلها سياسات تشكلت من الضغوط السياسية المحلية.

أسوأ الأمثلة على النزعة القومية الجديدة في مجال الاقتصاد جاءت من ساركوزي. في هذا الشهر فقط، وجه انتقاداً عنيفاً لشركات صناعة السيارات الفرنسية بسبب إنشائها مصانع في جمهورية التشيك. وكان البعض منا يستغرب ما الذي حدث للسوق الأوروبية المشتركة؟

رد الفعل المرير من ميريك توبولانيك، رئيس وزراء التشيك، الذي تصادف أن يكون هو خلفاً لساركوزي في رئاسة الاتحاد الأوروبي، نكأ ذكريات تعود إلى الثلاثينيات من القرن الماضي. فلم ينس الناس في براغ أن فرنسا تخلت عن تشيكوسلوفاكيا عام 1938.

لم يكن ساركوزي وحده الذي يعاني من قصر النظر. فأنجيلا ميركل ظلت شهورا تتصرف كما لو أن الأزمة كلها عبارة عن ضجة ليس إلا حول مشكلة هي في الأساس تتعلق بتعاقب الطفرة والركود في اقتصادات النظام الرأسمالي الحر، الأنجلو – أمريكي.

الدول التي لديها فائض، مثل ألمانيا، حافظت على اقتصاداتها في وضع جيد وستخرج سالمة نسبياً من هذه الأزمة. تلك كانت هي النظرية. ومع انهيار الإنتاج الذي تشهده ألمانيا الآن بسبب انخفاض الطلب في أماكن أخرى، تعلمت ميركل الدرس في مجال التكامل الاقتصادي.

ومن جانبه، تعامل جوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا، مع الاتحاد الأوروبي بوصفه منطقة وسطى بين بريطانيا والسوق العالمية، وهي منطقة مفيدة أحياناً، لكنها في معظم الحالات مثيرة للمشاكل. ونادراً ما كان براون يقدم أي خدمات لطموحات الاتحاد السياسية، حتى لو كان كلاماً على سبيل المجاملة.

والآن، فإن براون يحذر حينا من مخاطر النزعة القومية المالية في ظل تمترس البنوك الأوروبية خلف حدودها الوطنية. وفي حين آخر يسأل كيف تتجرأ البنوك التي يوجد مقرها في لندن على تقديم قروض لجهات خارج البلاد، بينما الشركات البريطانية تتضور طالبة القروض.

خوزيه مانويل باروسو، رئيس المفوضية الأوروبية، يقول إن انبعاث النزعة القومية الاقتصادية من جديد مشكلة لا "تقتصر على أوروبا". وهو محق في ذلك، فالحمائية تتصاعد في كل مكان من واشنطن إلى دلهي.

ومع ذلك إذا لم تستطع أوروبا بما لديها من خبرة عميقة في المصالح المشتركة، من مقاومة هذه الضغوط، فكيف تتوقع الآخرين أن يدافعوا عن الأسواق المفتوحة؟ أعتقد أن باروسو يعلم ذلك. لكن تمت تنحيته جانباً بسبب الانعاكسات القومية للعواصم الوطنية.

أنا لا أعتبر نفسي ضمن أولئك الذين يعتقدون أن الركود العالمي بالضرورة مقدمة لرؤية سياسية واجتماعية. فقد قاومت هذا الإغراء لكون أكدس الطعام المعلب والمياه المعبأة في دواليب منزلي. والحرب بين الدول الأوروبية تظل احتمالاً بعيداً، لأن معظمها لم يعد لديها أعداء بمعنى الكلمة. والتي لها أعداء، فهم غير متحمسين في الغالب لجعل جنودهم يخرجون في جنح الظلام.

لكن الضغوط حقيقية. فالنزعات الحمائية في أنحاء القارة المختلفة – من احتجاجات ضد العمال الأجانب في بريطانيا إلى الحملات التي ترفع شعار "اشتري البضائع الفرنسية" في باريس – تذكر الناس لماذا قرر القادة الذين كانوا يتسمون ببعد النظر، أن السلام والرخاء يجب أن يقوما على تعاون مؤسسي.

والخطورة تكمن الآن في أنه كلما أصبح الكساد أعمق، أصبحت الاضطرابات الشعبية مكتفية ذاتياً: أي إجراء دفاعي هنا من شأنه أن يضرم نيران النزعة القومية في مكان آخر، ما يؤدي إلى تفكيك السوق الموحدة. وبلدان الاتحاد حديثة العهد بالديمقراطية في شرق ووسط أوروبا معرضة للخطر بصفة خاصة. فهل يريد ساركوزي حقاً، إلغاء التوسعة وخلق صدع جديد يحل محل الصدع الذي تم محوه بانهيار الشيوعية؟

السياسيون في أوروبا يريدون أن يكون لهم صوت مسموع في المسرح العالمي. وبالنسبة لبراون لا يوجد شيء أهم من قمة مجموعة الـ 20 المقبلة التي ستعقد في لندن. ومع ذلك ما الصدقية التي يملكها هو أو أي أوروبي آخر، وسط اللغط والخلاف الدائر في أوروبا؟

قادة الاتحاد الأوروبي قرروا عقد عدة اجتماعات تخصهم خلال الأسابيع القليلة المقبلة. فهي توفر فرصة لاستعادة مظهر من مظاهر التماسك، لكن في بعض الأحيان الاجتماعات في حقيقة الأمر ليست كافية. ما نحتاجه من كل من ساركوزي وبراون وميركل هو قيادة سياسية تدرك أنهم إذا لم يتحدوا ويتضامنوا، فمن المؤكد أنهم سيتفرقون.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية