الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

ما الذي ينبغي أن يعلمنا إياه "العقد المفقود" في اليابان؟ حتى قبل عام من الآن، بدا أن هذا السؤال سخيف. كان الإجماع المستنير لوجهات النظر هو أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما من الاقتصادات الغربية المثقلة بالديون، لا يمكنها أن تعاني ما عانته اليابان. أما في أيامنا هذه، فتغير السؤال إلى ما إذا كانت هذه الدول تستطيع أن تتصرف كما تصرفت اليابان. فمرحباً بعالم تنكمش ميزانياته.

كما لاحظت سابقاً، أفضل تحليل لما شهدته اليابان هو الذي أجراه ريتشارد كو من معهد أبحاث نومورا* وتم تجاهل نقطته الرئيسية، على بساطتها، من جانب الاقتصاد التقليدي: مسألة تتعلق بالميزانيات. وحين تكون الجهات المبالغة في الاقتراض مهددة بالإفلاس، فإنها تصارع من أجل سداد ديونها بالتدريج. وحدوث انهياراً في أسعار الموجودات التي تم شراؤها بالدين ستكون له آثار أشد تدميراً مما لو حدث الانهيار نفسه في ظل وجود القليل من الدين.

#2#

يجادل كو بأن معظم تراجع الإنفاق الياباني الخاص، والقروض في التسعينيات لم يكن بسبب وضع البنوك، بل بسبب أوضاع المقترضين منها. وكان ذلك وضعا، حسب جون ماينارد كينز، تدنت فيه الفوائد - كانت في اليابان، وعلى مدى سنوات، في أدنى مستوى يمكن أن تصل إليه – حتى أصبحت "تدفع على حبل مشدود". وظل المدينون يسددون قروضهم بالتدريج.

فما مدى ما تفيدنا به وجهة النظر هذه للخروج من الورطة التي نعاني منها في الوقت الراهن؟ الإجابة هي أنها تفيدنا كثيراً.

أولاً، المقارنات بين هذه الأيام والانكماشات العميقة في الثمانينيات مضللة تماماً. كان الدين الأمريكي الخاص عام 1981 يعادل 123 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ بحلول الربع الثالث من عام 2008، ما نسبته 290 في المائة. وكان دين الأسر في 1981 يعادل 48 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ 100 في المائة عام 2007. وبلغ تدخل الاحتياطي الفيدرالي في 1980 ما يرواح بين 19 و20 في المائة. أما الآن، فإنه قريب من الصفر.

حين تراجعت معدلات الفوائد في أوائل الثمانينيات، قفز الاقتراض. أما فرص إشعال ارتفاع شديد في الاقتراض الآن، فهي قريبة من الصفر. وحدوث انكماش سببه إصرار البنك المركزي على التخلص من التضخم مختلف تماماً عن انكماش تتسبب فيه المبالغة في الدين وتدهور القيمة الصافية. في الحالة الأولى البنك المركزي يسبب الانكماش، وفي الثانية يبذل جهده لمنع الانكماش.

ثانياً، الذين يجادلون بأن التوسع المالي من جانب الحكومة اليابانية فشل، مخطئون مرى أخرى. وحين يحاول القطاع الخاص تسديد ديونه خلال عدة سنوات، يكون أمام البلاد ثلاثة خيارات: جعل الحكومة هي التي تقوم بالاقتراض، أو توسيع الصادرات الصافية، أو ترك الاقتصاد ينهار في اتجاه لولبي تراجعي من الإفلاس الشامل.

على الرغم من فقدان ثروات تعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي، وتحول 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الميزان المالي لقطاع الشركات من العجز إلى الفائض، فإن اليابان لم تعان ركودا اقتصاديا. وشكل ذلك نصراً. وكان التفسير هو العجوزات المالية الكبرى. وحين حاولت حكومة هاشيموتو، عام 1997، تخفيض العجوزات المالية، انهار الاقتصاد وارتفعت العجوزات المالية الفعلية.

ثالثاً، الاعتراف بالخسائر وإعادة رسملة النظام المالي أمران حيويان، حتى وإن كان عدم الرغبة في الاقتراض هو الأشد أهمية، كما يجادل كو. وتعايش اليابانيون مع بنوك ميتة أعيدت إلى الحياة لما يقرب من عقد من الزمن. وكان تفسير ذلك هو مأزق سياسي، إذ إن العداء الشعبي لرجال البنوك جعل ضخ الأموال الحكومية فيها أمراً مستحيلاً على النطاق الواسع، كما أن قوة رجال البنوك جعلت من المستحيل تأميم المؤسسات العاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.

وادعى الناس، لعدة سنوات، أن المشكلة كانت تتمثل في المبالغة في تخفيض أسعار الموجودات. وفي نهاية الأمر، أجبر انفجار مالي داخلي الحكومة اليابانية على التدخل قبل الأوان. وانطبق ذلك الأمر على الولايات المتحدة في آب (أغسطس)، لكن فرصة إعادة هيكلة كاملة وإعادة رسملة للنظام تم تفويتها.

ربما يكون وضع القطاع المالي في الولايات المتحدة أهم بكثير مما هو عليه في اليابان. التراكمات الكبرى للدين الأمريكي ليست من جانب المؤسسات غير المالية، لكن من جانب الأسر والقطاع المالي. وارتفع الدين الإجمالي للقطاع المالي من 22 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 1981 إلى 117 في المائة في الربع الثالث من عام 2008، بينما ارتفع دين المؤسسات غير المالية من 53 في المائة إلى 76 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وهكذا، فإن رغبة المؤسسات المالية في تقليص ميزانياتها يمكن أن تكون سبباً أكبر للانكماش في الولايات المتحدة.

فما مدى انطباق خبرة اليابان الشاملة على الوضع في الوقت الراهن؟

الأنباء السارة هي أن فقاعات أسعار الموجودات نفسها كانت أقل في الولايات المتحدة مما هي عليه في اليابان. والأكثر من ذلك أن البنك المركزي الأمريكي كان أسرع في إدراك الحقيقة، إذ سارع إلى تخفيض أسعار الفائدة إلى ما يقرب من الصفر، وتحرك باتجاه سياسة نقدية "غير التقليدية".

أما الأنباء السيئة، فهي أن الجدل حول السياسة المالية في الولايات المتحدة يبدو أكثر قدماً ممّا هو عليه في اليابان. ولا يمكن التأكيد بقوة على أنه في ظل انكماش في الميزانية، مع معدلات فائدة رسمية بنسبة صفر، فإن كل ما يتبقى لدينا هو السياسة المالية. والخطر الكبير هو أن تكون هناك محاولة لإغلاق العجز المالي قبل الأوان، وما ينجم عن ذلك من نتائج خطيرة. ومرة أخرى تبدو مقترحات الإدارة الأمريكية بشراكة بين القطاع الخاص والعام، لشراء الموجودات السامة، يائسة.

وحتى لو أمكن جعلها تنجح على صعيد العمليات، فمن المتوقع أن تكون الأسعار أدنى من أن تشجع البنوك على البيع، أو إعادة تقديم دعم كبير من أموال دافعي الضرائب للمشترين والبائعين، أو للاثنين معاً. والأهم من ذلك أنه من غير المحتمل أن يؤدي الرفع المعتدل لأسعار طيف من الموجودات الردئية إلى إعادة رسملة المؤسسات المدمرة. وستبرز الحقيقة في نهاية الأمر. لكن ذلك يمكن أن يعقب ادعاءً مطولاً.

مع ذلك، ما يحدث داخل الولايات المتحدة مازال بعيداً عن أسوأ الأنباء. وذلك هو الانتشار العالمي للأزمة. ونجد أن اليابان كانت قادرة على الاعتماد على الصادرات لاقتصاد عالمي مزدهر. أما الأزمة الحالية، فهي عالمية، إذ إن الفقاعات وطفرات الإنفاق المرتبطة بذلك انتشرت عبر معظم العالم الغربي، كما فعل الجنون المالي وشراء الموجودات الردئية. وتمثل الاقتصادات التي تأثرت بالأزمة مباشرة نحو نصف الاقتصاد العالمي. والاقتصادات التي تأثرت بصورة غير مباشرة، من خلال تراجع الطلب الخارجي والتمويل المنهار، فتمثل الباقي. وتظل الولايات المتحدة، كما هو واضح، مركز الاقتصاد العالمي.

نتيجة لذلك، نواجه انكماش ميزانية عامة وهو وإن كان أبطأ مما شهدته اليابان في التسعينيات، إلاّ أن انتشاره أوسع بكثير. ولهذا السبب، من الخيالي تصور عودة سريعة وقوية للنمو العالمي. فمن أين يأتي الطلب؟ هل يأتي من الاقتصادات الغربية المثقلة بالديون؟ لن يكون شيئا من ذلك. هل يأتي من مستهلكي الدول الناشئة؟ من غير المتوقع. هل يأتي من التوسع المالي؟ إلى حد ما. غير أن ذلك مازال يبدو ضعيفاً للغاية، وغير متوازن للغاية، مع كثير مما يأتي من الولايات المتحدة. وتساعد الصين في ذلك، أما منطقة اليورو واليابان فيبدو أنهما في حالة من الشلل، بينما لا تستطيع معظم الاقتصادات الناشئة، الآن، المخاطرة بإجراءات مندفعة.

كان العام الماضي نهاية لفترة من الأمل. ولا يمكن في أيامنا هذه استبعاد عقد مفقود على صعيد الاقتصاد العالمي. ولابد من منع هذا الأمر. ولن تغفر الأجيال المقبلة للزعماء الذين يخفقون في الارتقاء إلى مستوى هذا التحدي الكبير.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية