بعيداً عن المطاعم الصينية المحلية التي يعتبرها تقليدا باهتا للمطاعم في وطنه، فإن إيريك لين، وهو محام مساعد تم الثناء عليه من فرع الصينى لشركة آلان آند أوفري Allen & Overy، يستمتع بالحياة في لندن. ولكنه قلق من أن يعقد زملاؤه في شنغهاي أثناء غيابه، صفقات ناجحة للغاية بدونه.
ويقول: إن الحصول على الخبرة والصلات في الخارج سوف يساعدني في نهاية المطاف. ولكن المحافظة على شبكة صلاتي في الصين تمثل تحدياً كبيراً.
تشكلت الظاهرة التي لم يكن من الممكن تخيلها في الماضي، فيما يتعلق بانضمام المواطنين الصينيين مثل لين إلى مؤسسات أجنبية، بسبب استيعاب الصين في الاقتصاد العالمي. ووفقاً لمؤتمر التجارة والتنمية التابع للأمم المتحدة، فإن الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني بين عام 2000 ونهاية عام 2007 في البلدان الأخرى ازداد بنحو 245 في المائة. وربما أن الاقتصاد المحلي تداعى منذ ذلك التاريخ، غير أن الاندفاع نحو الانتشار الدولي سوف يستمر، وربما أنه تسارع حيث إن الشركات الصينية تستخدم عوائدها المتراكمة من العملات الأجنبية لتنفيذ الاستحواذات بأسعار متدنية، في أسواق العالم منخفضة القيمة.
إن لظهور الصين على المسرح العالمي عواقب بعيدة الأثر بالنسبة للشركات التي يمتلكها الغرب. وفي الماضي، كانت الشركات متعددة الجنسيات تعين الخريجين الصينيين لإدارة عملياتها في الصين، حسبما يقول تشارلز مكليود، مدير توفير الموارد عالمياً في "بي دبليو سي" PwC. وفي المستقبل، ستكون تلك الشركات بحاجة إلى إخصائيين من الصين، على نحو متزايد في شتى أرجاء العالم، لتولي الأعمال مع الشركات الصينية التي تذهب إلى الخارج.
يقول مكليود: إننا نتوقع الكثير من الفرص للعمل مع الزبائن الصينيين الذين يسعون إلى الاستثمار في الأسواق الأخرى. وفي هذا العام، توظف بي دبليو سي نحو 1700 مواطن صيني، حيث سوف يتدربون في فرعها في الصين.
وسوف تنضم مجموعة أصغر تم تعيينها من جامعات البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية، إلى فروعها في بريطانيا، وأستراليا، والولايات المتحدة. ويضيف: يتمثل هدفنا في أن تتوافر لدينا مجموعة من الأشخاص باستطاعتهم أن يقدموا الدعم لزبائننا أينما ينفذون الأعمال.
بالنسبة للخريجين الصينيين فإن قضاء فترة من العمل لدى مؤسسة عالمية، تمنحهم المكانة، والحصول على أساليب أخرى للحياة، والفرص لالتقاط المهارات القابلة للتسويق في الصين، ويمكن نقلها دولياً. غير أن العمل بلغة وثقافة أجنبية يفرض مطالب كبيرة على الأشخاص، على الصعيدين الشخصي والمهني.
أما سام وانغ، وهو مواطن صيني موظف في المملكة المتحدة من قبل أتكينز Atkins، شركة استشارات التصميم والهندسة، فإنه ترك الصين للدراسة والعمل في الخارج. وبعد مضي سبع سنوات، فإنه ما يشعر بالحنين إلى الوطن، على الأخص خلال احتفالات السنة القمرية الجديدة. وكان هذا العام صعبا تحديداً. وفي الخريف الماضي، قام هو وزوجته، زهين زهو، بوضع طفلهما في رعاية والديه في الصين. وسوف يبقى الطفل هناك حتى شهر أيلول (سبتمبر) المقبل، إلى أن يحصل وانغ على شهادة مهندس معتمد، وتنهي زوجته دراستها الجامعية لعام واحد في جامعة سوراي. وتقول السيدة وانغ إن الابتعاد عن طفلهما في هذه السن الصغيرة للغاية عذاب هائل. ولكن الأمر أيضاً، كما ينظر هو وزوجته إلى ذلك، وكأنه استثمار في مستقبلهما معاً. ويقول: "في الأجل الطويل، فإن الخبرة الدولية سوف تعطينا المزيد من الفرص."
إن الترتيبات العائلية كتلك التي قام بها وانغ شائعة للغاية.وتقول سوي جيانغ، مديرة مركز الأعمال الصيني في المملكة المتحدة التابع لبي دبليو سي، إن الطلبة الصينيين في الغرب يقعون ضمن مجموعتين: المجموعة الأولى تضم النخبة الميسورة حديثاً في الصين، وتضم الثانية أولئك الذين قام أولياء أمورهم بجميع أنواع التضحيات لمساعدة أولادهم على الحصول على قدم راسخة على سلم الارتقاء المهني.
تقول جيانغ: بالنسبة للطالب الصيني العادي الذي يدرس في الخارج، فإن الأمر ينطوي على تضحيات من جانب العائلة. وتعرف جيانغ ذلك جيداً. فمن أجل تمويل تعليمها في بريطانيا، اقترض والدها من ابن عم ثري، وترك وظيفته كمدير عام لشركة اتصالات تملكها الدولة، وانتقل إلى مقاطعة أخرى مع زوجته ليعمل كموظف لدى ابن عمه مقابل الدين الذي يدين به. والجانب الآخر للدعم الذي يقدمه الوالدان هو أنهما يتوقعان من أولادهما أن يعتنيا بهما في مرحلة متأخرة من الحياة.
تقول هيلين زهي، وهي مديرة رفيعة المنصب في فرع الأسواق عالية النمو التابع لكيه بي إم جي KPMG: "عندما تتخرج، فإن طموحك الأول سيكون الحصول على أفضل وظيفة ممكنة. ولكن فيما بعد، سوف نضطر جميعاً لاتخاذ قرار بشأن ما إذا كان علينا البقاء، أو العودة إلى الصين."
بالنسبة للشركات التي تسعى إلى تعيين خريجين صينيين، فإن أقصى أولويتها هي إيجاد أفضل الأشخاص. وتجعل التعقيدات الثقافية هذا الأمر أصعب مما يبدو. والتحدي الأول الماثل عند مقابلة غير الناطقين باللغة الأم هو تمييز الأداء اللغوي الذي يتحسن مع التدريب، عن القدرة على التفكير وهو أمر أصعب في التدريب، وأكثر أهمية في نهاية المطاف.
تتذكر جيانغ بوضوح محاولاتها المتعثرة للتعبير عن نفسها بشكل موجز أمام لجان الاختيار. والآن، عندما تجري المقابلات لمكتب الصين التابع لبي دبليو سي، فإنها تساعد المرشحين على تقديم سرد جيد لقدراتهم باستخدام اللغة الإنجليزية، ولغة الماندارين. فإذا تعذر على المرشح أن يجيب باللغة الإنجليزية، فإنها تعود إلى الموضوع في وقت لاحق من المقابلة مستخدمة لغتهما الخاصة. وإن الرد الأفضل في المرة الثانية، يشير إلى أن مقدم الطلب يجد صعوبة في صياغة أفكاره بلغة أجنبية، وليس في التفكير.
تقول زهي بحسب خبرتها، إن الشعب الصيني مراقب حاد الملاحظة. وفي بيئة غير مألوفة، فإنهم يراقبون الدلائل الثقافية، ويعدلون سلوكهم ليعكس سلوك مضيفيهم. ومع ذلك، تبرز نقاط سوء فهم. فعندما كانت مهنية شابة في الصين، تعلمت زهي أن تكبح ميلها الطبيعي إلى الحديث عندما كانت تحضر الاجتماعات مع رئيسها. وعندما جاءت إلى بريطانيا، فإنها افترضت على نحو طبيعي أن القوانين ذاتها تنطبق. حيث تقول: كان دوري في الصين مراقبة ودعم مديري، وليس التحدث. أما هنا، فيتوقع حتى من أصغر الأشخاص رتبة أن يعبروا عن وجهات نظرهم. ولكن ما من أحد أبلغني ذلك، بل كان أمراً توجب عليَّ شخصياً أن أدركه بنفسي."
هل يعاني المهنيون الذين تدربوا في الغرب ويعودون إلى الصين من صدمة ثقافية عكسية؟ تركت يان لو وطنها لتدرس في جامعة كولومبيا، ثم عملت لدى بنوك وول ستريت، ومجموعة بوسطن للاستشارات. وبعد أن عادت الآن إلى الصين لتعمل كمديرة مشروع لدى شركة بي سي جي BCG فإنها تكتشف اختلافات بسيطة بين ثقافة بي سي جي في نيويورك، وبي سي جي في بكين.
إن ما لاحظته هو أن هناك اختلافا كبيرا بين منهج المؤسسات الكبيرة الذي تقوده العملية، والذي تعاملت معه في الولايات المتحدة، وزبائنها الصينيين، الذين تشبههم برواد الانطلاق بحرية إبان الثورة الصناعية. وتتأمل قائلة: إذا أردت أن تعيش حياة هادئة عالية المستوى، فربما ترغب في أن تعيش في الغرب. ولكن إذا كنت تستمتع بالفرصة المحفوفة بالمخاطر، والفوضى، فربما عليك أن تعود إلى الصين".
إن آفاق المساعدة على ميلاد الصين كقوة صناعية عظمى تشدد ثقلها على المهنيين الصينيين الآخرين. ويعتقد لين أن الحالة المكتئبة للأسواق العالمية خلقت فرصاً قائمة للشركات الصينية لتنفذ الاستحواذات في قطاعات مثل الطاقة والموارد الطبيعية.
يتمثل طموحه في صنع اسم لنفسه في مجال تقديم المشورة للشركات الصينية التي تدخل الأسواق الأخرى. ويقول: "بالنسبة إلي شخصياً، ثمة رضا كبير استمده من العمل بشأن صفقات تساعد على نهضة اقتصاد بلادي".

