الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

المتابع للقضية الفلسطينية ويقرأ عنها منذ عام 1860 بشكل خاص يجد أن اليهود قد وضعوا استراتيجية واضحة ومرتبة وذات أولويات مدروسة بعناية لم يكن الزمن ذا تأثير عليها، ولكن الهدف ينطلق وفقا لقاعدة ما يجب أن تكون عليه إسرائيل والتجمع اليهودي في نهاية المطاف وتأكيدهم على أن عودة المسيح، عليه السلام، مرتبطة بعودة اليهود لفلسطين وهدم المسجد الأقصى وإنشاء هيكل سليمان ولهذا جاء هذا الهدف كمحرك لليمين الأمريكي المتطرف المؤمن بالنظرية اليهودية.

اعتبارا من 1948 وبداية الهجرة القومية اليهودية إلى إٍسرائيل وبدء المقاومة الفلسطينية لهذه الهجرة والمجتمع الفلسطيني لا يملك الاستراتيجية لما يجب أن يعمل لمنع الاحتلال بالمقاومة المسلمة، هذه المقاومة التي أخذت أشكالا مختلفة من الاغتيالات أو اختطاف الطائرات إلى أطفال الحجارة، رحلة لم يستطع الفلسطينيون خلالها وضع رؤية استراتيجية لكيفية إخراج المحتل وأخذ الدعم العالمي لإخراجه مثلما حدث مع جنوب إفريقيا مع أن جنوب إفريقيا لا يمكن أخذها نموذجا للقضية الفلسطينية لاختلاف الأهداف والمطامع، ولكن المقاومة في جنوب إفريقيا أخذت بالبعد السياسي الإنساني دون بعد المقاومة المباشر، خصوصا أن الحالتين متشابهتان بين فلسطين وجنوب إفريقيا كمقاومة لقلة الإمكانات العسكرية في أي المقاومين الفلسطينيين وجنوب إفريقيا، كما أن اليهود قاتلهم الله يستغلون كل مقاومة فلسطينية لقتل العدد الأكبر منهم، كما حدث في كل الحروب التي حدثت خلال السنوات الماضية حتى غزو غزة.

السلطة الفلسطينية أو المقاومة الفلسطينية خلال رحلة الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي تعلمت ونضجت بشكل مقبول وتعلمت من الأخطاء العربية والنعرة العربية والهمجية العربية والاستغلال العربي للقضية الفلسطينية وبدأت في تشكيل رؤية تحفظ للشعب الفلسطيني حقه في الاستقرار وإيجاد دولته حتى وإن كانت على ساقه أقل من القليل، ولكن الهدف هو وضع قدم للسلطة الفلسطينية داخل الأرض الفلسطينية والبدء من هناك في تحريك المطالبة بالحق الفلسطيني على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، هذا الهدف الاستراتيجي لم يعجب إسرائيل، لأنها استوعبت أن هذا الاستقرار الفلسطيني يعني وجود دولة ومؤسسات للدولة وشعب وجوازات وانتماء سكاني وعلاقات دولية مع اعتراف دولي كامل بدولة فلسطينية ووضع هذه الدولة الفلسطينية على الخريطة العالمية، وستنظم هذه الدولة الفلسطينية الجديدة لجميع المنظمات الدولية وتفوز بالدعم الدولي إلى آخر المتطلبات الطبيعية لدولة جديدة، وبهذا تفقد إسرائيل فرصة استمرار الحرب مع الفلسطينيين وقتلهم، خصوصا القيادات الشابة المؤمنة بالحق الفلسطيني، ولهذا استغلت إسرائيل التعريف الأمريكي العالمي للإرهاب، وعملت على جعل دويلتهم دويلة مستهدفة من الإرهابيين وطبعا الأمر هنا يتطلب إيجاد كيان فلسطيني جديد يمكن الاعتماد عليه من خلال وصفه بالإرهاب وأعضائه ومسؤوليته بالإرهابيين وهو ما حدث مع "حماس" من خلال أخذ المباركة الأمريكية والعالمية على اعتبار أن "حماس" منظمة أو حزب إرهابي يجب القضاء عليه وتدميره، هذا التصرف للأسف الشديد انطلى على أعضاء حزب حماس، وبهذا نجحت إسرائيل لدفعهم للتحرش بها وإظهارهم بالإرهابيين الذين يجب القضاء عليهم ومما ساعد على ذلك بشكل مقصود طبعا هو ما حدث في العراق وأفغانستان، وما يحدث في السودان من تصنيف لهذه الدول وقياداتها بالإرهابيين حتى شعوبها أصبحت شعوبا إرهابية في نظر الشعوب الأمريكية والأوروبية والعديد من دول آسيا، وبهذا كسبت إسرائيل تعاطف حكومات وشعوب تلك الدول معها، هذه الاستراتيجية الإسرائيلية للرد على النضوج الفلسطيني، ووجدوا الاستراتيجية الفلسطينية التي تسعى لتكوين دولة، جعل إسرائيل تستغل "حماس" وفورتها العربية والإسلامية لتحقيق أغراضها بما يسمح لإسرائيل للقيام بالمزيد من التدمير والقتل للفلسطينيين وإرباك الإنسان العربي الذي يعيش هذه الأزمة الإنسانية الإسلامية، وبهذا فإن إسرائيل حققت هدفين استراتيجيين هما إبقاء الحرب مع الفلسطينيين واستمرار الضغط النفسي في المجتمع العربي بشكل خاص والمجتمع العربي الإسلامي بشكل عام، هذا الضغط الذي يجعل القدرة على تطوير الإنسان العربي والارتقاء به أمر مستحيل، لأن العوامل النفسية السلبية والإحساس بالكآبة والظلم تقتل النفس وتضعفها عن تقديم العطاء المتميز، وبهذا يستمر الشعب الفلسطيني تحت الحصار والقتل والشعوب العربية والإسلامية تحت الاضطهاد والإحساس بالظلم.

