في باريس، خرج أعضاء النقابات إلى الشوارع. وفي شتى أرجاء أثينا، أغلق المزارعون الطرق السريعة. أما في ريكافيك، فإن شرطة مكافحة الشغب تقوم بجولات حراسة. وفي الوقت الذي يشعر فيه زعماء أوروبا بحرارة غضب الناخبين بشأن الانكماش، فإن جوردون براون، رئيس وزراء بريطانيا، برز دون مساس بطريقة ما – وربما معززاً – من الاضطراب الاقتصادي. ولكن حتى الآن فقط.
لعدة أشهر، فإن براون امتص الزخم السياسي من الاقتصاد المتراجع. وبعد أن تلقى الثناء من الزعماء الأجانب، وعلماء الاقتصاد الحائزين على جوائز، لمعالجته الواضحة البصيرة للانكماش، شهد براون صعوداً في شعبيته خلال فصل الخريف. وعندما قال لأعضاء البرلمان في العام الماضي إنه "قام بإنقاذ العالم"، فإن زلة لسانه أفصحت عن وجود أثر للثقة بالنفس في دواخله.
لكن شهر كانون الثاني (يناير) كان قاسياً، إذ إن الواقع السياسي أعاق براون الذي زعم في الماضي أنه قضى على مبدأ "الطفرة والانفجار". ويواجه براون وحزب العمال الذي ينتمي إليه آفاق خوض معركة انتخابات عامة، والبلاد في قبضة أسوأ أزمة اقتصادية منذ 60 عاماً.
تغير المزاج العام للحزب الذي ينتمي إليه براون. وقبل عيد الميلاد، ساد شعور بأن رئيس الوزراء يستطيع تحقيق الفوز في الانتخابات التي يجب أن تعقد بحلول شهر حزيران (يونيو) 2010. والآن، ثمة شعور بالتشاؤم يسود بين أعضاء الحزب. ويقول إيان جيبسون، وهو عضو في البرلمان من حزب العمال: "ثمة العديد من الناس ممن يتملكهم اليأس، وهم يتطلعون إلى ما سوف يفعلونه بعد الانتخابات المقبلة".
يقع جانب من اللوم على براون وفريقه بسبب هذا المزاج المتشائم. وتوقع أليستر دارلنج، وزير المالية، قبل ثلاثة أشهر فقط أن بريطانيا سوف تبدأ بالخروج من الهبوط خلال الصيف. ومن شأن ذلك أن يسمح للجهور بأن يلمس التعافي لعدة أشهر قبل أن تتم دعوته إلى الانتخابات.
فهم دارلنج الأمر بشكل خاطئ تماماً، وبحلول عيد الميلاد عرف ذلك. ولكن لم يستعد أعضاء البرلمان من حزب العمال للتقييم الأخير الذي أجراه صندوق النقد الدولي، وذكر فيه أن الاقتصاد البريطاني سوف يتقلص بنحو 2.8 في المائة هذا العام، وهو أسوأ أداء قياساً بأي دولة صناعية متقدمة. وجاء توقع صندوق النقد الدولي في أسوأ وقت لبراون الذي يحاول إقناع أعضاء البرلمان من حزب العمل المترددين على اجتياز ردهات التصويت دعماً لمدرج الهبوط الثالث المثير للجدل في مطار هيثرو بلندن، السيئ السمعة والمزدحم .
تمتم أحد أعضاء الوزارة السابقين، وهو خارج من مجلس العموم، ويقرأ الأخبار حول توقع صندوق النقد الدولي على جهازه البلاك بيري: "هذا كل ما نحن بحاجة إليه". وزعم بعض أعضاء البرلمان من حزب العمال أن براون أوشك على البكاء عندما كان يتوسل إليهم لدعم التوسع في المطار، مجادلاً بالقول إن أية هزيمة من شأنها أن تزعزع استقرار حكومته. ويرفض مسؤولوه في "داوننج ستريت"- مقر الحكومة- الفكرة بأن براون كان على وشك البكاء بأنها "سخيفة" – لكن ضغوط التعامل مع الانكماش بدأت بالظهور. فما الذي حدث للرجل الذي تم الثناء عليه وكأنه "الرجل الخارق" في العام الماضي؟ وهل يستطيع أن يتحدى القوة السياسية مرة أخرى، ويقود حزب العمال إلى نصر انتخابي رابع على التوالي؟
تنبع بعض مشكلات براون الحالية مما كان ينظر إليه على أنه نجاحاته في محاربة الانكماش في الخريف الماضي. وتم الترحيب بعاصفة المبادرات التي أطلقها رئيس الوزراء – على الأخص مبادرته المبدعة لإعادة رسملة البنوك بنحو 37 مليار جنيه إسترليني (53 مليار دولار، 41 مليار يورو)- بحرارة من جانب الجمهور، الأمر الذي ترك حزب المحافظين المعارض يلهث في أعقابه.
اعتقد رئيس الوزراء أن التاريخ إلى جانبه. وحيث إنه تلميذ متحمس لمعالجة فرانكلين ديلانو روزفلت للكساد الأمريكي – بما في ذلك أول خطوة قام بها فرانكلين روزفلت لجعل البنوك مستقرة- قرر براون أن يحذو حذو الرئيس الأمريكي في إلقاء كل شيء على المشكلة. ويتذكر الزملاء النقاش الذي دار مع براون بشأن تقييم روبرت كارو، كاتب السيرة الذاتية السياسية، الذي كتب السيرة الذاتية لفرانكلين روزفلت: "إذا لم تنجح تلك التدابير، فإنه سوف يكون أول من يعترف بذلك، وسوف يحاول شيئاً آخر".
بعيداً عن إنقاذ البنوك، تمخضت آلة "داوننج ستريت" عن موجة من المبادرات التي تعمل لمساعدة مالكي البيوت على تفادي مصادرة بيوتهم، وضخ السيولة في الشركات الصغيرة، والسماح لبنك إنجلترا بتقديم الدعم إلى الشركات الكبيرة، وتقديم ضمانات القروض إلى شركات صناعة السيارات – وهي إجراءات تبلغ قيمتها مجتمعة مئات المليارات من الجنيهات. لكن، بدا أن السياسيين، والجمهور، يطرحون حالياً السؤال ذاته: لماذا لا ينجح أي منها؟ وتبلور هذا المزاج عندما كشف براون عن حزمة ضخمة أخرى من ضمانات القروض لجعل البنوك تبدأ في الإقراض، والتي أطلق عليها "عملية إنقاذ البنوك الثانية".
كان التوقيت سيئاً للغاية: تزامنت خطته مع إعلان بنك رويال بنك أوف سكوتلندا عن تكبده لأكبر خسائر في تاريخ الشركات البريطانية. وفي اليوم الذي حاول فيه براون إحياء الثقة في النظام المصرفي، انهارت أسعار أسهم البنوك، الأمر الذي ترك أسهم المؤسسات القوية مثل "رويال بنك أوف سكوتلندا"، تتداول بأكثر قليل من بنس للسهم.
كانت الضغوط تكشف عن موقف رئيس الوزراء. وبعد أن أمضى ذلك الأحد في جولة في الشرق الأوسط – غادر لندن الساعة 4.30 صباحاً، وعاد في منتصف الليل – فإنه واجه الصحافة الساعة التاسعة صباحاً، وقابله أحد الصحافيين الذي أشار إلى أن اقتصاد بريطانيا بدأ يشبه اقتصاد أيسلندا. وانزعج براون – وفيما بدا وكأنه تهديد – حذر الصحافي بقوله "عليك أن تكون حذراً للغاية إزاء الكلمات التي تستخدمها".
يخشى أعضاء البرلمان من حزب العمال، من أن يكون لوتيرة العمل الدؤوب الذي يقوم به براون، وتراجع الاقتصاد، ضريبتهما عليه. وخلال "حيوية براون" في الخريف الماضي، كان رجلاً مرحاً ومولعاً بالقتال في مجلس العموم. ولكنهم يخشون الآن من أنهم يبدأون برؤيته يعود إلى كونه الشخصية المرهقة والآلية، التي كان عليها في الصيف الماضي. إما جون كروداس، وهو عضو برلمان من حزب العمال حر التفكير، فإنه كتب مفكراً بصوت عالٍ في صحيفة "إندبندنت" بشأن حاجة براون إلى إيجاد طريقة للتواصل مع الناخبين، ومتمنياً أن يستطيع رئيس الوزراء أن يظهر بعض "الذكاء العاطفي" الذي يظهره ديفيد كاميرون، زعيم حزب المحافظين.
أثناء جلسة في مجلس العموم، تلقى براون ستة أسئلة من كاميرون، وانتهى الأمر به وهو يقول الأمر ذاته تماماً عندما أجاب على كل سؤال منها: بأن زعيم حزب المحافظين لن يستطيع فعل "أي شيء" لمحاربة الانكماش.
لكن بعض أعضاء البرلمان من حزب العمال يعتقدون أن براون يحاول فعل الكثير. وفي اجتماع وزاري في الآونة الأخبرة، طالب الوزراء بتوضيح بشأن جميع المبادرات الحكومية، وسألوا كيف يمكن تقديمها إلى الجمهور. ويعترف أعضاء البرلمان من حزب العمال بأنهم ارتبكوا بسبب "عاصفة" التصريحات.
