الصفقات الحكومية الهائلة لإنقاذ البنوك في أوروبا والولايات المتحدة، رغم أنها كانت ضرورية للحؤول دون انهيار النظام المالي، فتضطر البنوك إلى الانسحاب من الأسواق الأجنبية في سبيل التركيز على مواردها المحدودة في بلادها. بالنسبة للمراقبين ستعمل هذه العملية، إذا بقيت دون سيطرة وضبط، على تعميق الهبوط العالمي وتعكس مسيرة عقود من العولمة.
معهد التمويل الدولي، وهو رابطة تضم البنوك الكبيرة، توقع هذا الأسبوع أن صافي التدفقات الرأسمالية إلى الأسواق الناشئة ستهبط لتصل إلى 165 مليار دولار هذا العام، أي أقل من خمس المستوى قبل سنتين. وقال المعهد إن من المتوقع أن تكون مسحوبات البنوك هي حركة سحب صاف.
هذا الانعكاس الحاد في حركة رأس المال يبدو على الأقل أنه يعود إلى حد ما للضغط السياسي على البنوك، خصوصاً البنوك التي تلقت جرعات كبيرة من مبالغ الدعم الحكومي، للتضحية بعملياتها الدولية في سبيل مواصلة الإقراض للمستهلكين المحليين والشركات المحلية.
بالنسبة للحكومات التي تحاول تفسير قرارها باستخدام المليارات من أموال دافعي الضرائب، تعتبر هذه الاستجابة أمراً مفهوماً. مع ذلك يرى بعض الخبراء أوجه تشابه تنذر بالخطر بين الإجراءات التنافسية بين البلدان من حيث تخفيض قيمة العملة والحمائية أثناء فترة الكساد العظيم. يقول سايمون جليسون Gleeson، وهو شريك في المؤسسة القانونية كليفورد تشانس Clifford Chance: "الخطر أمامنا هو أننا سنخسر النظام المالي العالمي بالطريقة نفسها التي خسرنا فيها نظام التجارة المعولم في الثلاثينيات".
#2#
لا يشترك جميع المصرفيين في هذه النظرة القاتمة. يشير بعضهم إلى أن انسحاب رأس المال من الأسواق الناشئة هو جزء من اتجاه عام واسع يهدف إلى تقليل الخسائر وتقليص مستوياتها الإجمالية من الدين. كل ما فعلته الأزمة المالية هو تعرية المدى الذي بالغت فيه بعض المؤسسات المالية، خصوصاً المؤسسات الموجودة في بلدان صغيرة مثل بلجيكا والنمسا، في تعاملاتها فوق طاقتها، سعياً منها للحصول على فرص نمو أفضل.
قال أحد كبار المصرفيين الاستثماريين: "إذا اتخذت بعض القرارات السيئة، فإنك ستعمل على تخفيض القروض في الدفاتر، وستخفض في المواطن التي تعرفها أفضل من غيرها.
الأمر الواضح هو أن عودة رأس المال هي أمر مؤلم للبلدان التي كانت تعتمد بصورة مكثفة على حركة الأموال الدولية. قال مصرفي روسي كبير: "نحن نواجه النزعة الإقليمية والمحلية في الاستثمارات . . .القضية الآن هي أننا نجد لزاماً علينا استبدال القروض الأجنبية بقروض روسية.
ليست الأسواق الناشئة هي فقط التي تحس بلسعة نقص الأموال. أحد الأسباب في أن الانقباض الائتماني في بريطانيا كان مريراً بصورة خاصة، هو أن البنوك الأيرلندية والأيسلندية والبلجيكية التي كانت تقرض بقوة أثناء الطفرة، انسحبت فجأة من السوق.
مستثمر كبير من الشرق الأوسط قال: "في الوقت الحاضر نرى قدراً من المزايا والأمان في البقاء في بلادنا، أكبر بكثير من الذهاب إلى البلدان الأجنبية. هناك حاجة إلى قدر أكبر بكثير من الإفصاح والشفافية في البلدان المتقدمة. نحن بحاجة إلى ذلك للاستثمار.
المخاوف من الحمائية أضافت إلى وجهة النظر القائلة إن آفاق النظام المالي آفاق قاتمة بالنسبة للمستقبل المنظور. أظهر مسح أجرته مؤسسة أوليفر وايمان Wyman أن قادة البنوك العالمية، يخشون أن عملية التخلص من التعاملات القائمة على الديون الثقيلة يمكن أن تستمر لثلاث سنوات أخرى، ما يؤدي إلى استمرار الظروف الاقتصادية الحالكة حتى عام 2001.
كذلك يشير تقرير المسح إلى أن 75 في المائة من الذين يشغلون منصب كبير الإداريين التنفيذيين في القطاع المالي، لا يتوقعون رؤية أي تعافٍ في أسواق الائتمان والأسهم حتى العام المقبل، ونصفهم يخشى أن هذا التعافي سيتأجل حتى عام 2011 على أقل تقدير، وذلك بالنظر إلى نطاق التخلص من الديون الذي يجري الآن. تشير حسابات المسح أن نحو 50 في المائة، من القيمة السوقية لشركات القطاع المالي ذهبت وانقرضت خلال فترة الأشهر الثمانية عشر الماضية، وأهلكت معها جميع القيمة التي خُلِقت للمساهمين منذ عام 2003.
الوفود التي ذهبت إلى دافوس، وقد وجدت نفسها أمام خطر تفكك النظام المالي، كانوا شبه مجمعين على المطالبة بحل عالمي منسق للأزمة. ولكن هناك قضية أثيرت باستمرار، وهي صعوبة التوصل إلى استجابة من هذا القبيل.
وكما قال لورد تيرنر رئيس مجلس هيئة الخدمات المالية في بريطانيا، للوفود: لا يوجد هيئة مكافئة لمنظمة التجارة العالمية (من حيث التمويل). الناس الذين يحاولون تحقيق التغير، مضطرون إلى استخدام منظمات بصورة غير منتظمة ولأغراض خاصة مؤقتة، وبدون صلاحيات.
هذه مشكلة معروفة في نظام الحوكمة العالمية. ليست لدينا معاهدة دولية، ولكن مع ذلك لا نزال بحاجة إلى أن ينتهي بنا المطاف، بالتوصل إلى قواعد عالمية واضحة.