لقد استغلت إسرائيل حليفين استراتيجيين في المنطقة هما إيران وحزب الله ومن يدور في فلكهم لإعطاء الدعم الوهمي لـ "حماس" ودفع الوعود الكاذبة لها لضمان اندفاع الأخوة في حماس نحو المواجهة ومع أنني لا أجزم بوجود متسللين بين قيادات "حماس" من الشيعة إلا أنني أؤكد وأجزم أن التأثير الإيراني على "حماس" كبير جدا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الحلفاء، وإسرائيل بهذا الحلف تحقق ما تريد لنفسها من وجود دولة إسرائيلية دون أدنى مضايقة وتحقق لإيران طوقا إيرانيا شيعيا من إيران حتى لبنان يخنق الدول الواقعة داخله وستبدي الأيام الكثير من الحقائق القريبة من هذا الاعتقاد.

إن المطلوب هو دولة فلسطينية قوية إداريا من خلال مؤسساتها الحكومية التي تصنع مفهوم الدولة القوية وتستفيد من تجارب الدول الناهضة الجديدة مثل سنغافورة وماليزيا، خصوصا إذا عرفنا أن رجال الأعمال الفلسطينيين والعرب والمسلمين سيندفعون ـ بإذن الله ـ لبناء دولة عصرية قوية اقتصاديا في وسط الوجود اليهودي، وبهذا تصبح الدول الفلسطينية قبلة العالم أجمع لما تختص به من إمكانات دينية بوجود المسجد الأقصى والمعابد المسيحية وموقع جغرافي اقتصادي يربط الشرق بالغرب وبهذا تخنق إسرائيل في محيط ضيق لا تجد فيه الفرصة للنمو أو التطور، ويكون حالها مثل حال جار السوء في الحي النظيف عندما يجد ذلك الجار السيئ أنه غير مرحب به فلا يجد دون المغادرة والبحث عن مسكن آخر أو مثل الفيروس في الجسم السليم لا يجد إلا المقاومة القومية من الجسم، هذا النموذج سيحرج إسرائيل وكل أنصارها في العالم، خصوصا مع بزوغ اليمين الإسرائيلي المتطرف وهو ما يتطلب تضافر الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية لمواجهته بالهجوم السياسي والدبلوماسي والإعلامي أمام العالم أجمع, أما إسرائيل وأنصارها فإنهم وبكل تأكيد يتمنون لفلسطين نموذج تورابورا حتى يدمروا كيف يشاؤون دون رقيب أو حسيب، والله من وراء القصد.

وقفة تأمل:

" يا فلسطين التي كدنا لما كابدته من أسى ننسى أسانا"

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية