قد لا تتوافر إجابة إحصائية دقيقة عن هذا السؤال، غير أن المؤكد أنه لا شيء يتجاوز اعتمادات القطاع الصحي في موازنات الدولة سوى التعليم، ومع هذا ورغم كل هذا الإنفاق السخي والمتنامي على القطاع الصحي إلا أنه ومهما كان حجم الإنفاق عليه، سيظل أقل من أن يتصدى لهمومنا الصحية المتزايدة.
مئات المليارات تنفق كل عام على الأدوية، وبناء المستشفيات، والمستلزمات الطبية، وما يُسمى برامج الرعاية الصحية، لكن كل هذا لم يمنع تدفق المرضى على أربعة أو خمسة مستشفيات تسمى المستشفيات المرجعية، ولم يمنع الرحلات العلاجية المتتالية لبعض دول الجوار، بل لم يمنع تكاثر المستوصفات الأهلية، ولا حتى اشتغال سوق الطب الشعبي والعطارين.
مستشفيات المناطق في معظم الأحوال تحولت إلى ما يشبه أقسام الطوارئ التي تستقبل المرضى بالمسكنات لحين توافر سرير في المشافي الكبيرة، فيما أصبح الحصول على سرير فارغ في هذه المشافي كالبحث عن العملات الصعبة في جيوب المعدمين.
المسؤولون في الصحة يعلقون كل آمالهم في تصحيح هذا الواقع على برامج التأمين الصحي، وهي البرامج التي لم تولد بعد بشــــكلها النهائي، وهذه البرامج قد تكون جزءا من الحل، لكنها حتما لن تكون كل الحل، وذلك لسبب بسيط، وهو أننا ما زلنا نتعامل مع المشكل الصحي على اعتبار ما هو قائم لا على ما يجب أن يكون، نتعامل مع تزايد الأمراض كواقع لا مفر منه دون البحث في مسبباتها عبر الصحة الوقائية، إلى الحد الذي دفعنا مسؤولين ومواطنين للقبول بتلك الثقافة المقلوبة، التي تجعل من ارتفاع عدد المراجعين للمستشفيات، وعدد العمليات التي أُجريت فيها أحد أهمّ معايير نجاح الخدمات الصحية، في حين أن العكس هو الصحيح.
الأسواق المحلية تكتظ بالمئات وربما الآلاف من البضائع المقلدة، والمسرطنة، والصحة لا يبدو أن لها أيّ علاقة بهذه البضائع التي تدفع كل يوم بمزيد من المرضى للمستشفيات، بحكم أنها مسؤولية جهات أخرى كالتجارة وحماية المستهلك.. رغم أنها وحدها من يتحمل تبعات ونتائج تسويق تلك البضائع، بعد أن تتحول إلى أمراض مستعصية تستنزف مقدرات الصحة.
أيضا قصور التوعية في برامج التعليم، والإعلام، ومنابر الجمعة وغيرها، تدفع فاتورته وزارة الصحة والمستشفيات الكبيرة، بعد أن يتحول بفعل الجهل إلى حزمة من الأمراض التي تستدعي العلاجات المكثفة.
كل يوم نقرأ عن شامبوهات مسرطنة، وزيوت ضارة ومشروبات وعصائر وحليب ملوث، وحلويات بأصباغ مصنعة مشكوك في سلامتها صحيا، وأحيانا حتى أدوية تضر ولا تنفع.
كل هذه الأشياء وغيرها هي عبارة عن فواتير مؤجلة وواجبة الدفع على وزارة الصحة.. لأنها ستتحول بالنتيجة طال الزمن أو قصر إلى علل مرضية على الوزارة أن تتصدى لها، في حين أنها على أرفف المتاجر مجرد بضائع تدر كثيرا من الأرباح على منتجيها ووكلائهم. والحال يقول: إنه لو اختفت بعض هذه السلع القاتلة من الأسواق لوجدت الوزارة في موازناتها ما يكفي لتقديم خدمة صحية أفضل، بدلا من هذه التعاقدات الكبيرة على الأدوية وعلى الأطباء التي أدخلت الأطباء البنجال ضمن خيارات الوزارة ربما اضطرارا.
هذا ليس دفاعا عن وزارة الصحة، وإنما مجرد مقاربة للواقع في صميم إشكاله، ولو أن الوزارة تخلت عن حيادها فيما لا يقع تحت تخصصها مباشرة، وامتلكت الجرأة، وخصصت جزءا مُقنعا من موازنتها لتطوير مختبراتها أولا، ثم فحص تلك السلع فيها، وقدمت تقريرا علميا موثقا بالاسم بأيّ سلعة يثبت عدم صلاحيتها طبيا للناس، على قاعدة أن حياة المواطن وصحته تظل هي الأغلى، لوفرت على موازنتها كثيرا من تلك التبعات التي تتكبدها وحدها، وتتسبب في إعاقة برامجها التطويرية، طالما أن قواعد السوق الحر قد لا تُتيح للجهات الأخرى منعها من السوق تحت طائلة الشكوك.. رغم أن القاعدة تقول: إن الشك هو محامي اليقين.