يقول جيبسون: "لا توجد استراتيجية كلية". أما أعضاء البرلمان الآخرون فإنهم أقل رغبة في الإعلان عن شكواهم علنياً، ولكن أحدهم يقول ببساطة: "لا توجد قيادة". ويعلق وزير سابق بقوله: "نبدو وكأننا نطارد الكرة كامل الوقت، وعلينا أن نستبق الأحداث".
يعترف فريق براون بأن المزاج العام تغير، وأن كاميرون وجد في النهاية رسالة تلقى صدى لدى الناخبين، مركزاً على ما يزعم زعيم حزب المحافظين بأنها محاولات حزب العمالة المكلفة ولكن الفاشلة، لمنع الانكماش. غير أن المطلعين في"داوننج ستريت" يشيرون إلى أن براون في مركز أقوى بطريقة ما، من العام الماضي، عندما حاول أعضاء البرلمان من حزب العمال التخلص منه، وفشلوا. ويقول أحد الوزراء: "أطلقوا رصاصاتهم، ولكنهم أخطأوا، وما من أحد يتحدث عن تحدي القيادة الآن".
عمل براون على تعزيز وتوحيد وزارته – حيث أعاد بيتر ماندلسون من بروكسل، وعينه وزيراً للعمل الأمر الذي ساعد على رأب النزاعات القديمة بين معسكر براون وأنصار توني بلير، سلفه. أما آلة "داوننج ستريت"، التي كانت في الماضي عش الأفعى للمؤامرات والطعن من الخلف، فإنها تعمل الآن بسلاسة.
إضافة إلى ذلك، ما زال أمام رئيس الوزراء بضع أوراق يلعبها. ومن المتوقع أن يذهب خلال الشهر الحالي إلى واشنطن لمواجهة الرئيس باراك أوباما، وستكون أمامه فرصة في شهر نيسان (أبريل) ليعرض براعته في السيطرة على تفاصيل الانكماش عندما يستضيف قمة مجموعة البلدان العشرين الصناعية والنامية في لندن – وهي مناسبة سوف يستغلها لتذكير الناخبين البريطانيين بأن الهبوط عالمي. وأخيراً، هناك ميزانية الربيع، وهي الفرصة الأخيرة لحكومة براون لاقتراض المزيد من الأموال، لمساعدتها على الإنفاق للخروج من الانكماش.
يعترف الاستراتيجيون في حزب المحافظين بأن المزاج السياسي بالكاد كان أكثر تقلباً، وأن الأمور يمكن أن تتغير بسرعة. وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى تقدم حزب المحافظين برقم ذي خانتين على حزب العمال، ولكن قبل أسابيع قليلة فقط، كان كاميرون يتوقع سراً أن يشهد انفجار الانكماش القوي الخاص ببراون، تقدم حزب العمال.
تأتي لحظة ما، على أية حال، تعرف خلالها أية حكومة بأن اللعبة انتهت. وإن دوامة التغذية الراجعة السلبية لاستطلاعات الرأي السيئة، والانضباط البرلماني المنهار، أمران معروفان لأي شخص شهد الأيام الأخيرة لحكومة المحافظين التي كان يرأسها جون ميجور في عام 1997. وفي الشهر الماضي، كان لحزب العمال فضيحته "المهلهلة" الخاصة به – زعم أن أعضاء من مجلس اللوردات عرضوا التأثير على السلطة التشريعية مقابل مبالغ من الزبائن. وبغض النظر عن الحقيقة، فإن الحادثة تعطي إشارة أخرى محتملة للتدهور السياسي الذي ميز نهاية رئاسة ميجور، و18 عاماً من حكم المحافظين.
يتذكر بيتر ليلي، وكان وزيراً في وزارة حزب المحافظين في ذلك الوقت: "يمكنني أن أتذكر أن الأمر كان مسلماً به بأننا سوف نخسر. وعندما أعلن جون ميجور عن الانتخابات، قام بعمل مذهل وذكي، وأعطى الانطباع بأنه كان يعتقد بأننا يمكن أن نفوز. ولست متأكداً من أن أياً منا صدق الأمر لأكثر من جزء من الثانية".
يقول ليلي إنه يستبين شعور التشاؤم ذاته يزحف إلى حزب العمال. ولكنه، مثل أعضاء حزب المحافظين الآخرين، فإنه يعرف أن رئيس الوزراء لن يستسلم دون قتال: "إذا كان هناك أي شخص يعتقد أن بإمكانه الفوز، فإنه جوردون براون".

