عبدالرحمن المنصور:
يقول وزير العمل " أنا أعرف أن هناك وظيفة شريفة ووظيفة غير شريفة أنا لا أعرف تقسيماً آخراً للوظائف". نفيدكم يا وزير العمل أن هناك تقسيمات لا حصر لها تتعدد بتعدد المنظورات التي يمكن استخدامها في عملية التقسيم. فمثلا وليس على سبيل الحصر: المنظور الشرعي للأعمال, المنظور النظامي للأعمال, منظور الأمان الوظيفي, منظور القبول الاجتماعي, منظور معدل العائد المادي, منظور مرونة العائد المادي, منظور القيمة المضافة للناتج المحلي, منظور المصلحة الوطنية. التقسيمات كثيرة ومتعددة ولكن المهم هو أن نستند في عملية تقسيم أو تصنيف الأعمال على المعايير الموضوعية الشاملة التي تساعدنا على توطين الوظائف الحيوية, رفع كفاءة الاقتصاد, زيادة الإنتاجية, التنمية الفكرية للإنسان, البناء المادي للوطن. لكل تقسيم أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة, الأهداف الوطنية متداخلة ومترابطة بشكل كبير, والتوفيق بينها عملية صعبة لأنها أحيانا متضاربة, وهنا تكمن الحاجة الماسة الى أشد أنواع الحذق السياسي والفن الإداري.
يمكن تقسيم الأعمال في الاقتصاد إلى: أعمال بسيطة. أعمال متوسطة. أعمال القيادة والإدارة التنفيذية. الأعمال البسيطة هي الأعمال التي تتسم بالاتي: الأمان الوظيفي المنخفض, القبول الاجتماعي المنخفض, العائد المادي المنخفض أو المتذبذب, قيمة نوعية مضافة متدنية, التكرار, انعدام فرص التطوير الذاتي, ساعات عمل غير محددة. مثال:(السباكة, الكهرباء, الخياطة, الحلاقة...الخ) وبشكل عام, أعمال العمالة الأجنبية المتواجدة في المحلات التجارية المملوكة من قبل أفراد والتي تفتقد للتنظيم المؤسساتي وتفتقر الى التخطيط والإدارة الحديثة المدروسة. هذه الأعمال يجب أن يتم تخصيصها بشكل رئيسي للعمالة الأجنبية وأن يتم العمل على رفع جودة وكفاءة هذه الأعمال مع إيصال أسعارها الى أقل حد ممكن بزيادة حدة المنافسة بين الجنسيات المختلفة في شغل تلك الأعمال. محاولة توطين هذه الأعمال لن ينجح بسبب السمات المذكورة أعلاه, ولما قد يحدثه من ضغوط تضخمية في قطاع تلك الأعمال, ناهيك عن الهدر لعناصر وطنية من الممكن استخدامها في قطاعات أكثر أهمية وحيوية. تعثر توطين بعض الأعمال البسيطة (كأعمال محلات الخضار) كان نتيجة للقوى الطبيعية المحركة للطلب والعرض في سوق تلك الأعمال, والتي تفيد بالجدوى الاقتصادية الى إسناد تلك الأعمال البسيطة الى العمالة الأجنبية وتوجيه المواطنين نحو الأعمال المتوسطة. محاولة توطين الأعمال البسيطة بالقوة سيكون له اثار سلبية عديدة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية متعددة كالتضخم وتلاشي الطبقة المتوسطة. يجب عوضا عن ذلك, القيام بمحاولة رفع كفاءة وجودة تقديم هذه الأعمال مع خفض أسعارها لتحقيق الرفاهية للمواطنين بخفض تكاليفهم المعيشية. من وجهة نظر إستراتيجية, قوى العرض والطلب في سوق هذه الأعمال سيدفع بها إلى الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة خصوصا مع ازدياد سياسات تحرير الاقتصاد العالمي. من الممكن اشتقاق وظائف متوسطة عديدة من تلك الأعمال البسيطة, على سبيل المثال: تحويل نظام الكفالة لعمل مؤسساتي خاص, أو الى مهنة فردية منظمة. سمات الأعمال المتوسطة معاكسة تقريبا لسمات الأعمال البسيطة المذكورة أعلاه, ويجب أن يكون تخصيصها بشكل رئيسي للمواطنين. هي خيار استراتيجي يتم من خلاله حفظ الطبقة المتوسطة في المجتمع التي تعتبر صمام الأمان في الدول الحديثة لمواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية المختلفة. هذه الأعمال تتركز بشكل رئيسي في قطاعات: التعليم, الصحة, التقنية, الصناعة, البنوك والتأمين, السياحة, النقل, العقار. ولعل الدعم الذي تحظى به المشاريع الصغيرة والمتوسطة سيساهم في خلق المزيد من فرص العمل للمواطنين, مع الاشارة الى أهمية تأهيل رواد الأعمال ببرامج تأهيلية خارجية متخصصة, بالإضافة الى البرامج الداخلية. لشغل الأعمال المتوسطة يحتاج الشباب الى تدريب وتعليم ذو جودة عالية يؤهلهم للمنافسة في سوق الاقتصاد العالمي, من الممكن تعزيز الجهود الحالية ببحث استثمارات مبتكرة في التعليم (كاستثمارات خارجية في الدول المتقدمة). فئة الأعمال القيادية والإدارية التنفيذية, بالرغم من قلة عدد أصحاب هذه الأعمال الا أنهم أصحاب التأثير الأكبر في الاقتصاد, ولما لهم من تأثير كبير في شتى المجالات التي يمارسون أعمالهم فيها, فان كفاءة الاقتصاد وجودة حياة المتأثرين بأعمال هذه الفئة ترتبط ارتباطا وثيقا بجودة معارف وتدريب ومهارات وخبرات أصحاب هذه الفئة. لاشك أن توطين هذه الأعمال هو خيار وطني استراتيجي لا بد منه, ولكن قبل ذلك يجب أن يتم الاستثمار في التدريب والتعليم الذي يمنح القوة التنافسية في سوق الاقتصاد العالمي. بتطبيق مبدأ تحويل بعض المهام الجانبية الى جهات متخصصة والتركيز على المهمة الأساسية أو ما يعرف بمبدأ (outsourcing)
على اقتصاد المملكة, نجد أنه من المجدي تخصيص الأعمال البسيطة للأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة والتركيز الرئيسي على الأعمال المتوسطة. ان سبب البطالة هو عدم نجاح سياسات التعليم السابقة في تعزيز القدرة التنافسية لدى المواطنين لتولي الأعمال المتوسطة. والحل يكون بإعادة التدريب والتأهيل للعاطلين حاليا, وبتطوير جودة التعليم الحالي لتفادي حصول نفس المشكلة في المستقبل. أما محاولة حل مشكلة البطالة بالتركيز على الأعمال البسيطة, فهذا حل تكتيكي وليس استراتيجي, لأنه حتى إذا نجح على المدى القصير, فان مصيره الفشل على المدى البعيد.