أصبح الرئيس الروسي، ديميتري ميدفيديف، يتقن فن إلقاء الخطابات المتلفزة ذات اللهجة الحميمة بشأن الأزمة المالية. ولكنه تأخر بعض الشيء. فمع انتشار البطالة وهبوط الإنتاج الصناعي وتسارع التضخم وانخفاض الروبل وتقلب الميزانية، بدأ المواطنون الروس بالتساؤل حول ما يحدث. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الكثير منهم - أكثر من نصف السكان - لا يعرفون ما تفعله الحكومة لمساعدتهم.
وحين بدأ اقتصاد روسيا الذي يغذيه النفط بالدخول في الركود في الخريف الماضي، بعد وقت أطول من الكثير من اقتصادات الدول الأخرى، خنق الكرملين المناقشات العامة، وحمّل أمريكا مسؤولية "إصابة بقية العالم بالعدوى". وتبين بالفعل أن المرض معد للغاية، وسرعان ما انخفضت أسعار النفط العالمية وفقد مئات الآلاف من الروس وظائفهم. ولم يعد الصمت المطلق ناجحا. ويقول ميدفيديف الآن للروس من خلال شاشة التلفزيون الروسي: "من المهم جدا قول الحقيقة". وأصبح الكرملين أكثر صراحة بشأن خطورة الظروف الاقتصادية. وبعد أن أمضت وزارة الاقتصاد أسابيع في توقع عدم نمو الاقتصاد أو ربما تقلصه بنسبة بسيطة هذا العام، تعترف الآن أنه سيتقلص "على الأرجح" بنسبة 2.2 في المائة. وتقول إن السبب في ذلك هو أن الاستثمار سينخفض عام 2009 بنسبة 14 في المائة.
وتعد تلك ضربة قاسية بصورة خاصة بالنسبة للدولة التي ازدهرت خلال السنوات الثماني الماضية، والتي بلغ نمو ناتجها المحلي الإجمالي السنوي 8 في المائة. ويعتقد اقتصاديون مستقلون أن نسبة تقلص الناتج المحلي الإجمالي المتوقعة البالغة 2.2 في المائة متفائلة جدا. فاعتمادا على سعر النفط، قد يتقلص بنسبة 5 في المائة أو حتى 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد خسر مؤشرا البورصة الرئيسيان نحو 80 في المائة منذ ذروتهما العام الماضي. وخسر الروبل أكثر من 30 في المائة من قيمته مقابل الدولار. وفي الوقت نفسه، فإن أسعار المواد الغذائية، المستوردة في معظمها، لا تزال مستمرة في الارتفاع.
ويسبب انخفاض سعر النفط مشكلات أخرى أيضا. فالمسؤولون يقولون إن روسيا تواجه عجزا في الميزانية هذا العام بنسبة 8 في المائة تقريبا. وتحدث بوتين عن "تحسين الميزانية إلى أقصى حد". وسيتم تخفيض ميزانية الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2014 في Sochi بنسبة 15 في المائة، وهي الألعاب التي يأمل الكرملين أن تجلب معها المجد والذهب. ومع ذلك، لم يمنع هذا التقشف الروس من التبرع بمليارات الدولارات من القروض إلى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق مثل قيرغيزستان وبيلاروس من أجل توسيع مصالحها الجيوسياسية.
وأنفق الكرملين أيضا أكثر من 200 مليار دولار من احتياطياته لدعم تخفيض قيمة الروبل وتجنب انتشار الشعور الذعر لدى الشعب. ولا يزال لديه أكثر من 380 مليار دولار، التي تعد ثالث أكبر احتياطيات في العالم، مما أثار نقاشا حادا حول الطريقة الأفضل لاستخدامها. ويشعر البعض، مثل Yuri Luzhkov، بالإحباط بسبب عدم إنفاق هذه المبالغ الهائلة ويريد أن يتم صبها في الاقتصاد. إلا أن هناك آخرين، مثل وزير المالية الليبرالي،Alexei Kudrin، يخالفونه في الرأي. وينتظر نحو 500 ألف روسي تسلموا أجورهم المتأخرة التي تتناقص قيمتها بسرعة مع بلوغ التضخم نسبة 13 في المائة. وشهد الكثير منهم تخفيض إنتاج المصانع التي يعتمدون عليها في معيشتهم أو حتى إيقاف خطوط التجميع. فقد ظل الحزام الناقل في مصنع Avtovaz الضخم للسيارات، والذي ينتج سيارة Lada، متوقفا معظم أوقات هذا العام. وفي كانون الثاني (يناير)، انخفض الناتج الصناعي بنسبة 16 في المائة، وهو أشد انخفاض منذ سنوات.
وقد ارتفع معدل البطالة في روسيا إلى 7.7 في المائة في كانون الأول (ديسمير)، وهو أعلى معدل منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2005. وقالت الحكومة إن هذا يعني أن 5.8 مليون روسي عاطلون عن العمل. إلا أن معدل البطالة غير الرسمي أعلى بكثير، والكثير من الروس الذين يقولون إن لديهم وظائف هم في الواقع في إجازة غير مدفوعة الأجر لأجل غير مسمّى الآن. ويشعر حتى الأثرياء بتأثيرات ذلك. فقد جاء في قائمة الأثرياء الجديدة المنشورة في مجلة Finans أن عدد أصحاب المليارات من الدولارات انخفض بنسبة تزيد على النصف ليصبح العدد 49 بسبب الأزمة.
وهناك بعض الدلائل التي تشير إلى الاستياء. ففي ميناء Vladivostok في أقصى الشمال، خرج الآلاف إلى الشوارع للاحتجاج على الرسوم الجمركية المرتفعة على السيارات اليابانية المستعملة، التي تعد مبيعاتها العمود الفقري للاقتصاد المحلي. وفي إشارة تدل على توتر الكرملين، تم إرسال شرطة مكافحة الشغب من موسكو للتصدي لتلك المشكلة. ويتوقع المحللون المزيد من الاضطرابات في المدن التي تعتمد بالكامل على مصنع واحد مضطرب أو صناعة واحدة تعاني المشكلات، ويوجد الكثير من هذه المدن في روسيا. إلا أن الإشارات محدودة حتى الآن.
وبناء على ذلك، تؤثر هذه الأزمة الاقتصادية سلبا في مستويات تأييد ميدفيديف وفلاديمير بوتين، الذي أصبح الآن رئيسا للوزراء، مع أن استطلاعات الرأي تشير إلى أنهما لا يزالان يحظيان بمستويات تأييد تزيد عن 65 في المائة. كما إن سياسة الكرملين الغامضة مثيرة للمشكلات أيضا. فالبعض يعتبر نشاط ميدفيديف الجديد محاولة للانسحاب بعيدا عن نفوذ بوتين. ويعتقد آخرون أن رئيس الوزراء يدفعه للأمام بحيث يجعله يتلقى اللوم. وأيا كان الأمر، بدأ كثيرون بالسقوط، فقد طرد ميدفيديف أربعة من حكام الأقاليم. ويمكن توقع المزيد من قرارات الإقالة عن العمل مع تفاقم الوضع الاقتصادي.
